متابعات

سينما الضدّ السوري

 
بشار إبراهيم
 
اختارت الدورة الـ27 من «أيام قرطاج السينمائية» (28 أكتوبر – 5 نوفمبر 2016)، ما يمكن أن نسميه «سينما الضدّ» لتمثيل السينما السورية، في حين أقصت أيّ مشاركة يمكن أن تنتسب إلى «المؤسسة العامة للسينما»، التي لا نعرف إن كانت حاولت المشاركة، وأرسلت جديد أفلامها، أم لا. المهم أن النتيجة قالت إن المشاركة السينمائية السورية، سواء داخل المسابقة الرسمية، أو في البرامج الموازية، كانت من الأفلام «المُضادة»، سواء أكانت هذه الأفلام تنتسب إلى «الثورة»، أم «المعارضة»، أم من الإنتاجات المستقلة.
 
لن نبدأ الحديث قبل التوقّف أمام التكريم الذي لقيه المخرج الكبير محمد ملص، في إطار الاحتفالات بمرور السنة الخمسين على انطلاقة «أيام قرطاج السينمائية» (1966 – 2016)، وهو أحد المخرجين العرب القلائل الذين نالوا «التانيت الذهب» مرتين، عن فيلميه البديعين: «أحلام المدينة» (1984)، و«الليل» (1992)، اللذين عرضا برفقة الفيلمين السوريين المتوّجين بالذهب أيضاً: «المخدوعون» لتوفيق صالح (1972)، و«كفر قاسم» لبرهان علوية (1974)، في حصيلة سينمائية سورية مميزة، محفورة بالذهب في ذاكرة «أيام قرطاج السينمائية»، وتاريخ السينما العربية، على السواء.
 
ربما علا غبار الوقت تلك اللوحة، أو لعل زلازل الأحداث شقّقتها، لكن محمد ملص احتفظ بتألقه على المستوى الشخصي والمهني: الإنساني والسينمائي، وبقي ضمن ثلة قليلة من السينمائيين والمثقفين السوريين (بل والعرب)، قادرة على التماسك والتوازن، في أزمان القلق والتيه. تكريم محمد ملص هو تكريم شخصي له ولتجربته وأفلامه وكتاباته وتوجّهاته، تماماً كما هو تكريم للسينما السورية التي حاولت أن تقول الكثير من خلال أبرز أفلامها، «لئلا يحدث ما حدث»، بحسب تعبير ملص نفسه، لحظة تسلّمه التكريم من الرئيس التونسي قايد السبسي.
 
 
ليس من المغالاة أبداً القول إن تلك السينما السورية التي حقّقها محمد ملص، وأبناء جيله من السينمائيين السوريين، خلال سبعينات وثمانينات وتسعينات القرن العشرين، وعبر إنتاج «المؤسسة العامة للسينما»، تبقى الذروة الإبداعية التي لم يستطع سينمائيون سوريون لاحقون، حتى اليوم، مجاراتها، أو محاكاتها، ناهيك عن تجاوزها!. ولعل وقتاً طويلاً سوف يمرّ، قبل أن يترجم سينمائي سوري، تلك الأحاديث التي لا تنقطع منذ العام 2011، عن انطلاق سينما سورية «جديدة»، أو سينما «بديلة»، أو ما ذهب البعض من قول عن «سينما حرّة». 
 
لم تحقّق المشاركة السينمائية السورية في الدورة الـ27 من «أيام قرطاج السينمائية»، أيّ تانيت، من أيّ معدن، بل إن تلك المشاركة كانت عابرة؛ لم تترك أثراً، ولم تثر جدلاً. كانت أقرب إلى المشاركة الصامتة، في خجل، وعلى استحياء. فبينما غابت الأفلام السورية عن «المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة»، حضرت في «المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة»، من خلال: «مزرعة الأبقار»، للمخرج علي شيخ خضر، و«منازل بلا أبواب»، للمخرج آفو كابرليان. ما يؤشر، منذ الوهلة الأولى، إلى أنها من نوع مشاركة سينما الهواة لا المحترفين، وأقرب إلى صيغة «العمل الأول لصاحبه»!؛ الذي لم يُؤثر عنه حضوراً في المشهد السينمائي السوري.
 
«مزرعة الأبقار»، للمخرج علي شيخ خضر (60 دقيقة، 2016)، فيلم آخر غير الذي انتهى إليه. المخرج الشاب علي ينوي التصوير مع قريبه حسن؛ الشاب مثله، ولكن صاحب الخيار المُختلف عنه في الحياة. قرّر حسن أن تكون حياته «مربياً للأبقار»، في مزرعة شاء أن ينطلق بها في منطقة السلمية. ينطلق التصوير منذ العام 2010، بكاميرا المخرج الشخصية، ومن دون تجهيزات مُناسبة للالتقاط الصورة وتسجيل الصوت. ثمة ما هو أقرب إلى تصوير الهواة، والفيديو المنزلي، واللعب الذي يمكن لشابين قرويين ممارسته بحضور كاميرا.
 
 
وما كان يمكن أن يبقى في إطار أحلام شاب سوري، ينزع لبناء مشروع استثماريّ، يحقّق من خلاله كفاية اقتصادية، وربما حياة مستقرة، سوف ينعطف جذرياً مع اندلاع «الثورة السورية»، في مارس العام 2011. يدخل الحدث الكبير حياة السوريين، ويرجّها بعنف، ويضعهم في مهبّ مستقبل غامض. لن يتردّد حسن عن التصريح بآرائه السياسية، على ما فيها من «حكمة السذاجة»، وتبدو مواقفه معارضة لما يحدث، وأميل إلى الاستقرار على واقع الحال. إنه مؤيد لـ«النظامك، معارض لـ«الثورة»، وسيمضي حسن في خياره الحياتي هذا، حتى النهاية.
 
ولا يبتعد فيلم «منازل بلا أبواب»، للمخرج آفو كابريليان (90 دقيقة، 2016)، عن صيغة تصوير الهواة، والفيديو المنزلي، تارة بسبب موضوعه، وأُخرى وفق النتيجة التي انتهى إليها. فعلى مستوى الموضوع يقوم الفيلم على فكرة التلصص بالكاميرا. المخرج الشاب يأخذ ركناً في بيته مطلاً على الشارع، يصوّر من خلاله زاوية ممكنة. شكل ما من «الرجل والكاميرا»، وربما «فيرتوف السوري». المشكلة أن المخرج يتوارى مع كاميرته، بينما ثمة أعراس وجنازات وحياة تمضي في جزء وافر من الفيلم، والمنطقة، والشارع. كما أن شريط الصور المُستهدفة يُقسر على التشبيك مع فصول من تاريخ الأرمن في القرن العشرين، والمجازر التي ارتكبها الأتراك؛ الداعم الأبرز لـ«الثورة السورية»!.
فيلمان يفتقدان للكفاءة والجودة الفنية والتقنية، على مستوى رداءة الصورة والصوت، بحكم طبيعة تصوير الهواة، وعدم المعالجة في شكل صحيح في مراحل تالية. كما هما فيلمان يفتقدان للنضج السياسي، والنباهة، في تناول موضوعيهما، إلى درجة تنقلب ضد مقصديهما، سواء أكانا يهدفان للانتساب إلى «سينما الثورة»، أم إلى «سينما الضدّ». مرثية حسن، الذي من المفترض أنه «ضد الفيلم»، تتحوّل قيمةً أسمى من مقاصد المخرج، وأكثر نبلاً. والدماء النازفة في مجازر الأرمن تلطّخ أيدي حلفاء الفيلم، أعداء «النظام».
 
ستبدو المشاركة السورية في «المسابقة الرسمية لأول عمل للفيلم الطويل»، من خلال فيلم «جلد»، للمخرجة عفراء باطوس (85 دقيقة، 2015)، أفضل حالاً، لاسيما أن المخرجة تعرف جيداً ما الذي تريد رصده في الفيلم، وتمضي إلى تحقيقه. وثائقي «جلد»، الذي سبق أن كان عرضه الأول في «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، يسير على خطين متوازيين أساسين، عنوانهما الانهيار؛ الداخلي الذي يطال المخرجة ذاتها، في الوقت الذي تصور انهيار عالمي بطلي فيلمها؛ حسين وصبحي، مع التحولات التي عصفت بالحال السورية منذ ربيع 2011. فيلم جيد الصنعة، تسبقه الأحداث السورية والوقائع بتسارعها وتحولاتها.
 
 
وفي إطار مسابقة «قرطاج السينما الواعدة»، كانت المشاركة السورية الوحيدة على مستوى الفيلم القصير، من خلال فيلم «الغيبوبة»، للمخرج عمرو علي (16 دقيقة، 2016). يرافق فتى شاب رجلاً كهلاً، ربما هو والده أو جدّه. مقتضيات البناء والسرد لا تسمح بوجود حوار. لكن الفيلم المُصاغ في شكل جيد، مليء بكل ما يمكن قوله، أو تصويره، أو التعبير عنه بالدلالات. تنتقل الإيحاءات من حيز التجربة الفردية، الشخصية، إلى مستوى التجربة العامة، على مستوى البلد، لاسيما مع إشارات غير خافية على زمن الحرب الذي تشهده سوريا، والأفكار التي تتناهش الشاب أن يفرّ ناجياً بنفسه، بعيداً عن جثة الأب الحي الميت.
 
أما خارج إطار المسابقات الرسمية، وفي البرامج الموازية، فقد حضرت سوريا في برنامج «سينما العالم»، من خلال فيلم «محاصر مثلي»، للمخرجة هالة العبدالله (90 دقيقة، 2015)، وفيه تعمل المخرجة على صناعة بورتريه خاص بالكاتب والمؤرخ السوري فاروق مردم بك (1944)، المُقيم في باريس منذ قرابة نصف قرن. «محاصر مثلي»، الذي نال دعماً وتمويلاً من برنامج «تكميل»، في «أيام قرطاج السينمائية»، العام الماضي، محاولةٌ في الثقافة والمثقف السوري، باشتباكه مع تحوّلات الواقع السوري، منذ ستينات القرن العشرين، حتى اليوم، ومع القضايا العربية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، لينتهي المنفى الطوعي أو الاختياري، إلى منفى إجباري قسري. ويتحول المثقف السوري من مؤيد وداعم للقضية إلى قضية بنفسه، وقد صار منه اللاجئ والنازح واللاجئ.
 
إشكالية «محاصر مثلي» تكمن في انطلاقته من افتراضين غير صائبين: أولهما الاعتقاد بأن المُشاهد يعرف من هو فاروق مردم بك، وثانيهما الافتراض أن من يعرفه اسماً يدرك أهمية في الثقافة السورية الجديدة، أو دوره الفاعل فيها. هذا سوف يؤسس في غالب الأحيان إلى علاقة فاترة ما بين المشاهد والفيلم، لاسيما مع انشغال المشاهد بلملمة ما يمكن من معلومات من الشخص الذي يحتل الشاشة ومساحة الكلام. وتتعزّز العلاقة الفاترة وتتحوّل نفوراً في المشهد الفاخر الذي يجتمع فيه نخبة من المثقفين السوريين إلى مأدبة، يتداولون أطراف الكلام عن «الثورة السورية». صورة «أرستقراطية سورية فرنسية باذخة»، تنتهي إلى «سينما الضد» للفيلم نفسه، والواقع يئن بأوجاع ملايين السوريين، في البلد والمنافي.
 

قد ينال إعجابكم