متابعات

فنانو "ستاند أب".. نجوم الكوميديا الجُدد

محمد موسى

 

 

 

بدا الكوميدي الأمريكي المعروف كريس روك مندهشا قليلا من استقبال الجمهور الصاخب له عندما أطلّ على مسرح "أكاديمية بروكلين للفنون" في نيويورك، لتسجيل استعراضه الكوميدي لصالح شركة نتفليكس الأمريكية، إذ لم يكتف الجمهور بالصراخ والتصفيق، بل كان بعضه يقفز من الفرح.

هناك أسباب لهذا الاحتفاء الخاص، إذ تُعدّ عودة الكوميدي للاستعراضات الكوميدية الحيّة الأولى له منذ عشر سنوات، كما أن الجمهور كان يتوقع عرضا قويا من نجمه، خاصة أن الكثير حدث في حياة الكوميدي كطلاقه الذي حظي بمتابعات إعلامية واسعة، إضافة إلى الأحداث العامة في الولايات المتحدة، واحتجاجات الأمريكيين –خصوصا ذوي البشرة السوداء- العنيفة في العامين الأخيرين.

سيمرّ الكوميدي على كل هذه القضايا وغيرها في عرض قوي حظي بإعجاب النقاد، لكنه قوبل أيضا بنقد من أمريكيين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وجهت اتهامات للكوميدي الأسود البشرة بالتحامل على الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء، وأنه –حسب المنتقدين- لا يوجد اليوم من الكوميديين الأمريكيين البيض من يقدر أن ينتقد بقسوة ذوي البشرة السوداء خشية اتهامه بالعنصرية، وكما فعل الكوميدي كريس روك في استعراض نتفليكس، الذي هاجم قيم الرجل الأمريكي الأبيض التي تتحكم بأبناء جلدته من الأمريكيين ذوي البشرة السوداء.

بدون فروق تقنية أو مُؤثرات صوتية يصل كوميديو فن "ستاند أب" إلى المنصات المسرحية التي يُقدمون عليها عروضهم، ثم يقفوا وحيدين ودون أي وسائط أخرى أمام الجمهور الذي تفصله عنهم مسافة أمتار قليلة فقط، ليبدؤوا بعدها استعراضاتهم الكوميدية التي تتضمن سردا بأسلوب حرّ لقصص وحكايات من حياتهم ويومياتهم، تتخللها دعابات وسخرية لاذعة من النفس والآخرين.

فن "ستاند أب" انتقل بنسخته الغربية الحديثة من المقاهي والنوادي الليلية التي بدأ فيها بداية القرن العشرين، إلى واجهة الترفيه الشعبية في العديد من الدول.

ستاند أب.. هجاء السلطة المهيمنة

ينطلق بعض الكوميديين من قصص ذاتية ليقاربوا بعدها الوضع العام، ويُسخّروا منصاتهم لهجاء السلطات المهيمنة. هم الرواة الشعبيون الذين عرفتهم معظم الحضارات القديمة، والضمير الساخر الذي يذكّرنا بكل الأخطاء التي تحدث في العالم.

انتقل فن "ستاند أب" بنسخته الغربية الحديثة بثبات وسرعة كبيرتين من المقاهي والنوادي الليلية التي بدأ فيها بداية القرن العشرين، إلى واجهة الترفيه الشعبية في العديد من الدول، وتحوّل كوميديو هذا الفن في العقود الثلاثة الأخيرة إلى نجوم الترفيه الجدد، وتعدّت شهرة هؤلاء -بفضل القنوات التلفزيونية والإنترنت وخدمات الترفيه الإلكترونية- دوائر المسارح الصغيرة والنوادي الليلية التي يقدمون فيها استعراضاتهم، وحققوا الانتقالة الصعبة إلى منصات الترفيه الجماهيرية والمسارح العملاقة.

لا يمرّ أسبوع واحد اليوم دون أن تطرح شركة نتفليكس الأمريكية استعراضا جديدا لواحد من نجوم "ستاند أب" التي تنتجها حصريا لخدمتها، كما أن الشركة اشترت حقوق عرض عدد كبير من الاستعراضات الكوميدية التي أنتجتها شركات فنية وقنوات تلفزيونية في العديد من دول العالم لعرضها، بل إنها شرّعت الأبواب لهذا الفن في الشرق الأوسط عبر الاستعراض الكوميدي الذي أنتجه اللبناني عادل كرم في سابقة جديدة على المنطقة العربية.

نتفليكس ليست الوحيدة في هذا المجال، فقبلها كانت قنوات "أج بي أو" الأمريكية المنصة التقليدية لهذا الفن على الشاشات الأمريكية في تسعينيات القرن الماضي، في الوقت الذي رعت فيه هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وقنوات بريطانية أخرى فن "ستناد أب" في المملكة المتحدة، ولعبت دورا مفصليا في تحوله من فن ترفيهي هدفه التسلية البحتة -وغالبا بدون ضوابط أخلاقية كما كان في عقود الخمسينيات وحتى عقد الثمانينيات- إلى منبر حاد ولاذع للنقد والهجاء والسخرية من المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة.

كان عقد السبعينيات مُهما للغاية في رصف الطريق لفن "ستاند أب" للوصول إلى الجمهور الواسع، ففي تلك السنوات بدأ نجوم هذا الفن بالوصول إلى الاهتمام الشعبي في الولايات المتحدة مثلا عن طريق برامج الحوارات التلفزيونية المسائية التي كانت تفسح مجالا لهم لتقديم عروض قصيرة ضمن أوقاتها.

في تلك السنوات أيضا كان فن "ستاند أب" في المملكة المتحدة يتعرض لتغييرات جوهرية تتعلق بمحتواه ليقترب من الهموم العامة التي كان وصول مارغريت تاتشر إلى سدة الحكم عاملا مهما في الإسراع بها، فشهد بداية عقد الثمانينيات وصول مجموعة كبيرة من الكوميديين الشباب الذين غيروا للأبد من طبيعة "ستاند أب" في بريطانيا، وتوافق صعود هؤلاء الكوميديين مع فتح الأبواب لفن "ستاند أب" على الشاشات البريطانية، ليصلوا بسرعة كبيرة جدا للجمهور الواسع في بلدهم، وليشذبوا مفاهيم الاستعراض الكوميدي، ويؤثروا على الأجيال التي ستظهر بعدهم في بريطانيا.

 

 

 

ستاند أب.. الفن الحر

ساهمت أفلام سينمائية وبرامج تلفزيونية شهيرة إبان سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بإحاطة كوميديي ستاند أب بهالة خاصة، فهم بانفرادهم على المسرح يمثلون على نحو ما الفن الخالص والحرّ من كل تقييدات وشروط المؤسسات الفنيّة.

كما أن الكوميدي لا يحتاج إلا لصوته وأفكاره ليقدم استعراضه. صحيح أن هذه الأساسيات عن فن ستاند أب لم تبق على حالها مع بدء ظهور هذا الفن على وسائل إعلامية مُتحكم بها، إلا أن الفكرة العامة عن هذا الفن تبقى مُلهمة، حيث ما زال بعض الكوميديين من الذين عرفوا الشهرة الواسعة على التلفزيون يقدمون عروضا خاصة على المسارح تتميز بمساحات حرية أوسع كثيرا من تلك التي يتمتعون بها عند ظهورهم على شاشات التلفزيون.

من الأفلام المبكرة التي اهتمت بصورة كوميدي ستاند أب فيلم "ملك الكوميديا" (1982) للمخرج الأمريكي المعروف مارتن سكورسيزي الذي قدم بأسلوبه الخاص قصة عن هوس شاب أمريكي بعالم الاستعراضات الكوميدية، وهو الدور الذي قدمه الممثل الشهير روبرت دي نيرو.

صور سكورسيزي القصة التقليدية عن حلم أمريكي بالشهرة بأسلوبه الخاص، وانتزع منها عناصر المجد والحماسة، وحولها إلى دراسة في سلوك البطل وهواجسه، كما تقرّب المخرج الأمريكي من ثيمة الشهرة في المجتمع الأمريكي. والمفارقة أن النجم دي نيرو عاد في السنوات الأخيرة وقدّم شخصية كوميدي ستاند أب في فيلمه الذي حمل عنوان "الكوميدي" (2016) للمخرج تايلور هاكفورد.

ولا يغفل في هذا المجال الدور المهم الذي لعبه الكوميدي والمخرج الأمريكي المعروف وودي آلن في تحويل ستاند أب إلى فن يموج بالأسئلة والخيبات، ويعكس على نحو متفرد الاتجاهات الفنية والحياتية لمؤديه.

بدأ آلن حياته المهنية كوميديا في استعراضات ستاند أب في ستينيات القرن الماضي، ثم انتقل بعدها إلى التمثيل والإخراج السينمائي. عاد آلن في عام 1977 وبشكل غير مباشر إلى ثيمة ستاند أب في فيلمه الرائع "آني هول" الذي لعب فيه شخصية كوميدي استعراضات حية. يُظهر الفيلم الحياة الداخلية لصوت جديد في فن ستاند أب في مدينة نيويورك في نهاية عقد السبعينيات من الذين حاولوا التأسيس لهذا النوع من الفنون والابتعاد به عن مفاهيم الأجيال السابقة.

كما ساهمت الشهرة الواسعة التي حققها مجموعة من أفضل ممثلي الكوميديا في السينما الأمريكية في توجيه الانتباه لنشاطهم الآخر الموازي في عوالم ستاند أب قبل أن يتوقف معظمهم عن تقديمه والاكتفاء بالسينما. فمن إيدي مورفي إلى ستيف مارتن مرورا بالراحل روبن وليامز وجيم كاري، كان ستاند أب المحطة الأولى في رحلة هؤلاء، حيث بدؤوا في مسارح صغيرة قبل أن تلفت مواهبهم التلفزيون، فقدموا هناك برامج ومسلسلات كوميدية، لينتقلوا بعدها إلى الشاشات السينمائية، وليصبحوا من أبرز أسماء عاصمة السينما في هوليود وأكثرها جلبا للإيرادات.

 

 

 

ستاند أب.. من المنصة إلى الشاشة

وصل الاهتمام الشعبي والمؤسساتي بفن ستاند أب إلى ذروته مع نجاح المسلسل الأمريكي الكوميدي "جيري سايندفيلد" (عُرض بين عامي 1989-1998) حيث كان الأول الذي قدّم الحياة اليومية لكوميدي في مدينة نيويورك.

يستند المسلسل على كوميديا النجم جيري سايندفيلد الذي لعب شخصية فيها الكثير منه شخصيا، بدءا من الاسم، مرورا بنوعية الكوميديا التي يقدمها الممثل في المسلسل. فتح نجاح المسلسل حينها الأبواب لعدة أعمال كوميدية تقوم على الحياة اليومية لكوميديين أشهرها "لوي" للممثل الكوميدي الأمريكي "لويس سي كي"، و"كراشن" للأمريكي بيت هولمز، والمسلسلان يشتركان بتقديمهما نسخة مبالغا فيها من شخصيتي الممثلين الحقيقية، كما أن الكوميديا التي تقدم على المسارح ضمن أحداث المسلسلين هي نفسها التي يشتهر بها الكوميديون.

شكل الإنترنت عنصرا مُهما للغاية في إيصال فن ستاند أب للجمهور الواسع، لتنتشر في أوقات مبكرة من عمر الشبكة العنكبوتية مقاطع من تسجيلات تلفزيونية لاستعراضات كوميدية، ثم انتقلت كثير من هذه التسجيلات إلى مواقع الفيديو الخاصة على الإنترنت.

 لم يكتف الإنترنت بالترويج لمقاطع تلفزيونية سجلت استعراضات كوميديين من الذين حققوا شهرة جيدة، بل بدأت الشبكة الإلكترونية بالتعريف بمئات الكوميديين المجهولين من الذين لم يصلوا إلى التلفزيون بعد، بيد أن تسجيلات صورية لهم صورها هواة نجحت في جذب الاهتمام لهم، ومنحت بعضهم الفرصة بعد ذلك للوصول إلى الجمهور عبر قنوات التلفزة أو خدمات الترفيه الإلكترونية. وكما فعل الإنترنت بمنحه صوتا للجميع، يسخّر الكوميديون الشبكة منذ سنوات للترويج لنتاجاتهم والوصول إلى جمهور جديد.

 

 

 

ستاند أب.. حفاوة جماهيرية ضاغطة

والحال أن الاهتمام الشعبي الهائل بفن ستاند أب في الوقت الحاضر أثر كثيرا في هذا الفن لجهة القيود والمحددات الاجتماعية التي أصبحت واقعا لا يُمكن تجاهله بالنسبة لمؤدي هذا الفن -لا سيما في ضوء الرغبة بإرضاء الجمهور المتعدد الأهواء والمزاجات- على حساب التمسك بالصوت الخاص العنيد الذي عُرفوا به في بدايات حياتهم الفنية.

لم يعد الكوميدي ذو الشهرة الواسعة -الذي أصبح يحصد ثروات طائلة كل عام ويجذب جمهورا بالآلاف إلى العروض الحية التي يقدمها- قادرا على تجاهل جمهوره الضخم، وبدأ -بدون وعي أحيانا- بالتخلي تدريجيا عن الخصائص الفريدة التي كانت تميز بداياته.

وفي موازاة الشهرة الجديدة التي حصل عليها كثير من كوميديي ستاند أب في السنوات الأخيرة، غيرت الأموال الهائلة التي بدؤوا بجنيها -سواء من عوائد عروضهم على مسارح عملاقة أو مقابل عملهم التلفزيوني- من ظروف حياتهم، ونقلتهم إلى طبقة اجتماعية أخرى، الأمر الذي غيّر من طبيعة القصص التي يروونها في استعراضاتهم، إذ لم يعد الفقر أو الحاجة تهيمن على عروضهم، كما كان الحال مع بداية انطلاقهم.

يمكن تلمّس هذه الفروق بمقارنة عروض من بدايات كثير من الكوميديين المعروفين مع عروضهم في سنوات شهرتهم، فبينما كانت الأولى ممتلئة بالقصص المؤثرة عن تحديات الحياة الصعبة التي كانوا يعيشونها، يطغى على عروضهم الأخيرة تفاصيل من حياة رفاهيتهم اليوم التي لا تتناغم كثيرا مع مفهوم ستاند أب كفن للمهمشين.

قد ينال إعجابكم