متابعات

"سينما المؤلف" الفرنسية نقيض هوليوود

أمير العمري

فرنسوا تريفو يحاور العملاق الفريد هيتشكوك.

يعود مصطلح "سينما المؤلف" إلى اثنين من كبار المنظرين ونقاد السينما الفرنسيين. الأول هو الناقد والمخرج ألكسندر أستروك، والثاني هو الناقد والمنظر الشهير أندريه بازان.

في مارس 1948 نشر ألكسندر أستروك (مواليد 1923) مقالا بعنوان "مولد سينما طليعية جديدة- الكاميرا قلم" في مجلة "إيكران فرانسيه" أي "الشاشة الفرنسية" هذا المقال سيصبح فيما بعد، "مانيفستو" حركة الموجة الجديدة في السينما الفرنسية التي ستنطلق قبل نهاية الخمسينيات، وفيه يقول أستروك إن السينما لغة مثلها مثل الأدب، وإن المخرج السينمائي عندما يخرج فيلمه، فإنه يتعامل مع الكاميرا، وهي أداته الأساسية، كما يتعامل الكاتب مع القلم، ويعبر عن أفكاره وهواجسه باستخدام الكاميرا كما يفعل الكاتب أو المؤلف الروائي وهو يكتب روايته بالقلم.

وقد التقط الفكرة الناقد أندريه بازان ليكتب أن الفيلم يجب أن يُنسب إلى مخرجه، وأنه إذا كان المخرج هو الذي يسيطر على الجوانب الفنية المختلفة التي تتحكم، في نهاية الأمر، في مكونات الصورة والصوت في الفيلم، فلابد أن يكون المخرج مؤلفا مثله في ذلك مثل الأديب، سواء اشترك في كتابة السيناريو أو لم يشترك.

دور كراسات السينما

فكرة المخرج كمؤلف لأفلامه كالكاتب الروائي، واعتباره بالتالي، المسؤول بشكل تام عن محتوى الفيلم صوتيا وبصريا، وأنه يعبر من خلال الوسيط السينمائي، أي الفيلم، عن رؤيته للعالم من حوله، سرعان ما وجدت ترحيبا كبيرا من جانب نقاد مجلة "كراسات السينما" الشهيرة التي برز دورها في الخمسينيات، وكانت تضم في ذلك الوقت أسماء لامعة لنقاد مثل فرنسوا تريفو وجون لوك غودار وكلود شابرول وإريك رومير وجاك ريفيتوكان أول من اهتم بتطوير هذه الفكرة وإكسابها مزيدا من المعاني والتجليات، فرنسوا تريفو، وسرعان ما سيصبح معظم نقاد "كراسات السينما" مخرجين مرموقين يسعون إلى تطبيق أفكارهم بشكل عملي، على الأقل في أفلامهم الأولى.

كان تريفو يرى أن الأفلام التقليدية، بغض النظر عن مستواها الفني، سواء أكانت جيدة أم غير جيدة، هي أفلام تفتقر للأصالة في التعبير، أي أنها أفلام يصنعها "مخرج منفذ" ينفذ سيناريوهات كتبها غيره دون أن يضفي عليها من رؤيته، ودون أن يكون حرا في التعامل الفني معها نتيجة سطوة "نظام الإنتاج" في هوليوود بل وفي السينما التجارية الفرنسية التي كانت سائدة آنذاك أو بسبب التكوين الشخصي والثقافي للمخرج الذي يتعلم في معاهد السينما أو في الأستديوهات خلال عمله كمساعد، أن المخرج مجرد شخص منفذ، مهمته التنسيق بين مختلف المهن السينمائية لكي يضمن مستوى حرفيا جيدا في تنفيذ السيناريو، وهو يتعاون في ذلك مع طاقم متعدد الأذرع يتكون من المصور والمونتير ومهندس الديكور ومهندس الصوت ومصمم الملابس، وغيرهم.

كان "النفس الأخير" أول أفلام غودار افتتاحية "الموجة الجديدة".

الولع بهيتشكوك

عبر تريفو عن آرائه بحماس شديد وصل إلى حد قوله إن أسوأ أفلام المخرج الفرنسي جون رينوار، أفضل من كل أفلام المخرج جون ديلانوي الذي كان فيلمه "السيمفونية الرعوية" أول فيلم يحصل على "السعفة الذهبية" في الدورة الأولى من مهرجان كان عام 1946 وكان تريفو يقصد أن أفلام ديلانوي تفتقد لتلك النزعة الجمالية الأصيلة التي تميز أفلام رينوار، وتتميز بتحررها من القوالب التقليدية في السرد وفي التصوير، وبالأخص، الطابع الشخصي أو البصمة المميزة، فقد كان معظمها يستند في تلك الفترة، إلى أعمال أدبية.

وقد شن تريفو هجوما شديدا على الأفلام التي يكتبها كتاب سيناريو كان يرى أنهم يستخدمون الأصل الأدبي ويحشونه بأفكارهم السياسية الخاصة، ودافع تريفو كثيرا عن فكرة تصوير "روح" العمل الأدبي دون الالتزام الحرفي بأحداثه وشخصياته. واعتبر مخرجين مثل رينوار وماكس أوفولس وجاك تاتي وروبير بريسون، "مخرجين مؤلفين"، كما أعلى كثيرا هو وزميله كلود شابرول، من شأن المخرج الشهير ألفريد هيتشكوك، واعتبراه نموذجا مثاليا للمخرج- المؤلف، رغم أنه لم يكن يكتب أفلامه بنفسه، كما كان يعمل في ظل نظام الإنتاج الأمريكي الذي يعتبر المخرج مجرد منفذ، وأن المسؤول الأول والأخير عن الشكل النهائي الفيلم هو مدير الاستديو أو مدير شركة الانتاج، أو ببساطة "المنتج"، الذي كان يسمح لنفسه بالتدخل في عمل المخرج أثناء التصوير، ثم ينتزع منه الفيلم بعد التصوير ويستبعده، ليشرف بنفسه على عملية المونتاج. وكانت عقود العمل الموقعة مع المخرجين في هوليوود تنص على أن مرحلة المونتاج هي حق خالص للشركة، فإما أن يرضخ المخرج لتعليماتها ويقوم بإجراء التعديلات المطلوبة، أو يجد نفسه مطرودا، لكن هيتشكوك تمكن بفضل ما حققه من نجاح أسطوري، أن يفرض نفوذه على شركات هوليوود، وأن يحصل بالتالي على مساحة كبيرة من الحرية، سواء في اختيار موضوعاته وتطويرها أو في طريقة إخراجه لها، أو في اختيار ممثليه وطاقمه الفني ثم تجسيد أفكاره سينمائيا.

وقد عبر تريفو عن افتتانه الكبير بهيتشكوك في الكتاب الذي أصدره عام 1966 ويضم سلسلة الحوارات التي سجلها مع المخرج الكبير. وكان تريفو مفتونا بوجه خاص، بالاهتمام الكبير الذي يوليه هيتشكوك لعملية المونتاج، والمفارقة، أنه كان معجبا أيضا بأسلوب هيتشكوك في تصويرأفلامه، فقد كان هيتشكوك يعتمد اعتمادا كاملا على التصوير داخل الاستديو، أي على النقيض من أسلوب مخرجي الموجة الجديدة الذي كان يعتمد على التصوير في المواقع الطبيعية، واستخدام الكاميرا الحرة المحمولة على الكتف التي تضفي الطابع التسجيلي، والنقلات السريعة للمونتاج، والاستعانة بالكثير من المقاطع الصوتية من خارج الموقف أو) الحدث (خاصة في أفلام غودار.

كانت أفكار تريفو التي تتعلق بسينما المؤلف، تستند أساسا إلى ما طرحه الكسندر أستروك في مقاله الشهير عام 1948 الذي يقر بأن الفيلم عمل مركب، وجزء من الصناعة السينمائية، وأنه ليس من الممكن بالتالي، تجاهل كون الفيلم منتجا تجاريا يجب أن يقدم نوعا من التسلية، إلا أنه في الوقت نفسه، يمكن للفيلم أن يكون عملا فنيا رفيعا، مثل الرواية والقصيدة واللوحة التشكيلية. وإذا كان الأمر كذلك، فلابد أن يكون هناك "فنان" واحد يُسند إليه الفيلم، أي يكون صاحب الرؤية الفنية التي يتضمنها، كما في حالة الروائي والشاعر والرسام. كيف إذن يمكن إسناد الفيلم إلى مبدع واحد بينما الفيلم نتاج جهود جماعية من طرف كتاب السيناريو ومصممي الديكور والمصورين والممثلين والمونتيرين وغيرهم؟ كان رأي نقاد "الموجة الجديدة" أن المخرج هو هذا "الفنان"، "فنان الفيلم" أو "المخرج- المؤلف" ولا تعني كلمة مؤلف هنا أن المخرج يجب أن يكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه، بل إنه يوازي في إبداعه المؤلف الروائي، أي يعبر عن رؤيته الخاصة من خلال أفلامه، وأصبح بالتالي لا يُكتب في عناوين الفيلم العبارة التقليدية "فيلم من إخراج فلان" بل "فيلم لفلان".

الكسندر استروك صاحب نظرية "الكاميرا- قلم" وتوفي في مايو 2016.

منافسة كاتب السيناريو

كان مؤلف الفيلم قبل ذلك هو كاتب السيناريو، لكن الموجة الجديدة استبعدت الكاتب وأعلت كثيرا من شأن المخرج ودوره، ولم يقتصر الأمر على المخرجين أصحاب الأفلام  "الفنية" غير التجارية ضمن هذا التصنيف، بل اتجه نقاد الموجة الجديدة نحو السينما الأهم والأكثر تأثيرا في العالم، أي السينما الأمريكية، وبدأوا يدرسون أفلام مخرجين مشهود لهم مثل هوارد هوكس وجون فورد وألفريد هيتشكوك وأورسون ويلز ونيكولاس راي، واعتبروا هؤلاء وغيرهم، من كبار مبدعي السينما، أي أنهم ينتمون إلى عالم "المخرج- المؤلف"، طالما أنهم يعبرون تعبيرا حرا في أفلامهم عن أفكارهم وهواجسهم، أي باختصار-  عن رؤيتهم وعالمهم الخاص.

انتشرت نظرية سينما المؤلف خارج حدود فرنسا، ووجدت لها أصداء في بريطانيا وألمانيا والسويد وإيطاليا وأسبانيا وغيرها، بل واستطاعت أن تعثر لنفسها على مكان راسخ في النقد السينمائي الأمريكي أيضا. وقد تبناها أندرو ساريس (1928- 2012)، أحد أشهر النقاد الأمريكيين وأكثرهم تأثيرا، وقد كتب عنها كثيرا، وعن السينما الفرنسية بوجه خاص، بعد أن تحول أصدقاؤه، غودار وتريفو وشابرول، الذين ارتبط بصداقات معهم خلال إقامته لمدة عام في باريس، من المخرجين المرموقين الذين غيروا وجه السينما الفرنسية في الستينات. وقد نشر ساريس كتابه الشهير "السينما الأمريكية: مخرجون واتجاهات" (1968) وفيه أعاد تسليط الأضواء على أهم المخرجين في السينما الأمريكية أصحاب التأثير الأكبر على السينما الناطقة، انطلاقا من دورهم كمخرجين- مؤلفين أي كأصحاب رؤى، وقد نشر في كتابه قائمة تضم أربعة عشر مخرجا، اعتبرهم الأهم على الإطلاق من الذين عملوا في السينما الأمريكية، من بينهم غريفيث وفلاهرتي وباستر كيتون وشارلي شابلن وجون فورد وأورسون ويلز وفريتز لانغ.

بطبيعة الحال واجهت نظرية سنيما المؤلف أو "المخرج- المؤلف" الكثير من التحديات من جانب عدد من النقاد، كذلك من جانب معظم كتاب السيناريو الذين مازالوا يعتبرون أن كاتب السيناريو هو المؤلف الحقيقي للفيلم رغم أنه يكتب ما يمكن اعتباره "مشروعا" للفيلم يتعين على المخرج أن يستخدم مخيلته وأدواته السينمائية من أجل تجسيده.

ولعل من ضمن التحديات التي واجهت نظرية سينما المؤلف، ما جاء به رولان بارت وجاك دريدا اللذان أكدا على ضرورة الفصل بين المؤلف والنص، فقد اعترضا على تفسير النص الأدبي في ضوء الخلفية السيكولوجية والاجتماعية والإثنية للمؤلف، وكذلك معتقداته السياسية والظروف التاريخية التي أحاطت بكتابته النص، واعتبرا النص منفصلا عن المؤلف، وأنه يجب تفسيره فقط استنادا إلى ما يحتويه من معان وإشارات ذات دلالات معينة. ومن هنا ظهرت نظرية "موت المؤلف" التي اهتم بها كثيرا نقاد ما بعد الحداثة، وهي تنكر دور المؤلف وتلغي حضوره في طيات العمل الفني والأدبي، وتقلل من علاقة المؤلف ومعتقداته الخاصة بالنص الأصلي إلى حد الإلغاء. وكلها نظريات يمكن بالطبع الاستفادة منها دون أن تنفي، بصفة نهائية، قوة ورسوخ نظرية "سينما المؤلف" التي مضت لتترسخ أكثر وتصبح أساسا متينا لعمل معظم السينمائيين الكبار في تاريخ السينما، من الشرق ومن الغرب.

سينما الأنواع

يعتقد البعض أن سينما المؤلف تضم كل الأفلام التي لا تخضع لما يسمى بـ "نظام تصنيف الأفلام" أو نظام الأنواع genre system في السينما الأمريكية، وهو نظام قوي مازال يتمتع بأرضية صلبة، بل وله وجود كبير أيضا خارج السينما الأمريكية، في بلدان أخرى كثيرة. لكن سينما المؤلف ليست فقط السينما المتحررة من "النوع" genre أي التي تستعصي على التصنيف في أنواع محددة كالكوميدي والدرامي والحربي والتاريخي والرومانسي.. إلخ، بل من الممكن أن يكون الفيلم خاضعا لأي نوع من هذه الأنواع السينمائية، ويكون في الوقت نفسه، منتميا لمدرسة المخرج- المؤلف.

اهتمامنا الخاص بهذا النوع من السينما يرجع إلى كسر احتكار الفيلم الأميركي لأذواق الجمهور والسعي إلى إعادة تشكيلها بحيث يمكن أن يتقبل المشاهدون مختلف مدارس واتجاهات السينما في العالم.

المخرج الفرنسي فرانسوا تريفو أحد رواد الموجة الجديدة الفرنسية.

قد ينال إعجابكم