متابعات

رسائل دراما رمضان المصرية: شرطة ملائكية وشعب مجرم

أسامة صفار

 

 

تظل "ألعاب الدراما " قابلة لإنتاج المتعة وتطوير الوعي والإبداع المستمر طالما بقيت في أيدي مبدعين أحرار يملكون ناصية لعبتهم، لكنها حين تنتقل إلى أيدي سلطة سياسية فإنها تصبح خطيرة ومؤذية إلى حد كبير، ولا تحتفظ بأي من سمات كونها "ألعاب درامية" اللهم إلا الاسم فقط.

ولعلّ النموذج الذي تطور عبر السنوات الأربع الماضية في دراما رمضان بمصر جسّد هذا المعنى كما صوّر تطور حالة السيطرة من التدخل على استحياء وخوف من قبل السلطة أدى إلى تشوهات محدودة في المسلسلات، ومن ثم إلى سيطرة كاملة أدت إلى تشوهات تخللتها ملامح قديمة لما كان يطلق عليه في الزمان الماضي دراما حقيقية.

وفي المشهد الدرامي المصري لعام 2018 بدا للمشاهد والمتابع كأن ثمة اتفاقا على توحيد "البطل" في أغلب المسلسلات ليكون ممثل السلطة بين بسطاء الناس في بلد مثل مصر هو "ضابط الشرطة" وهو الرجل الذي يقوم بأدوار متعددة في حياة الناس بمصر، بدءا من استخراج شهادة الميلاد والبطاقة الشخصية والقبض والإيداع في السجن والمراقبة وحماية النظام الحاكم، وانتهاء بالقتل والتعذيب في بعض الأحيان.

وقد نال هذا الشخص -ضابط الشرطة- من التشويه ما ناله عبر ممارسات الشرطة نفسها -وليس عبر أعمال درامية- خلال السنوات الماضية، وبدا للسلطة السياسية والأمنية معا أنه جاء الوقت لتلميع هذه الصورة بالدراما. وقد يكون الأمر بهذا الشكل مفهوما ومبررا لسلطة تعتقد -دون أي دليل علمي- أن الدراما هي التي تصنع الصور النمطية وليس الواقع، ولكن الأمر أبعد من ذلك بكثير.

مسلسل "رحيم" بطولة ياسر جلال يستهدف ثورة يناير، باعتبارها إشارة البدء لتهريب أموال مصر للخارج وانطلاق تجارة السلاح والمخدرات وغسيل الأموال.

اصطفاف وطني.. خلف السلطة أم الشعب؟

فمنذ يونيو/حزيران 2014 يمثل الإعلام المصري أزمة كبيرة للدولة في مصر، فالسلطة تدعوه للمساهمة في تحقيق ما يسمى "الاصطفاف الوطني" وهو مصطلح عسكري بالضرورة، واستخدمت في سبيل ذلك أساليب عديدة تراوحت بين تعيين من ترضى عنهم رؤساء للصحف القومية إلى تشكيل مجالس لجميع أدوات الإعلام، يسودها أصحاب الحظوة لدى أجهزة الدولة لرسم القواعد التي ينبغي أن تتبعها الصحافة والتلفزيون والإذاعة.

ثم قامت بتشجيع نقل ملكية شبكات التلفزيون لرجال أعمال من المجاهرين بتأييدهم للنظام، ثم أقامت هي بدورها شبكة تلفزيونية أنفقت عليها أموالا ضخمة، وصاحب هذه الجهود ضغوط أدت إلى انسحاب كتّاب وإعلاميين كُثر ممن عُرفوا بآرائهم المستقلة من الصحافة والتلفزيون، والاستعانة في البرامج الحوارية بضباط سابقين في القوات المسلحة والشرطة "كخبراء إستراتيجيين".

ومع ذلك يبدو أن كل هذه الجهود لم تنجح في تحقيق "الاصطفاف الوطني" المطلوب، ورغم ذلك لم ينتِج الاصطفاف -برسائله الفجة والمباشرة وبوجوهه التي يعلم أصحابها أنهم مكروهون- أيّا مما يطمح إليه النظام، ورأي هؤلاء أنه على الدراما أن تقوم بدور الناقل الأمين للشعب باعتبارها النوع الوحيد الذي يُقبل عليه الناس.

ولم يكتف النظام بالآليات التي يتيحها القانون وهي "الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات الفنية"، ولكن تقرر عرض كل مسلسل يحتوي على ضابط أو عسكري على وزارة الداخلية ممثلة في إدارة العلاقات العامة التي تعرضها على الجهة المختصة والتي تعيد بدورها صياغة السيناريو طبقا لما يمكن أن تسمح بعرضه.

وهكذا لمح المنتج الدرامي ما تهدف إليه السلطة التي لا تحتمل "الخروج" على "تلميحاتها" ولو خطأ، فكان الضباط هم المنتج الرئيسي للدراما، وهم بالطبع ضباط شرطة لا يشبهون أولئك الذين يراهم الشعب في حياته اليومية.

 

 

ثورة يناير.. هل غدت عنوانا للفوضى؟

ولأن السيطرة تامة بـ"ذهب المعز وسيفه" فقد كان لـ"ثورة يناير" النصيب الأكبر من محاولات التشويه لإعادة صياغة الوجدان الشعبي، بحيث يكون كارها لثورة يصورها المسلسل باعتبارها مؤامرة وهي سبب كل بلاء وفوضى، وهو هدف رئيسي تفوق أهميته الهدف الأول بالنسبة للنظام.

وثمة مسلسلات حظيت بتركيز الصحافة و حصلت على مشاهدات جيدة عبر آليات القياس على يوتيوب، منها "رحيم" و"طايع" و"نسر الصعيد" و"كلبش 2"، و تصلح هذه الأعمال لتكون مقياسا لتأكيد الفكرة التالية: أن النظام السياسي الذي يشعر أنه استقر وأن اكتمال الاصطفاف الذي يعني بشكل أو آخر دخول الجميع من إعلاميين وصناع دراما تحت طاعة السلطة، يرى أنه قد حان الوقت لإعادة تشكيل الوعي الشعبي طبقا لما تراه هذه السلطة صحيحا وما يحقق أهدافها في المستقبل، بدءا من تحسين صورة ضابط الشرطة إلى تشويه صورة الثائر والثورة مرورا بالهجوم على دول مثل قطر و تركيا والسودان بين طيات المشاهد، وهو ما يؤكد نتيجة نهائية مفادها أن استمرار السيطرة والتحكم من قبل السلطة سوف يُفقد الدراما المصرية أي مبرر لمتابعتها من قبل المشاهد، وبالتالي المُعلن الذي يدفع كلفة الإنتاج وأرباحه أيضا.

 

 

كلبش ونسر الصعيد وطايع ورحيم.. الضابط الملائكي

وحظي مسلسل "كلبش 2" للممثل أمير كرارة بدعم غير محدود من وزارة الداخلية المصرية، وتمثل في رجال الشرطة الذين شاركوا في العديد من المشاهد والأسلحة الخفيفة والثقيلة، وقدّم في المقابل شخصية الضابط "سليم الأنصاري" الذي يلتزم التزاما حديديا بمعايير أخلاقية ومهنية مثالية، ويُقاسي الأمرّين جراء الاعتداء على بيته وحرمته، حيث تُقتل زوجته وشقيقته وتصبح والدته مقعدة بسبب التزامه المهني كضابط يدافع عن بلاده ضد الإرهاب وتجارة السلاح والجاسوسية.

لا يكتفي صانع العمل الدرامي هنا بتركيب صفات ملائكية على الضابط بغية تغيير الصورة المعروفة عنه في الواقع المصري، لكنه يبتز مشاعر المشاهدين الذين يرون شخصا فقد زوجة وأختا وهو صامد ببطولة مدهشة.

أما "نسر الصعيد" فيقدم الممثل محمد رمضان في شخصية ضابط شرطة يحافظ على القانون وتنفيذه، ورغم قتل أبيه والمحاولات العديدة للإضرار به فإنه لا يفقد أعصابه ولا يتهور ولو مرة واحدة.

 

 

وفي مسلسل "طايع" للفنان عمرو يوسف، يلعب الفنان الشاب محمد علي دور ضابط الشرطة المتمسك بالأخلاق الذي يحاول أن يساعد "طايع" بعد معرفته ببراءته، حتى أنه يقوم بتهريب والدة طايع "سهير المرشدي" من البلدة خوفا عليها من جبروت حربي "عمرو عبد الجليل". ولأن الحبكة هزيلة حدّ الإضحاك فإن شخصية ضابط الشرطة الذي يعرف مهرب الآثار ويعرف مواعيد تهريبه لها ولا يستطيع القبض عليه تبدو ضعيفة وتافهة.

ويستهدف مسلسل "رحيم" بطولة ياسر جلال ثورة يناير، باعتبارها إشارة البدء لتهريب أموال مصر للخارج وانطلاق تجارة السلاح والمخدرات وغسيل الأموال، ورغم ذلك يستكمل الصورة بضابط "الأمن الوطني" الذي يطارد المغامر والمجرم رحيم طوال الوقت، وتتميز الشخصية بالحب الكبير والتفاني بالإضافة إلى الشرف والنزاهة.

ورغم محاولات إضفاء الملائكية على أبناء النظام والمسؤولين فإن استكمال الصورة أدى بصناع الأعمال الدرامية إلى إظهار نماذج فاسدة لضباط شرطة، لكن هؤلاء لم ينجحوا في إخفاء مناخات الأعمال الدرامية التي تراوحت بين تهريب المخدرات والقتل والنصب وسرقة الآثار وغسيل الأموال و تجارة السلاح، بمعنى أن مجال عمل الدراما هو المجتمع، حيث تحلله وتدرسه وتصوره، وقد ظهر في هذه الأعمال عبارة عن كل هذه المجالات الإجرامية.

وبالتالي فقد وصلت الصورة بشكلها الكاريكاتوري لتشير إلى أن ملائكة الله الشرطيين قد أُرسلوا من السماء إلى شعب من المجرمين، وفي السردية البديلة أن ملائكة الشرطة تحاول إصلاح ما أفسده الشعب في 25 يناير 2011. وهو ما عبر عنه ضابط الأمن الوطني العقيد أحمد الديب وهو يخاطب رحيم المجرم قائلا بالعامية المصرية ما معناه "إن ما نفعله لا يستهدف إعادة الأموال التي تم تهريبها فقط، ولكنه من أجل ألا يتكرر ما حدث في 25 يناير".

 

قد ينال إعجابكم