متابعات

"رُوحي"

 
رامي عبد الرازق
 
عُرض الفيلم اللبناني "رُوحي" GO HOMEللمخرجة جيهان شعيب ضمن فعاليات الدورة العاشرة للمهرجان الدولي لأفلام المرأة بالمغرب لكنه خرج دون أن يتوج بأي من جوائز المهرجان الخمس التي تُمنح للأفلام الطويلة المشاركة في المسابقة الدولية للمهرجان والتي وصل عددها إلى 12 فيلما من 12 دولة لـ 12 مخرجة من أنحاء العالم، لكن لأن اعتبارات الجوائز تخصّ لجان التحكيم ولا تخص المتلقين فإننا يمكن أن نعتبر أن "روحي" واحدا من أهم التجارب الفيلمية التي عُرضت خلال فعاليات الدورة العاشرة لمهرجان سلا .
كان ختام المهرجان قد شهد فوز أربعة أفلام روائية طويلة وفيلم واحد وثائقي هو "شجرة بلا ثمر" إخراج عائشة مكي من النيجر أما الجائزة الكبرى للمسابقة الروائية فقد حصل عليها الفيلم الألماني القادم من مسابقة "كان" الأخيرة "توني اردمان" إخراج مارين أدي بينما حصل الفيلم الأفغاني "الذئب والغنم" للمخرجة الشابة شاهربانو سادات على جائزة لجنة التحكيم الخاصة والفيلم البلجيكي "بادن بادن" إخراج راشيل لانغ على جائزة أحسن ممثلة بينما حصل الفيلم البريطاني "الوصية" من إخراج شانيا باتن على جائزة أحسن ممثل رجال التي ذهبت لجو ديمبسي.
 
 
اذهبِ إلى البيت
 
عنوان الفيلم باللغة الإنجليزية هو "اذهب إلى البيت" أو "اذهبي إلى البيت" إذا ما اعتبرنا أن صيغة الأمر مأخذوة من مشهد يكتب فيه أحدهم على جدار المنزل القديم للفتاة العائدة من الخارج (ندى) هذا الأمر المقبض باللغة الإنجليزية كي تفهمها وهي المعادل اللغوي للأمر المباشر في العامية اللبنانية (رُوحي) أي اذهبي من هنا أو عودي إلى بيتك كما يأتي عنوان الفيلم بالعربية، وبما أن ندى عائدة من الخارج كي تقيم في منزل جدها الذي تربت فيه قبل أن تهاجر صغيرة وقت الحرب، فإن أمر العودة إلى البيت من ذلك الشخص المجهول يعني أن ما تقيمين فيه هنا ليس بيتك وأنك كمهاجرة لك بيت آخر بعيدا عن تلك الحديقة وتلك الأطلال المهجورة التي لا يريد أحد أن يسكنها فلماذا تأتين أنتِ وتنبشين في الماضي وتحاولين استخراج صندوق الذكريات، الذي نراها في مشاهد الفلاش باك تدفنه في الحديقة مع أخيها الأكبر ثم في النهاية تسترجعه وهي تفتش عن جثة الجد التي تفترض أنها مدفونة في الحديقة.
 
في المشهد الأول من الفيلم نرى ندى التي لا نعرفها تحمل مجموعة من حقائب السفر وتسير في مطالع وشوارع بلدة بسماء غائمة وتبدو من خطوتها الثقيلة أنها عائدة من سفر طويل، هذه الافتتاحية التي تقسمها المخرجة على عدة لقطات بلا موسيقى، فقط ذلك الصمت المشوب بالغموض ووقع أنفاس وخطوات الفتاة على الأرض، تُكسب سياقات الفيلم فيما بعد دلالات موحية وهادئة بلا افتعال أولها فكرة البيت والعودة، هل البيت هو تلك الجدران المتهالكة التي بهت طلاؤها من أثر الإهمال والقِدم والذي تحاول ندى تنظيفه ومحو آثار سنين الحرب والأسرار عنه !
أم البيت هو ذلك الشعور بالاتساق مع الماضي والتصالح مع كل ما فات لأن الحياة يجب أن تستمر مهما كان أثر الفائت غائرا وموجعا في الأرض والروح !
 
هل عادت ندى إلى بيت جدها كي تعيد إحياء ذكراه - المتمثلة في جثته التي لم يعثر عليها أحد وموته المشكوك فيه - أم لكي تستعيد ذاتها وتتصالح مع الطفلة التي كانت كي تولد من جديد في سياق ما يعرف بالوطن الذي نطمئن لترابه لأننا لم نختره ولكننا نحب الانتماء إليه تماما كما تستعيد ندى في النهاية صندوق ذكرياتها القديم والذي خبأته في حديقة المنزل قبل أن تهرب هي وأخوها مع اندلاع الحرب.
 
قد تبدو النظرة الأولى الظاهرية للفيلم كواحد من أفلام هولوكست الحرب الأهلية اللبنانية الشهير ولكن التأني في التعامل مع عناصر السرد والإخراج يضعنا أمام مساحة تأويل تتجاوز الحيز الضيق للقضية القومية إلى أفق أكثر تلونا بالأفكار .. بالإنسانية والمعطيات الحميمية عن علاقة الإنسان بنفسه وماضيه ومستقبله وصلته بما يعرف بالوطن والمكان والجذور.
 
 
التجريد وذاكرة الشك
 
اعتمدت المخرجة جيهان شعيب على مجموعة عناصر سردية وإخراجية لتقديم أطروحتها الإنسانية عن التصالح مع الماضي وماهية العودة للوطن، أولها هو محاولة تجريد سياقات كثيرة من تفاصيل الشخصيات وأماكن الأحداث والزمن .. نحن أمام فتاة تعود بعد سنوات طويلة من الهجرة إلى بلدتها الصغيرة التي خرجت قبل قليل من حرب أهلية طاحنة لا تزال آثارها تبدو على الوجوه الصامتة والتفاصيل الحضارية القليلة والبيوت الخربة وحديث الناس الصامت بالعيون والملامح.
في مناخ بيئي رمادي مليئ بالغيوم والبرد كدلالة على سحب الماضي التي لا تزال تظلل تلك البقعة والبرودة التي ينتجها موت الانفعال عقب معاناة طويلة مع الموت والفقد والغياب التي تسببهم الحرب في كل زمان ومكان تحل به.
 
أما الزمن فهو بلا تاريخ محدد يرتبط بواقع سياسي أو اجتماعي، يمكن أن تدور أحداث الفيلم في سوريا عقب الحرب الأهلية أو في العراق أو في أي بلدة خرجت لتوها من تحت عباءة قابضي الأرواح، اللغة لبنانية في بعض سياقاتها وفرنسية اغترابية في معظم السياقات الحوارية وهو ما قد يعتبره البعض مأخذا على الفيلم ولكن اغتراب اللسان جزء أساسي من تفصيلة الغربة الداخلية والانفصال غير المباشر عن الوطن في مستواه اللغوي المرتبط باللهجة المحلية والمفردات البيئية التي تعكس خصوصية المكان جغرافيا وإنسانيا بل إن إصرار ندى على أن تتحدث اللهجة رغم ضعفها هو جزء من قرار الهوية الذي تتخذه بأن تصبح جزءا من المكان وليس مجرد عابرة أو ضيفة أو فتاة قادمة لتبيع بيت جدها وتعود بالمال لمنفى عائلتها السعيد.
 
حتى الشخصيات نفسها تحمل قدرا من التجريد الجزئي الذي يجعلها غير مرتبطة عضويا مع التاريح السياسي للمكان بقدر ما هي أقرب للنموذج الدرامي منها للكيان الإنساني صاحب الأبعاد التاريخية والبيئية المحددة، على سبيل المثال فإن شخصية القائد العسكري أو (أمير الحرب في ترجمتها الإنجليزية) وهو الشخص الذي تشك ندى أنه وراء موت أو قتل أو اختفاء جدها لا ندري إلى أي معسكر من معسكرات الحرب الأهلية كان ينتمي لكنه أحد أمراء الحرب الذين كانوا موكلين بالقتال وحصد الأرواح المعادية وحماية الأرواح الصديقة.
 
 
ربما لم يعكر هذا التجريد سوى سقطة وحيدة وغريبة للسيناريو عندما تذهب ندى إلى الجنوب في بحثها القلق عن مصير الجد / الجذور فتلتقي بأسرة صغيرة لعمدة البلدة الجنوبية وهناك تقابل فتاة في مشهد مقحم تدخن سيجارة وتنظر إلى الجبال التي تفصل الجنوب اللبناني عن أرض فلسطين لتبوح الفلسطينية لندى بأوجع الفراق والرغبة في العودة للوطن كما عادت ندى إلى وطنها بحثا عن مصير الجد والحديقة التي ربما دفن فيها - كرمز للجذور التي نبتت منها - هذا المشهد المفتعل الذي يبدو مقحما بشكل فج في سياق لا يحتمل التذكير بالقضية الفلسطينية ولا يناسب حجم التجريد والإشارات الذي انتهجه السرد منذ بداية الفيلم حتى لو تعاملنا معه بحسن نية في سياق الدعوة للعودة إلى الوطن كخير عظيم ثمة من هم محرومون منه كالفلسطينيين.
 
ثاني أبرز العناصر التي اعتمدت عليها المخرجة هو عنصر ذاكرة الشك ونقصد به تلك الذكريات المتعددة والمختلفة والمشكوك فيها التي تستعيدها ندى عن علاقتها بالجد، منذ أن كانت فتاة صغيرة إلى المشهد الأخير الذي يتكرر في سياقات مختلفة كل مرة تجعلنا وإياها لا ندري أي تلك الاستعادات المشهدية هو الحقيقة وأيها الخيالي أو المتصور أو المروي على ألسنة الآخرين.
ويرتبط عنصر ذاكرة الشك عند المخرجة بعنصر تكسير الزمن المعتمد على التقاطع المونتاجي والسردي بين حاضر ندى وأخيها الذي يلحق بها إلى الوطن من أجل العثور على مصير الجد وربما بيع البيت والرجوع إلى الوطن البديل الذي دمغ حياتهم وألسنتهم وطبائعهم ببصمته بعد أن زالت بصمات الوطن الأم أو كادت من دمائهم وبقيت فقط كصندوق الذكريات المدفون في الحديقة والمفقود بالنسبة لهم.
 
تقدم لنا المخرجة عبر هذا العنصر تلك الرسالة التي مفادها أنه أيا كانت روايات الماضي أو تفاصيله أو أحداثه التي نذكرها أو لا أو التي حدثت أو لم تحدث فإن الحاضر هو خيار متاح والمستقبل هو قرار ليس من الصعب اتخاذه، فجد ندى الذي يتحول إلى شخصية شبه أسطورية لا ندري مصيرها الحالي .. هل كان رجلا طيبا كما تذكره أم شريرا فاسدا كما يروي عنه الآخرون وكما تتخيل هي في مشاهد الفلاش باك الاستعادية الغامضة، أيا كان مصير الجد فإن ميراثه الحقيقي ليس سيرته الشخصية أو جثته الغائبة بل هو البيت الذي لا يزال قائما ولا يزال صالحا لعودة الحياة إليه عبر الاتصال بالروح الأولى التي تشكل الإنسان حين يولد في أرض ما ويرتبط بها ولهذا لم تعثر ندى وأخوها على جثة الجد بل على صندوق ذكرياتهم القديمة وكأنها إشارة للميلاد الجديد كأطفال مستقبليين يمكن أن يجدوا لغدهم مكانا في الوطن.
 
إن "روحي" هو طرح لسؤال التصالح الذي لا يوجد وطن بدونه، فالوطن ليست حديقة الجد القديمة أو جدران بيته ولكنه التصالح مع فكرة أنه مهما شهد هذا البيت من أيام دموية وكئيبة غابرة إلا أن بقاءه لا يعنى سوى أنه لا يزال صالحا للحياة والنور، وأن الهوية هي قرار نتخذه وليس ميراثا نكتسبه لأن الماضي خارج عن إرادتنا ولكن المستقبل يتحدد برغبتنا في أن نكون وأن نبقى.
    
 
 
 
 

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

"مُرتزق"

ليس من الممكن نسب فيلم "مرتزق" ببساطة إلى ما يعرف بـ "أفلام الألعاب الرياضية" ..