متابعات

سعاد حسني  في "بئر الحرمان"

ياسر ثابت

تزخر السينما العالمية بنماذج للأنثى التي تمر بحالات واضطرابات نفسية تصل إلى حد الاستلاب وتعدد الشخصيات أو الانفصام في الشخصية. 
وإذا كان باركر تيلر قد وصف نجمات عصر الإستوديو، مثل غريتا غاربو بأنهن "الماشيات نيامـًا"، فإن السينما قدمت أيضـًا نجمات كمثال للمسرنمات منزوعات الإرادة حين يُحركهن ماضٍ غامض أو عقدة نفسية أو قوة خفية ما يصعب تفسيرها. ومن هؤلاء النجمات جين تيرني في فيلم دعها للسماء Leave Her to Heaven (1945)، وجوان غرينوود في فيلم أهمية أن تكون جادًا The Importance of Being Earnest (1952)، وكيم نوفاك في فيلم فيرتيغو Vertigo (1958)، وكاثرين دينيف في فيلميRepulsion (1955) وجميلة النهار Belle de Jour (1965). ولعل من أشهر أفلام الفصام العالمية فيلم "ثلاثة وجوه لحواء"The Three Faces of Eve (إخراج نانالي جونسون، 1957)، المأخوذ عن كتاب وضعه الطبيب النفسي كوربيت ثيغبن مع هيرفي كليكلي، الذي شارك أيضـًا في كتابة السيناريو. في الفيلم المذكور معالجة مهمة لمرض اضطراب الشخصية الانفصامية، المعروف سابقـًا باضطراب تعدد الشخصيات، وهو اضطراب عقلي على الطيف الفصامي يوصف بوجود على الأقل شخصيتين بارزتين دائمتين نسبيـًا أو حالة فصام شخصية التي تتحكم بشكل متناوب بسلوك الشخص، وتكون مصحوبة باختلال في الذاكرة للمعلومات المهمة، لا يمكن تفسيرها بواسطة النسيان الطبيعي. على مستوى السينما العربية، هناك أفلام عالجت اضطرابات «الانفصام في الشخصية» لدى الرجل، مثل فيلم «الاختيار» (إخراج يوسف شاهين، 1970) من بطولة عزت العلايلي وهدى سلطان، والذي تدور قصته حول شخص ليس معروفـًا هل هو «محمود» أم شقيقه التوأم «سيد»؛ إذ إنه بعد أن مات أحدهما قرر الآخر أن يعيش بالشخصيتين، ولم يعرف بأي شخصية سيجد السعادة. على مستوى المرأة، يعد فيلم «بئر الحرمان» (إخراج كمال الشيخ، 1969) أحد الأفلام النفسية المعقدة القوية الإيقاع التي كتبها إحسان عبد القدوس، ضمن مجموعته القصصية ''بئر الحرمان'' التي تعالج ازدواج الشخصية. والراوي في كل مجموعة إحسان القصصية هو طبيب نفسي مشهور، يرينا -نحن القراء- أن الإنسان في حاجة إلى غيره دائمـًا، وأنه إن لم يحزن على نفسه، يبحث عن شخص آخر غيره يحزن عليه، أو يتخيل نفسه بطل إحدى القصص المؤثرة، والتقمص الوجداني لأبطالها، بما يدفع به إلى تحمل ما يعانيه البطل الذي يتحد وإياه، نفسيـًا وخياليـًا، فيحزن ويتألم مثله. 

 

 

حملت القصة التي تحولت إلى فيلم اسم «ناهد» عنوانـًا لها، وهي تقع في 46 صفحة. و«بئر الحرمان» نموذج يدل على غيره من هذه القصص فهي تتحرك، سرديـًا، ما بين ازدواج الشخصية والقرين، ولا تخلو البطلة من أعراض الشيزوفرينيا، وطبعـًا، كعادة التحليل النفسي الفرويدي، ترد أصل العقدة إلى الطفولة وإلى الغريزة الجنسية. هكذا، كتب إحسان عبد القدوس أولى قصص مجموعته بعنوان «بئر الحرمان». وجعل بطلتها زوجة تعاني ازدواجـًا حادًا في الشخصية، فهي تغدو امرأة بريئة، عادية، طيبة الخلق، في أحوال صحوها، ولكنها تنقلب إلى نقيضها في الأحوال التي تسيطر فيها أدغال اللاوعي، فتتحول الشخصية إلى نقيضها، حاملة اسمـًا مختلفـًا ومظهرًا مضادًا. ويدفع الطبيب النفسي مريضته إلى أريكة التحليل النفسي ويوجّه بأسئلته تداعياتها إلى مرحلة الطفولة شيئـًا فشيئـًا، وتمضي الجلسات العديدة، لكن دون أن يكتشف الطبيب مصدر العقدة، إلى أن يقرر الاستعانة بالأب، ويلاحقه بأسئلة تتعلق بابنته، إلى أن يحصل منه على ما يبدو مفتاحـًا للعقدة، وعندما يتأكد الطبيب من صحة استنتاجه، بعد أن قاد الأب، بواسطة حدس الطبيب وخبرته، إلى أن يكشف له عن أحد الاحتمالات الممكنة لحل العقدة، ينتقل من الأب، عائدًا إلى الابنة، بعد أن فعل مع الأب ما فعله مع الأطراف التي تركزت حولها تداعيات المريضة، فيضعها على أريكة التحليل، ويبدأ في إطلاق تداعياتها التي يوجهها ببراعة إلى قرارة القرار من أصل العقدة وسببها. وعندئذ، تصل المريضة بنفسها، ومن خلال ما تكشفه لها تداعياتها، إلى أصل عقدتها فتبرأ منها.
 تدور أحداث الفيلم، إذن، حول "ناهد" (سعاد حسني) الفتاة المصابة بازدواج في الشخصية (لأن الانفصام في الشخصية لا يعتبر تعددًا في الشخصيات وإنما انفصال الشخص عن واقعه، أما ما ذُكِر في القصة فهو ازدواج للشخصية أي عدد من الشخصيات في فرد واحد) فتكون "ناهد" الفتاة الرقيقة صباحـًا و"ميرفت" الفتاة اللعوب صائدة الرجال في آخر الليل. 

 

 

أحيانـًا تختلط الأيام عليها وتفاجأ ببعض الآثار على جسدها ولا تعلم من أين أتت، وسط شعور بالتعب والإجهاد يرافقها ويدفعها لعدم الاستيقاظ بسهولة عند كل نهار. تذهب للعلاج، ولكنها تسلك كلا المسلكين مع طبيبها المعالج الذي يقوم بدوره (محمود المليجي)، حتى يكتشف الأخير أن مرضها نتيجة عقدة نفسية من الطفولة سببها قسوة أبيها على أمها عندما اكتشف خيانتها له، وجعلها تعيش باقي حياتها معه تعاني الجفاء والحرمان العاطفي، ما يترك أثره العميق في نفس الطفلة الصغيرة، التي تتعاطف مع والدتها فتكبر لتعيش رغمـًا عنها بشخصيتها الطبيعية صباحـًا وبشخصية والدتها المتعطشة للعاطفة ليلًا. نبحر في هذا الفيلم في رحلة البحث عن سبيل لعلاج "ناهد" في هذه الميلودراما النفسية الاجتماعية، التي كتب لها السيناريو والحوار يوسف فرنسيس. يشارك في البطولة مريم فخر الدين في دور الأم وصلاح نظمي في دور الأب، ونور الشريف في دور الحبيب.

 

 

تختلف القصة الأصلية التي كتبها إحسان عبد القدوس عن الفيلم في أمور وتلتقي معه في أمور أخرى. ففي الكتاب طلبت ناهد أن تذهب للطبيب النفسي من تلقاء نفسها وكلمته شخصيـًا، وحين وجدت جدوله مزدحمـًا اتصلت بزوجته ورجتها أن يحدد لها موعدًا، أما في الفيلم فهي تذهب له بعد أن نصحها الطبيب الذي تزوره أن تلجأ إلى طبيب نفسي وكتب لها العنوان والاسم مقترحـًا عليها ذلك، أي أن لجوءها للطبيب في الفيلم كان بإيعاز من طرف آخر وليس نتيجة دافع شخصي ورغبة ملحة كما هي الحال في القصة. في القصة "ناهد" متزوجة، ومضى على زواجها عامان، أما في الفيلم فهي مخطوبة وعلى وشك الزواج، وهي في القصة تخون زوجها مجبرة وتعي أن ذلك يحدث ولا تستطيع المقاومة فهناك دومـًا أسباب تبرر تلك الخيانة وذكرتها للطبيب مرارًا. في الفيلم هي تخون خطيبها ولا تذكر شيئـًا البتة، أي أنها تخونه من دون أن تعي ذلك. في الكتاب، أجرى الطبيب مع ناهد 312 جلسة، بمعدل جلستين كل أسبوع، من دون أن يصل إلى بداية علاجها إلا بطريق الصدفة وفي الجلسة الأخيرة. في الفيلم بعد عدة زيارات تم حل العقدة وكشفها بوضوح وسرعة. توجد أيضـًا تفاصيل أخرى متعددة تجعل مقارنة الفيلم بالقصة أمرًا مقبولًا في بعض الخطوط العريضة، لكن يبقى جزء مهم في القصة لم يُذكر في الفيلم ولم يُشَر إليه من قريب أو بعيد، فناهد في الكتاب لم تكن من صُلب الرجل الذي تعتقد أنه أبوها، والذي عاش شبه منفصل عن والدتها طوال 27 عامـًا داخل بيت واحد بهدوء وصمت.

وتقول الصحفية إيريس نظمي إنه تم دعوتها مع مجموعة أخرى من الصحفيين والنقاد إلى العرض الخاص للفيلم؛ حيث تم وضع نهايتين وعلى الحضور أن يحددوا اختياراتهم لوضع نهاية الفيلم. كانت النهاية الأولى هي ذهاب ناهد إلى خطيبها في الفندق؛ حيث تعترف له بكل ما حدث وما لم تعلمه، موضحة له مرضها النفسي وما ترتب عليها من سلوكيات مشينة. يذهل خطيبها ولا يتمكن من الرد عليها، فتترك دبلة الخطوبة وتذهب وقد سيطرت على ذهنها فكرة الانتحار، لكنه ينقذها في آخر لحظة، لينتهى الفيلم نهاية سعيدة. أما النهاية الأخرى والتي رأت إيزيس أنها أكثر منطقية فكانت أن تخرج الفتاة من الفندق بعد اعترافها لخطيبها لتجد والديها بعد أن عرفا الحقيقة من الطبيب. ونرى الأم وهي تخلع معطفها لتستر به جسد ابنتها، وتنطلق سيارة الأب بالعائلة الصغيرة تاركة الخطيب يقف وحده ويرقبهم وهم يمضون بعيدًا، وكان هذا الاختيار هو الأكثر واقعية.في تلك الفترة أيضـًا كان فيلم «نادية» معروضـًا في دور السينما، فقد كان أول عرض له بتاريخ 8 ديسمبر 1969، وهو من إنتاج رمسيس نجيب أيضـًا ومن بطولة سعاد حسني التي قامت من خلاله بدور شقيقتين توأم (نادية ومنى) لكل منهما شخصية مستقلة، ما يجعل أداءها في الفيلم كأنه دوران وليس دورًا واحدًا. العمل مأخوذ من رواية للكاتب يوسف السباعي تحمل الاسم نفسه. في قصة إحسان قامت بدور فتاة لها شخصيتان متناقضتان (ناهد وميرفت) وقد أدت الأدوار الأربعة في الفيلمين باجتهاد واضح. من السمات المشتركة للعملين أيضـًا أنهما بالألوان الطبيعية في وقتٍ كانت أفلام الأبيض والأسود هي المنتشرة في دور العرض، لكن يبقى فرق آخر يبتعد عن الأدوار والقصة وما شابه، وهو أن «بئر الحرمان» تم طبعه في القاهرة وفيلم «نادية» تم طبعه في الخارج. هذا المناخ في تلك الفترة قد لا يدل على حس تجاري مقرون بالجودة أو المنافسة فحسب، بل على رغبة في العمل والإنجاز وإثراء قطاع الثقافة والفن بإضافات جديدة ومتنوعة واتجاهات مختلفة في فن الترفيه وصناعة السينما. في البدء، رشح الكاتب إحسان عبد القدوس أسماء مختلفة لدور "ناهد" في «بئر الحرمان»، فقد رشح ماجدة، ونادية لطفي وسميرة أحمد. ولم تكن سعاد حسني من ضمن الأسماء التي رشحها، لكن المخرج كمال الشيخ هو من رشح سعاد قائلًا: "إنها لم تقدم من قبل مثل هذا الدور. حقيقة إنها لعبت أدوار الفتاة اللعوب والشابة التي ترقص وتغني والبنت الشقية المتمردة المراهقة التي تبدو مغرية عن غير قصد، ولكن هذا الدور غريب بالنسبة لها. وهناك نقطة أخرى مهمة وهي أن سعاد وجهها عند اللزوم من الممكن أن يميل إلى البراءة الشديدة، إنها تستطيع أن تؤدي التضاد بين الشخصيتين بيسر وسهولة وتكسب تعاطف المشاهد لا سخطه".

بعد سنوات، قامت سعاد بدورٍ آخر كتبه إحسان في المجموعة القصصية نفسها "بئر الحرمان"، وكانت القصة بعنوان "حالة الدكتور حسن" والتي أصبحت فيما بعد عند العرض عام 1974 "أين عقلي". وإذا كان هناك من قال بعد أن نالت سعاد حسني إشادة كبيرة على أدائها في هذا الفيلم "إن سر إجادة سعاد لهذه الأدوار أنها بلا شخصية محددة؛ لذا فهي من السهل أن تتقمص أي دور بسهولة"، فإنه مدحها من حيث أراد أن يذمها. وربما سبب هذا التعليق ما ذكرته سعاد حسني عن ذاتها يومـًا بكل وضوح وشفافية حين قالت: ".. خارج الاستوديو لا أعرف من هي سعاد.. ما هو موقفها من الناس.. من الأشياء… ولعل هذا سر إجادتي للأدوار التي أقوم بها، فالممثلة ذات الشخصية القوية في الحياة لا بدَّ أن تترك جزءًا من شخصيتها في الدور الذي تؤديه. إنها لا تستطيع أن تصبح بسهولة أي إنسانة أخرى.. وإنما هي دائمـًا فلانة الممثلة.. أما أنا فأذوب في الشخصية التي أمثلها؛ لأني لم أكتشف حتى الآن شخصيتي الحقيقية.. أنا في الواقع بلا شخصية"!
اللافت للانتباه أنه وبغرض تكوين فكرة علمية صحيحة حول شخصية البطلة، ذهب المخرج كمال الشيخ إلى كل من د. أحمد عكاشة، الطبيب النفسي المعروف، الذي بيّن لفريق العمل بعض الحقائق التي كانوا يجهلونها. كما ذهب المخرج أيضـًا إلى طبيبة أعطت الدور أعماقـًا أخرى وهي د. زينب الغتيت التي ذكرت أن رسم الشخصية لا يخلو من أخطاء علمية كثيرة، حاولت أن تساعدهم قدر المستطاع في تفاديها.


 

قد ينال إعجابكم