متابعات

قراءة أولية لبرامج "فيسبوك" الترفيهية

محمد موسى

تسعى "فيسبوك" لاستثمار نحو مليار دولار في إنتاج البرامج الترفيهية خلال العام المقبل.

لاتزال خدمة "شاهد" التي أطلقها "فيسبوك" في شهر سبتمبر الماضي مقتصرة على مستخدمي الموقع الأزرق في الولايات المتحدة، بيد أن هذا لم يوقف الخدمة التي بدأت بعرض برامج ترفيهية ومسلسلات أصلية حصرية للفيسبوك عن حصد ملايين المشاهدات، الأمر الذي شجع إدارة فيسبوك على التوجيه بإنتاج أجزاء جديدة من بعض هذه البرامج والمسلسلات، إضافة إلى تكليف شركات إنتاج صغيرة وكبيرة لإنتاج برامج حصرية جديدة لخدمة شاهد، منها ما سيعرض في الأشهر القليلة القادمة. كما يتردد منذ أشهر أن ميزانية "فيسبوك" للعام القادم (2018) لإنتاج البرامج الترفيهية الحصرية تصل إلى مليار دولار، في تأكيد على جدية خطط الموقع في منافسة منتجي الترفيه في العالم الغربي، وحجز حصة من هذه السوق التي أصبحت في الأعوام الأخيرة ساحة تنافس شرسة بين قنوات تلفزيونية وشركات تكنولوجية عملاقة.

وعلى الرغم من أن خدمة شاهد لم تصل بعد إلى مستخدمي فيسبوك خارج الولايات المتحدة، إلا أن البرامج الحصرية لها متوافرة اليوم على صفحات هذه البرامج الخاصة على فيسبوك. في توجه غير واضح للأخير، حيث لا يُعرف إذا كانت هذه الخطوة مقصودة للترويج لهذه البرامج في المناطق التي لا تصلها خدمة "شاهد" بعد، أو أن هذا الوضع سيبقى على ما هو عليه، وأن "شاهد" التي ستصل قريباً إلى دول عديدة في العالم، ستجمع هذه البرامج في صفحة واحدة، وتسهل الوصول إلى ما يبحث عنه المتصفح (هذا علاوة على الخدمات الأخرى التي تقدمها خدمة شاهد)، وبدون الحاجة إلى البحث في صفحات منفصلة.

واللافت في برامج فيسبوك الترفيهية هو تنوعها الكبير، فهناك المسلسلات الكوميدية التي تستهدف فئات الشباب، وبرامج تسجيلية اجتماعية يمكن أن تجذب جمهوراً من كل الأعمار، إضافة إلى برنامج يُعَّد عصياً على التصنيف. يخالف بعض هذه البرامج الصورة الاجتماعية المعروفة عن فيسبوك كموقع تُسيره عقليات محافظة، وما يتردد عن معاييره الأخلاقية التي ينوي الموقع الالتزام بها في أعماله الترفيهية، والابتعاد على وجه الخصوص عن الجنس والعنف، حيث يقارب عملاه الكوميديان ثيمات جريئة، ويطفحان بالإشارات الجنسية وفي كل حلقة تقريباً.

تفيض بعض البرامج الترفيهية الجديدة من إنناج فيسبوك بالإيحاءات والمشاهد الجنسية الصارخة

أصدقاء حائرون

يشترك العملان الكوميديان "نيكول المنطلقة تماماً" و "غرباء" بعدة قواسم، بدءاً من الفئة العمرية للشخصيات في العملين، وموقعهما في الحياة، واتكالهما على علاقات الصداقة التي تحلّ بدل قيمة العائلة. كما تشترك الشخصيات في المسلسلين في بحثها عن هويتها، وتجريبها في قضايا الجنس والعلاقات العاطفية والعمل. يدور العمل الأول (إنتاج مشترك بين خدمة شاهد للفيسبوك وقناة "أم تي في" الأمريكية)، حول شخصية نيكول الفتاة السوداء الممتلئة حجماً، والتي تحاول أن تحقق النجاح كممثلة في عاصمة السينما والأحلام في هوليوود. إلى جانب نيكول، سيفرد المسلسل مساحة لحياة أصدقائها المتنوعين بخلفياتهم ومشاكلهم. أما مسلسل "غرباء" فعن فتاتين ارتبطتا بصداقة قوية منذ طفولتهما، ويعيشان في وقت أحداث المسلسل معا في بيت واحد. وكحال المسلسل الآخر، يتناول "غرباء" يوميات الفتاتين وهما يحاولان أن يجدا طريقهما وسط تعقيدات العالم المعاصر.

يختار مسلسل "نيكول المنطلقة تماماً" مقاربة خفيفة وكاريكاتورية، ويرتكز على موهبة الممثلة "نيكول باير" التي تلعب دور الشخصية الرئيسية، في تقديم كوميديا تتراوح بين المتوسطة والجيدة، كما يبرز المسلسل التنوع الإثني في الولايات المتحدة اليوم، فيقدم شخصيات متنوعة تعكس طبيعة سكان مدينة مثل لوس أنجلوس، حيث تقع أحداث المسلسل. في المقابل، يأخذ مسلسل "غرباء" مقاربة أكثر سوداوية من نظيره، ويجمع عبر تركيبته وروحه الألم الذاتي والكوميديا السوداء. لا يتعامل مسلسل "غرباء" بخفة مع هواجس شخصياته، ويُبيّن الثقل الذي ترزح تحته هذه الشخصيات، حتى ضمن المعالجة الكوميدية التي يأخذها.

تسعى "فيسبوك" لاستقطاب شريحة من سوق البرامج الترفيهية الرقمية من نتفليكس وأمازون وغوغل وغيرها.

رَدّ الجميل

ليس هناك الكثير الذي يميز الأعمال التسجيلية الحصرية التي تعرضها خدمة "شاهد"، عن معظم الأعمال من نفس الفئة التي تعرضها شاشات التلفزيون الغربي (باستثناء برنامج واحد)، من جهة التزامها الحرفي بتقاليد الفئة التي تصنف ضمنها، وغياب العناصر الخاصة التي تميزها كبرامج تعرض على وسيط تفاعلي مثل فيسبوك. فبرنامج "رد الجميل مع مايك روي"، يشبه برامج غربية عديدة، من التي تبرز الأعمال الخيرية المجهولة لناس عاديين، يضعهم البرنامج تحت الضوء والاهتمام، والذي يأتي مصحوباً بهدايا مالية تُمنح لهم بالعادة.

يُسافر المذيع الأمريكي "مايك روي" إلى وجهات مختلفة في الولايات المتحدة، باحثاً عن أبطال مجهولين، من الذين يعملون بصمت لخدمة المجتمعات الصغيرة التي يعيشون فيها. في الحلقة الأول يحضر "روي" مفاجأة كبيرة لجندي أمريكي سابق، والذي يساعد عن طريق محله لتصليح الدراجات النارية عشرات الجنود السابقين مثله، من الذين يعانون نفسياً من ذكريات الحروب التي قاتلوا فيها، والتي تركت على بعضهم جروحاً جسدية عميقة. يخفي البرنامج مفاجأته عن شخصيات الحلقات، ويدعي أنه يقوم بعمل تحقيق عادي للإنترنت عن نشاط الشخصية. تتشابه الحلقات بنهاياتها العاطفية، إذ يبدو التأثر كبيراً على أبطال الحلقات، وهم يسمعون عبارات الحب والثناء، وأيضاً عندما يستلمون هدايا ثمينة يرتبها لهم البرنامج.

يُرافق برنامج "كُرة في العائلة"، ثلاثة أخوة من الذين حققوا في السنوات الأخيرة إنجازات لافتة في مضمار لعبة كرة السلة، بل إن أكبرهم نجح في الحصول على عقد من ناد كبير هناك. بيد أن الانتباه الأكبر سيتجه إلى والد هؤلاء الشباب، والذي أصبح شخصية جدلية في الإعلام الأمريكي لسلاطة لسانه، وما يبدو عليه من غرور. يشبه البرنامج برامج من التي تقدم يوميات عوائل أو شخصيات، وهي تخوض المعتركات الأهم في حياتها. يتحسن مستوى البرنامج بعد الحلقة الأولى، وبعد أن تصاب الأُمّ بجلطة دماغية تتركها مشلولة، هذا سيزيد من عمق الحوارات مع الشخصيات، وبالخصوص مع الوالد، ويتحول البرنامج إلى تسجيل ليوميات عائلة في محنة، تحاول الوصول إلى برّ الأمان.

والحال أن برنامج "بشر من نيويورك" هو أكثر برامج المجموعة الأولى من أعمال فيسبوك الحصرية أصالة، حيث أنه يحفر طبقة ما تحت السطح التي تتوقف عندها معظم البرامج التسجيلية، ويبحث في قضايا إنسانية بأسلوب متجدد. يستكمل البرنامج النجاح الكبير لصفحة "بشر من نيويورك"، على فيسبوك (بدأت في عام 2010 ويتابعها اليوم حوالي 18 مليون مشترك)، ويقدم هذه المرّة هواجس أهل المدينة على شكل حلقات تسجيلية يتم تصنفيها تحت ثيمات معينة. تنتقي كل حلقة من البرنامج التسجيلي شخصيات من أهل المدينة العابرين، وتسألهم أسئلة تقود إلى حوارات صادقة ومكاشفات يغلب عليها الحزن. كما يتميز البرنامج بتصويره الخلاق الذي ينتزع الشخصيات التي تظهر على الشاشة من ضجيج المدينة المزدحمة، ويعزلهم لدقائق عن العالم، لكي يكشفوا بهدوء عن دواخلهم.

بدأت خدمة "فيسبوك ووتش" في الولايات المتحدة وستنتقل تدريجيا لدول العالم قريبا.

المستقبل

يبدو من المبكر كثيراً الحديث عن أنماط إنتاجية خاصة تميز برامج فيسبوك الترفيهية، أو الوجهات التي ستأخذها في المستقبل، إذ سترتهن السياسة الإنتاجية للموقع العملاق بشعبية البرامج التي يطرحها، والتي من السهل كثيراً قياسها، فأرقام المشاهدة والإعجاب وكل التقييمات الأخرى المتوافرة في "فيسبوك" موجودة أسفل هذه البرامج. كما سيستفيد الموقع من تعليقات المشاهدين والتي يضعونها أيضاً تحت هذه البرامج، ليتميز فيسبوك عن شركات تكنولوجيا أخرى توفر الترفيه عبر الإنترنت، بنظامها المكشوف والفرص المتاحة للجمهور لتقييم المواد الترفيهية التي يعرضها.

يُحيط الغموض خطط فيسبوك بخصوص المواد الترفيهية التي ينتجها ويعرضها، فلن يكون منطقياً توقع أن يواصل الموقع توفير مواد ترفيهية يدفع عليها الملايين مجاناً للجمهور وكما يفعل اليوم. حيث يبدو أن الموقع ينتظر أن يستكمل توفير خدمته شاهد حول العالم، ليواصل بعدها ولفترة محدودة توفير برامجه مجاناً من أجل جذب الانتباه لها، قبل أن يفرض رسوماً مالية على مشاهدة البرامج الخاصة به على الخدمة.

ولعل الأمر الذي يُقلق المسؤولين عن خدمة الترفيه في فيسبوك، هو التراجع الكبير لعدد مشاهدة حلقات البرامج الخاصة به قياساً بالحلقات الأولى من هذه البرامج، حيث انخفض عدد مشاهدي برنامج "رَدّ الجميل" (أكثر برامج فيسبوك شعبية)، من 30,3 مليونا للحلقة الأولى إلى 9,2 مليون للحلقة الثانية. في حين تراجع عدد مشاهدي مسلسل "نيكول المنطلقة تماماً" من 13,3 مليون للحلقة الأولى إلى 185,7 ألفاً فقط للحلقة الثانية، وهو تراجع يُمكن أن يعزى، إلى أن الكثير من الجمهور أدار ظهره لهذه البرامج، وبعد أن شاهد الحلقات الأولى منها، والتي سبقتها دعايات كبيرة قام بها موقع فيسبوك على صفحاته.

قد ينال إعجابكم