متابعات

في "الظاهرة الكياروستامية"

أمير العمري

كما يحدث بالنسبة للتاريخ الذي يراجع ويعاد النظر فيما هو مستقر منه، بغرض تنقيته والبحث في الجوانب الخفية أو الخافية التي حرص على إخفائها كثير من المؤرخين، للروايات والأحداث والوقائع التاريخية، من واجب الناقد السينمائي والمؤرخ الجاد أن يعيد النظر من وقت إلى آخر، في الكثير مما أصبح من المسلمات الراسخة في أدبيات النقد السينمائي. ومن هذا المنطلق أعتزم هنا، السباحة عكس التيار، وأنا أتوقف أمام أعمال المخرج الإيراني عباس كياروستامي الذي رحل عن عالمنا واكتمل بالتالي ملفه السينمائي وأصبح من حقنا أن نبحث ونعيد النظر ونراجع الكثير من المقولات الثابتة عن أفلامه وقيمتها، وربما نكشف أيضا، ما خفي من جوانب في "الظاهرة الكياروستامية" التي لاشك أن الاهتمام الكبير بها خلال العشرين عاما الأخيرة، انتقل من النقاد في أوروبا والولايات المتحدة، إلى الكثير من نقاد السينما العرب بل وكثير من هواة السينما في العالم العربي الذين يبدو تأثرهم كبيرا بما ينشر في الصحافة الغربية بوجه خاص.

أعترف أولا أنني لم أتفاعل إيجابيا مع أفلام كياروستامي، ولم أكن منسجما فكريا وجماليا، مع أسلوبه الجاف، البارد، الخالي من المشاعر والذي يخلو من التقاط مفارقات الواقع بما فيها من طرافة أحيانا، وما يعرف بفن السخرية وروح المرح والتعليق المجازي الساخر irony بل إنني، رغم محاولاتي المضنية للصبر أمامها واستيعاب ما يقال حول ما تتضمنه من السحر والخيال والشعر وما إلى ذلك، فشلت في الإعجاب بها، والإحساس بالمتعة أمام مضامينها وحيل وأساليب مخرجها السينمائية منذ أن صدمني أول فيلم شاهدته لكياروستامي في مهرجان كان عام 1992 وهو فيلم "وتمضي الحياة" حتى آخر أفلامه.

برأي كاتبنا فإن أفلام كياروستاني لا تولد الإحساس بالمتعة، متعة الاكتشاف، وهي أساس أي عمل فني رفيع

السينما الإيرانية الجديدة

لم تبدأ السينما في إيران مع وصول آية الله الخميني إلى السلطة، ولا يصح القول إن كياروستامي هو أبو السينما الإيرانية الحديثة وإلا لأغفلنا الفرسان الحقيقيين الذين كانوا روادا في تطوير الفيلم الإيراني ومنحه طابعا حداثيا مع تعبيره عن الثقافة الإيرانية الحقيقية بطريقة يمكن للمشاهدين الإيرانيين أن يفهموها ويستوعبوها، وهم الذين تتوجه إليهم هذه الأفلام في الأصل والأساس، وليس رواد مهرجانات السينما الأوروبية ومنهم المهووسون بكل ما يأتي إليهم من تلك البلاد "الغريبة".

إن مؤسسي السينما الإيرانية الحديثة (أو الموجة الجديدة الإيرانية) هم داريوش مهروجي ومسعود كيميائي وهازير داريوش وناصر تقواي وسهراب شهيد سالاس وبارفيز كيميائي وبهرام بيزاي. هؤلاء المخرجون كانوا يعملون في زمن الشاه، وكانوا يصنعون أفلاما دخلت تاريخ السينما في إيران والعالم مثل "البقرة" (1969) لداريوش مهرجوي، و"داش أكول" و"الحصان" و"رحلة الحجر" لمسعود كيميائي الذي مازال يعمل في إيران حتى اليوم وهو في الخامسة والسبعين من عمره، كما أن مهرجوي مازال يعمل وهو في السادسة والسبعين، وقد أخرج أحدث أفلامه عام 2012.  وهناك أيضا هازير داريوش الذي أخرج "جلد الثعبان" (1966) المقتبس عن رواية "عشيق الليدي تشاترلي"، ويرى بعض نقاد السينما في إيران أنه الفيلم الذي دشن حركة السينما الإيرانية الجديدة، وقد انتحر هذا المخرج الذي أسس أول مهرجان سينمائي دولي في إيران (1966)، في العاصمة الفرنسية باريس عام 1995 بعد أن ظل لفترة يعاني من الاكتئاب بسبب عجزه عن مواصلة إبداعه السينمائي في بلده.

قدم بهرام بيضائي (77 عاما) واحدا من أجمل أفلام السينما الإيرانية قبل أن يعرف العالم كياروستامي، هو فيلم "الغريب والضباب" Gharibeh Va Me (1976). وفيه يبحث في موضوع العلاقة بين الإنسان الإيراني والموت، وهي تيمة خاصة في الثقافة الإيرانية. وقد أخرج بيضائي 14 فيلما كان أحدثها عام 2009. أي أنه استمر في العمل مثل غيره من جيل المؤسسين، لكن أحدا في الغرب لم يهتم به، فقد طغت ظاهرة كياروستامي فدفنت كل ما سبقها من مواهب. ومعظم هذه الأفلام التي ذكرناها هي لحسن الحظ، متاحة لمن يريد أن يرى ويعرف ويقارن ويتوصل بنفسه إلى الحقائق.

الذين ذكرتهم فيما سبق، هم صناع السينما الإيرانية الجديدة، تتميز أفلامهم بالطابع الفني، لا تلجأ إلى التعقيد والمداراة والبرود و"العادي"، والثرثرة البصرية والكلامية بزعم أن من الممكن الإحساس بنبض السينما في الحياة العادية. وقد يكون هذا صحيحا بمعنى ما، لكن على أن يصنع الخيال السينمائي واقعا سينمائيا موازيا خاصا به، لا أن يحاول- كما كان كياروستامي يسعى- إلى نقل الواقع بكل ما قد يوجد فيه من رتابة وتكرار وجمود بل وبلادة. انظر مثلا إلى المشهد الذي نراه في فيلمه ذائع الصيت "عبر أشجار الزيتون" (1994) الذي هلل له النقاد في الغرب كما لو كان فتحا جديدا في "لغة السينما":

ليس من الممكن تجريد كياروستامي من امتلاك رؤية وطريقة خاصة به في التعبير السينمائي

إننا أمام مخرج سينمائي (داخل الفيلم) يبدو في تكوينه الخارجي وطريقته في الحديث والعمل، أقرب إلى متسول، فهو رجل مترهل، طاعن في السن، يتحرك ويتكلم بصعوبة، أشعث الشعر، كث اللحية، يرتدي أسمالا قذرة أو هكذا يبدو، لا يتمتع بأي قدرة حقيقية على التحكم في الممثلين الذين يعملون معه: نراه وهو يخرج بعض المشاهد من الفيلم الذي يصوره في منطقة "كوكر" التي تعرضت مؤخرا لهزة أرضية مدمرة. دعنا أولا نتجاوز عن ظهوره أمام الكاميرا في بداية الفيلم لكي يخبرنا بأنه الممثل محمد علي كيشفارز الذي سيقوم بدور المخرج في هذا الفيلم، فهي حيلة قديمة مألوفة ومعروفة من مسرح بريخت. لكن دعونا نتوقف أمام المشهد الأساسي الذي يخرجه ويجمع بين الفتاة التي رآها في القرية وأسند إليها دورا باسمها الحقيقي "طاهرة"، والفتى "حسين" الذي يحبها ويريد أن يتزوجها لكن جدتها ترفضه بشدة كما ترفضه الفتاة بل وترفض أن تتبادل معه الحديث إلا خلال التمثيل فقط أمام الكاميرا، وتظل على موقفها حتى النهاية لأن كياروستامي يريد أن يقول لنا، عبر ما يقرب من ساعة ونصف الساعة، إن الحياة ليست كالأفلام، وإن النهاية السعيدة لا تتوفر دائما، وإن من الممكن ألا يحصل المرء على ما يريده حتى لو كان مخلصا في مشاعره ونواياه.. فما هي البلاغة العظيمة في هذه الفكرة، وأين الشعر في مشاهد رتيبة فاقدة الإيقاع مثل المشهد الرئيسي الذي سنتوقف هنا أمامه، وهو في الحقيقة أقرب ما يكون إلى المسرحيات التي يقدمها تلاميذ المدارس الابتدائية:

رجل يجلس بجوار مدخل منزل.. زوج وزوجة، هما حسين وطاهرة يتحدثان في الأعلى داخل المنزل. حسين يبحث عن جوربه الذي لا يجده فيصرخ في زوجته يسألها إن كانت قد رأته فتطلب منه أن يبحث بين ملابسه فيقول إنه قد فعل ولم يعثر عليه، فتطلب منه أن يبحث بجوار المدفأة، فيؤكد أنه لم يجده هناك أيضا، فتقول إنه ربما يكون داخل حذائه، فيقول إنه سيذهب ليلقي نظرة.. مضيفا: لكني لا أظن أنه هناك. هذا الحوار يدور بينما الكاميرا مركزة على رجل يجلس أمام المنزل ملتصق بالجدار بجوار السلم ينصت للحوار.. يهبط سعيد على السلم ويظهر أمام الرجل الجالس.. يحمل الحذاء في يده ليعثر على الجورب بداخله، يقول لزوجته الموجودة في الطابق العلوي إنه قد وجده.. ثم يجلس ليرتدي الجورب ثم الحذاء ويدور الحوار التالي بينه وبين الرجل الغريب الذي يبادره بالسؤال:
- تبدو وقد تزوجت حديثا؟

- نعم  

- ومتى كان ذلك؟

-  منذ خمسة أيام

- خمسة أيام أم خمسة أشهر؟

- خمسة أيام

- يعني ليلة الزلزال؟

- لا بل في الليلة التالية له..

هنا يطلب المخرج إيقاف التصوير لأن حسين نسى أن يرفع رأسه وينظر للرجل أثناء حديثه. وتعاد اللقطة بكل تفاصيلها بما في ذلك ظهور فتاة "الكلاكيت" وبدء تسجيل الصوت وما إلى ذلك، ويمتد المشهد قليلا فتسقط الزوجة بعض الماء على رأس الرجل، فينهرها سعيد فتعتذر بأنها كانت تسقي الزرع، ويتدخل الرجل مدافعا عن الزوجة محاولا التخفيف مما حدث قائلا إن هناك الكثير من الناس فقدوا أرواحهم فلا ضير من سقوط بعض قطرات الماء على رأسه ويعاود السؤال: لابد أن يكون لديك أقارب كثيرون قضوا نحبهم في الزلزال، لكنك تذهب وتتزوج؟ فيجيبه سعيد بأن هناك الكثير من أقاربه قضوا نحبهم.. أبناء عمومة وخالات وأعمام... 25 شخصا.. هنا يوقف المخرج التصوير مرة أخرى مطالبا حسين بأن يذكر أن العدد 65 شخصا وليس 25، فيقسم له حسين أن أقاربه الحقيقيين الذين لقوا حتفهم في الزلزال 25 شخصا فقط. لكن المخرج يصر، فيعاد المشهد من بدايته كما سبق أن رأيناه بالتفصيل ولكل حواره، ولكن سعيد يخطئ في العدد مجددا فيعاد المشهد مرة ثالثة بتفاصيله من البداية وتكون قد ظهرت بعض السحب في الجو، فيتوقف التصوير ويصعد حسين لكي يحاول التخاطب مع طاهرة التي تقرأ في كتاب دون أن تتطلع إليه أو تجيبه، ثم يُستـأنف التصوير فيعاد المشهد من أوله ليكرر حسين الخطأ نفسه في عدد أقاربه. إنه مصر على ذكر الحقيقة بينما المخرج يريده أن يكذب ويبالغ في العدد، وبعد إعادة المشهد من أول موضوع البحث عن الجورب، يصحح حسين خطأه ويواصل حكايته للرجل وكيف أنه أراد بزواجه السريع قطع الطريق على وقوع أي خلافات بين أفراد العائلة، فالبعض سيرجح الانتظار إلى حين مرور أسبوع أو بعد الأربعين أو بعد سنة، وهكذا. هذا المشهد يستغرق من بدايته بما في ذلك الإعادات، إلى حين يوقف المخرج التصوير، 11 دقيقة!

هل يعتقد كياروستامي أن الجمهور يمكن أن يتحمل هذا المشهد الطويل خاصة وأن أي متفرج محايد لابد أن يدرك من هذا المشهد أن المخرج (داخل الفيلم) عاجز عن السيطرة على الممثلين، وأنه لم يقم بتدريبهم جيدا على الأداء، وأنهم يمثلون كيفما اتفق، وأنه يستهلك الفيلم الخام بلا داع بتلك الإعادات المتكررة، وأنه بالتالي يعمل بطريقة الهواة. قد يرى البعض أن كياروستامي يوحي لنا بمشقة العمل في أماكن التصوير الحقيقية مع ممثلين غير محترفين كما كان يفعل هو عادة، ولكن ما فائدة هذا بالنسبة للفيلم، ما الذي تضيفه هذه الفكرة، وهل تستحق 11 دقيقة من زمن الفيلم، وما علاقة أشجار الزيتون بالموضوع، ومن هو هذا الرجل الغريب الذي يوجه عشرات الأسئلة الشخصية الخاصة إلى حسين، ولماذا يتعين على حسين الإجابة عليها؟ ولكن هذا هو كياروستامي، يريدك أن تشعر بالسأم والضجر، وتتساءل عن جدوى ما تراه لكنك يجب أن تبقى في مقعدك لأنه يعدك بشئ أكبر، هذا الشئ لا يأتي أبدأ!

سوف تكتشف بالطبع- إذا تمكنت- أن هذا المشهد ليس سوى استكمال لمشهد آخر من فيلم كياروستامي السابق "وتستمر الحياة" (1992)، وأن "عبر أشجار الزيتون" هو الجزء الثاني من الثلاثية التي تعرف بـ "ثلاثية كوكر" نسبة إلى قرية في شمال إيران صور فيها كياروستامي الأفلام الثلاثة. لكن الغريب أن كياروستامي ظل يرفض بإصرار النظر إلى الأفلام الثلاثة باعتبارها "ثلاثية"، ويرفض الربط بينها مصرا على ضرورة اعتبار كل فيلم عملا قائما بذاته يجب مشاهدته والاستمتاع به بشكل منفرد!

يعتمد أسلوب كياروستامي على اللقطات الطويلة أو المتوسطة الثابتة

واقعية كياروستامي

كياروستامي مولع بالتجريد، بالموضوع الصغير الذي لا يصنع دراما، فهو يكره الدراما من الأصل ويرفضها، ولكنه مولع بتصوير الإنسان بزعم أنه يحقق واقعية من نوع ما، وهو في مقابلاته يتحدث كثيرا عن تأثره بأفلام الواقعية الجديدة في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، منذ أن كان في الثالثة عشرة من عمره، ويضيف (في مقابلة معه عام 1990 ترجمها أمين صالح في كتابه عن "كياروستامي: سينما مطرزة بالبراءة")، إنه لم يشاهد أكثر من خمسين فيلما طوال حياته. ورغم إعجابه بأفلام الواقعية الإيطالية واتباعه أسلوبا واقعيا مماثلا يميل إلى التصوير في المواقع الطبيعية مع ممثلين غير محترفين، يعتمد على قصص واقعية، وعلى الارتجال في مواقع التصوير، إلا أنه يرفض عقد أي مقارنة بين أفلامه وبين أفلام الواقعية الجديدة، بل ويرفض اعتباره مخرجا واقعيا معربا عن رفض "كل النظريات أو المذاهب الفنية بما فيها تعبير "إنسانية" التي اعتاد البعض أن يلصقها بأفلامي"، مضيفا: "في الحقيقة أفلامي ليست "إنسانية" على الإطلاق"! 

وقد صدق كياروستامي فأفلامه لا يمكن مقارنتها بأفلام الواقعية الجديدة، وعلى سبيل المثال، لم يكن فيتوريو دي سيكا، في فيلمه الشهير "سارق الدراجة" (1948) يهمل السياق السردي، أو الانتقال بين اللقطات لخلق إيقاع يفيض بالحياة، مع الاقتراب من وجوه الشخصيات في لقطات قريبة لمشاهدة كيف تنعكس الأحداث على مشاعرهم، وهو ما رفضه كياروستامي دائما، مصرا على تثبيت الكاميرا على مسافة واحدة في لقطات متوسطة عامة أو عامة متوسطة، وترك الحوار يستمر لعدة دقائق متجاهلا حقيقة أن السينما "إعادة خلق" وإعادة تشكيل، وليست صورا جامدة منسوخة من الواقع، كما أنها ليست مشاهد مسرحية، وحتى عندما يحرك الكاميرا تكون الحركة هنا وظيفية تماما وليست جمالية، فهي تأتي لمتابعة حركة سيارة مثلا، أو تحرك حافلة أو للكشف عن بعض تفاصيل المكان.

الطابع التسجيلي يغلف أفلام المخرج الإيراني الراحل

الطابع التسجيلي

لنأخذ فيلم "عشرة" (2002)، الذي يشير اسمه إلى المشاهد العشرة التي يتكون منها وتتعاقب عكسيا أي من المشهد العاشر إلى الأول. يتخذ الفيلم طابعا تسجيليا يريد أن يناقش ظواهر سلبية في المجتمع الإيراني مثل الدعارة والطلاق وهيمنة الرجل على المرأة، والإيمان بالخوارق، والتأثير السلبي لمفهوم "الذكورة" على الابن (الذكر أيضا) بما يجعله لا يمكن أن يتقبل فكرة أن أمه المطلقة ترغب في الزواج مرة أخرى.

كلها مشاكل حقيقية، ومن الجميل أن يتناولها كياروستامي بجرأة، غير أن الفيلم يعاني من التكرار والحوارات العقيمة التي تدفع دفعا إلى اختبار طاقة الصبر عند المتفرج، فهو يجعل الممثلين شيئا أقرب إلى فئران التجارب، فالمشهد الأول الذي يبلغ زمنه نحو 10 دقائق، يدور، مثل كل مشاهد الفيلم، داخل سيارة صغيرة تقودها امرأة لا نرى وجهها أبدا، يجلس بجوارها ابنها وهو طفل في العاشرة من عمره، لا تتغير اللقطة المتوسطة للابن طوال المشهد، ولا يتوقف الابن عن الكلام والمعارضة والصراخ في أمه، ينهرها ويستهجن سلوكها ويعترض عليها بل يعاملها كرجل ناضج، يوجه لها النصائح التي تعكس عقلية استبدادية تحكمية، فهو يعترض على زواجها المرتقب من رجل آخر غير والده الذي طلقها، ويردد كلام الأب الذي يتهم زوجته بأنها لا تعرف كيف تطهو الطعام، وأنها تهتم بعملها طوال اليوم وغير ذلك. الأم تحاول أن تشرح وتفسر وتترجى الابن المزعج أن يستمع إليها، ولكن دون جدوى، فالطفل مستمر في الاعتراض وإبداء التبرم منها بل وتوجيه ألفاظ غير لائقة إليها، وينتهي المشهد بنزوله من السيارة في غضب.

تلتقي المرأة بصديقة لها تركب معها لتقوم بتوصيلها ويتبادل الاثنان الحديث عن المشاكل التي تعيشها كل منهما، ثم تركب امرأة أخرى عجوز تؤمن بالمشايخ والبركات وغير ذلك من المعتقدات الشعبية، والمرأة تود الذهاب إلى أحد المساجد لزيارة ضريح الشيخ المدفون هناك، ويدور حوار حول المعتقد الشعبي ذي الصبغة الدينية، ثم تلتقي بامرأة شابة لا تكف عن الضحك، تركب السيارة على سبيل الخطأ ظنا منها أن المرأة الموجودة داخل السيارة رجل أي "زبون" فهي عاهرة محترفة تبيع المتعة. ومرة أخرى يدور حديث أقرب إلى الأحاديث التي تدور عادة بين المريض والطبيب النفسي أو الأخصائي الاجتماعي، والإجابات معروفة سلفا.. وهكذا يستمر الفيلم على نفس الوتيرة إلى أن ينتهي فجأة كما بدأ.

والمشكلة أن هذا النوع من التصوير الذي يعتمد على قدرة الممثل على الكلام والاستمرار في الكلام، يمكن من ناحية أن يستمر إلى ما لا نهاية، فلا شئ يمنع من وجود عشرات الشخصيات التي يتعامل معها الفيلم. ومن جهة أخرى، ومن الناحية الفنية: ما الذي يقدمه فيلم كهذا في مجال تطوير جماليات السينما الحديثة؟

الطابع التربوي التعليمي في معظم أفلام كياروستامي، يفقدها روح المرح، والسخرية، وتجعلها أفلاما متكلفة، صارمة

الطابع التربوي

يعتمد كياروستامي ومعظم تلاميذه، على قصص تدور معظمها حول أطفال، والطفل يستغنى به عن العلاقة بين الرجل والمرأة، فهو الوسيط الذي يتخاطب من خلاله الرجل والمرأة، وهي حيلة نلحظها في الأفلام الإيرانية بوجه عام. فهل هذه الحيل تصنع سينما "طبيعية" أي صادقة أم أن وجود التعليمات الرقابية والمحظورات هي التي دفعت لاختيار مثل هذه الأساليب المفتعلة؟

إن الطابع التربوي التعليمي في معظم أفلام كياروستامي، يفقدها روح المرح، والسخرية، وتجعلها أفلاما متكلفة، صارمة، تهتم بالرسالة أكثر من اهتمامها بالبناء السينمائي الفني الجميل، فالبناء في أفلامه يسير كيفما اتفق، وهو لا يصور من سيناريوهات مكتوبة بدقة بل ينطلق من فكرة عامة يطورها خلال التصوير، مما يجعله يلجأ إلى الحشو والتكرار واللقطات والمشاهد والحوارات الطويلة، وتحريك الكاميرا يمينا ويسارا حسب الظروف وحسب حركة الممثلين التي كثيرا ما تبدو عشوائية. وربما تكون الطبيعة الإثنوغرافية- السوسيولوجية لأفلامه ما يجعل الكثير من نقاد الغرب يبالغون في قيمتها وأهميتها، كما يبالغون في استقبال الأفلام الضعيفة المباشرة الساذجة التي أصبح يخرجها تلميذه جعفر بناهي.

لا يصور كياروستامي من سيناريوهات مكتوبة بدقة بل ينطلق من فكرة عامة يطورها خلال التصوير

كياروستامي يريد أن يخلق سينما ذهنية خالصة لا علاقة لها بالتجارب البصرية المعقدة التي تدور حول التلاعب بالشكل، أو تحطيم المفردات الخاصة بالمونتاج، بل يبدو أقرب إلى تجارب المسرح المصور مع استخدام القطع بين اللقطات لخلق الإيقاع. ولكن هل يمكن لهذا النوع من السينما أن يجعل المشاهد يصمد في مقعده أكثر من ساعة ونصف الساعة؟

الطابع التسجيلي يسيطر على أفلام كياروستامي، ما يجعل الممثل مجرد أداة صغيرة لا قيمة لها بل يمكن لأي شخص من غير الممثلين أن يحتل مساحة أكبر في أفلام كياروستامي، فهو يرى أن غير المحترف أكثر قدرة على التعبير بشكل طبيعي ومقنع، لكن أفلام كياروستامي بوجه عام،  تخلو من الحميمية، ومن روح المرح والسخرية irony والدعابة، وتميل إلى العبوس والتجهم والصرامة، صرامة التجريب.. كما أن شعريتها لا تنبع، كما في الأعمال السينمائية العظيمة، من علاقة اللقطات ببعضها البعض، ومن الإيقاع والتأمل، بل من طريقة التصوير التي تعجب البعض، حيث تتوقف الكاميرا أمام الشخص لدقائق عدة وهو يتكلم كلاما له مستوى آخر غامض، فهي بالتالي شاعرية متكلفة، مفتعلة، لكنها تقول- في النهاية- شيئا عن مفهوم صاحبها للسينما ونظرته للعالم، فليس من الممكن تجريد كياروستامي من امتلاك رؤية وطريقة خاصة به في التعبير السينمائي، لكن رؤيته لا تثير خيالنا، ولا تثري معرفتنا بالسينما، وأفلامه لا تولد الإحساس بالمتعة، متعة الاكتشاف، وهي أساس أي عمل فني رفيع.

قد ينال إعجابكم