متابعات

"كتاب السينما" مرجع نقدي لأفلام اليوم العربية والأجنبية

عبد الكريم قادري

الناقد السينمائي "محمد رُضا"

يتعامل الناقد السينمائي محمد رُضا مع الفيلم كما يتعامل الفنان مع الفسيفساء، إذ الأخير يشكل لوحته من الأجزاء الصغيرة وبمختلف ألوانها، بدقة وحس فني عال، لتكتمل تحفته ويضفي على نفسه صفة الفنية ويبررها، أما الناقد محمد رُضا فيقوم بتفكيك تلك اللوحة ويُعيدها إلى سيرتها الأولى، بعدها يُشكلها من جديد، ليفهم تركيبتها وفنيتها وحسها الجمالي، ويقدم تفاصيلها للقُرّاء، هذه التفاصيل تُوضح -حسب رؤيته طبعا- مواطن الجمال، وزوايا الهنّات، هكذا يتعامل مع الفيلم.

أما السينما فينظر إليها من مكان تُرى من خلالها الفسيفساء، والأرضية وجوانبها، والغرفة وما يتصل بها، والفضاء الذي يحتويها بشكل عام، ويعيد تفكيكه وتركيبه من جديد، أي أن النظرة تكون أشمل وأعم وربما أعمق أيضا، كل هذا ليٌقدم للقُراء فهما أفضل وأعمق وأشمل للسينما، أو يعطيهم المفاتيح ليتجولوا وحدهم في رحابها، وعلى أساس من الوعي والفهم، على قاعدة مرجعية تأخذ بيد هؤلاء القُراء، الذين تختلف مشاربهم وثقافاتهم، فمنهم المخرج، البنّاء، المكتبي، الموظف، المنتج، رجل الأعمال، المزارع، صنّاع السينما ومحبوها على العموم. يُبرم معهم صفقة ثقافية مربحة، البند الوحيد في دفتر الشروط هو أن يكون هناك فعل سينمائي مستمر، تتحد من خلاله القراءة والمشاهدة.

كل هذه المعطيات جمعها الناقد محمد رُضا في مؤلفه الجديد المُعنون بـ " كتاب السينما/المرجع النقدي لأفلام اليوم العربية والأجنبية" الصادر حديثا ببيروت  2016، وقد جاء هذا الكتاب الذي يعتبر الجزء التاسع من سلسلة "كتاب السينما" التي بدأ صدورها في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ولا تزال مستمرة إلى اليوم، حسب ما جاء في المقدمة " لتقديم بانوراما شاملة، لما أنتجته السينما العربية والأجنبية بصرف النظر عن القيمة المنفردة لكل فيلم، هذا هو دور الكتاب الفعلي، فهو ليس لدراسة ظاهرة معيّنة، وليس للاحتفاء بنوع واحد أو بسينما خاصّة من سينمات العالم حتى يُصار اختيار نماذج بعينها."

ملصق المؤلَّف

ومن هنا يعدّ الكتاب جامعا وملما بمعظم الأفلام العربية والأجنبية المنتجة حديثا، بغض النظر إن أعجبت الناقد أو لم تعجبه، بعيدا عن "النمذجة" التي لا تنصف، وتحصر الناقد والقارئ على حد سواء في زاوية ضيقة، لا تفتح للأخير خيارات متعددة، تسمح له بالتحرر من قيد أن يكون موجّها، مُسيرا لا مُخير، ويرى رُضا بأن واقع السينما العربية أو الفعل السينمائي العربي مرّ، ويعتقد بأن عملية تصحيحه تكمل في المواكبة النقدية والكتابة، من أجل خلق قُراء جدد، بدل التخندق والتوجه إلى صنّاع السينما وحدهم، ولن يكون هذا طبعا إلا من خلال تغيير الواقع العربي الحاضر الذي يقول عنه وفي المقدمة "إن الواقع الحاضر للسينما العربية بحاجة ماسة إلى أي جهد ينطلق منها وإليها، هذه السينما لا تستطيع أن تتواجد وحدها فهي بحاجة إلى المحيط الصحيح بصرف النظر عن درجة تقدّمها أو تأخرها من عام لآخر."

لم يكن محمد رُضا في هذا الكتاب ناقدا سينمائيا وفقط، بل تعداه إلى الرجل الذي يحمل هم الثقافة العربية على عاتقه، ويحثّ على ضرورة تغييره من خلال الإنتاج الثقافي والكتابة والتأليف في شتى الأصناف والأجناس الأدبية والفكرية والفنية، لأن هذا هو السلاح الوحيد الذي يجعلنا نقف من خلاله في وجه الراهن المظلم، الذي أنتج بدل الثقافة حروبا ومشاكل اجتماعية واقتصادية، وهي معطيات يرى رُضا بأنها لا تخلق إلا "المزيد من التوقف عن متابعة الحياة الثقافية والفنية بأسرها، ومن بينها فعل المطالعة. لذلك هناك خياران أمام الناقد في هذا المجال – والمؤلفين بمختلف اتجاهاتهم- المواصلة أو الانكفاء. في الأول يكمل رفض الهزيمة، فردية أو عامة، وفي الثانية يكمل التقهقر والتقوقع متجاهلين أننا جميعا مطالبون بدور فاعل اليوم أكثر من أي يوم مضى." لذا كان لزاما على الناقد، الكتابة والتأليف والنشر للمساهمة في إثراء الساحة الثقافية، وتدوير عجلة المعرفة، لمحاربة الانطواء على المطالعة والقراءة.

ثقافة التصنيفات والترتيبات والتفضيل

جاء " كتاب السينما/المرجع النقدي لأفلام اليوم العربية والأجنبية" مؤثثا بالمعرفة الثقافية والنقدية المهمة، ناهيك عن المعلومات الإحصائية والتصنيفية، وحتى الاختيارات الفردية التي قدمها الناقد محمد رُضا، فمثلا نرى في الفصل الأول وفي تقرير تحت عنوان "بانورما العام" نظرة شاملة على ما حفل به العام من أفلام، وفي هذا يقوم الناقد باختيار أفضل الأفلام العربية والأجنبية التي شوهدت، بالإضافة إلى اختياره لأبرز الشخصيات السينمائية.

مثلا اختار الناقد من بين مشاهداته أفضل عشرة أفلام عربية روائية، والتي أنتجت في فترة ديسمبر 2014 إلى نهاية ديسمبر 2015، وهي الأفلام التي تناولها في المتن بالنقد والتحليل، وقد جاء على رأسها فيلم المخرجة الفلسطينية مي المصري "3000 ليلة" الذي احتل الرقم واحد، لتأتي الأفلام الأخرى بالترتيب ثانيا وثالثا إلى غاية عشرة، وهي: "آخر أيام المدينة" تامر السعيد، "بغداد خارج بغداد" قاسم حول، "دلافين" وليد الشحي، "ذيب" ناجي أبو نوار، "روحي جيهان شعيب، "عمر" هاني أبو أسعد، "غروب الظلال" محمد لخضر حامينا، "قبل زحمة الصيف" محمد خان، وفي المرتبة العاشرة "مدام كوراج" لمرزاق علواش.

وفي ما يخص أفضل 5 أفلام تسجيلية عربية، فقد جاء على رأس القائمة الفيلم الجزائري " في رأسي رونبوان" لحسين فرحاني، يليه الفيلم الاماراتي "في سيرة الماء والنخل والأهل" لناصر الظاهري، بعدها يأتي الفيلم الفلسطيني"قهوة لكل الأمم" للمخرجة وفاء جميل، ورابعا الفيلم اللبناني "لي قبور في هذه الأرض" وكما بدأت القائمة بفيلم جزائري انتهت بفيلم جزائري وهو "هواجس الممثل المنفرد بنفسه" للمخرج حميد بن عمرة. 

أما في ما يتعلق بأفضل عشرة أفلام روائية أجنبية، فقد جاء على رأس اختيارات الناقد محمد رُضا وفي نفس الفترة التي سبق وذكرتها، وبعد مشاهدته نحو 240 فيلما أجنبيا حسب ما أورده الناقد في كتابه، فقد احتل المرتبة الأولى فيلم "99 منزلا" لرامي بحراني، يليه كمرتبة ثانية "ليالي عربية" ميغويل غوميز، وهكذا بالترتيب " شي راك" سبايك لي، "فرانكوفونيا" ألكسندر سوخوروف، "فندق بوداباست الكبير" وس أندرسون، "آيقي" توليا اتاي، "فارس الكنبة" ترن مالك، "نبات" إلشين موسا اوغلو، "المنبعث" أيخاندرو غونزالس إينارتو، وفي المرتبة العاشرة جاء فيلم "سبوت لايت" لتوم مكارثي في ذيل القائمة.

وبخصوص أفضل أفلام تسجيلية أجنبية، فقد وقع اختيار المخرج على فيلم "15 يوما على الشاطئ" للمخرج الأرجنتيني قلاقيا د لا فوينتي، تلاه ثانيا "بيهموث" ليانق زو، ثالثا "المواطن 4" لورا بويتراس، رابعا "نسيان فيتنام" لـ ت مينه- هاترينه، وجاء الفيلم الكولومبي "رسائل إلى ظل" لدانييلا أباد"  في ذيل القائمة.

وقد ضم هذا الفصل أيضا العديد من التقارير  والاختيارات  التي قدمها الناقد، مثل رصده لأكثر المهرجانات السينمائية نجاحا، وترتيب المهرجانات تبعا لأهميتها، ويدخل في هذا حجمها، تأثيرها على الصناعة الإقليمية أو العالمية، وفي هذا الصدد اختار المخرج على رأس القائمة مهرجان "كان"، ومن بعده "برلين، ثم تورنتو، صنداس، دبي، فنيسيا، بوسان، ريو ديجنيرو، سيكساو، وأخيرا تلييورايد".

ناهيك عن الترتيبات الأخرى للمهرجانات، وما تم ملاحظته هو حضور مهرجان "دبي" فيها بقوة، فمثلا نراه يحتل المرتبة الرابعة عالميا بالنسبة إلى أهميته الفنية والثقافية، والخامس من حيث التنظيم وسهولة وتلقائية المشاهدة، والثامن من حيث أهميته العالمية، والأول بالنسبة لأفضل مهرجان عربي لاختياراته من الأفلام العربية،  كما تم تصنيف مهرجان "دبي" حسب رأي الناقد كأفضل المهرجانات الدولية الكبرى، لجودة مسابقاته، كما قام الناقد محمد رُضا بسرد قائمة بعشرة مهرجانات عربية وأهم جوائزها خلال سنة 2015، وهنا أنا شخصيا وكناقد أفتح قوسا وأعلن تعجبي من عدم ذكر الناقد محمد رُضا لـ"المهرجان الدولي للفيلم العربي بوهران" المقام بالجزائر، من بين هذه القائمة التي أعدها، مع العلم أن المهرجان من بين أهم المهرجانات العربية المتخصصة في الفيلم العربي والوحيد تقريبا من ناحية "ثيمته"، واستطاع استقطاب أفضل الأفلام العربية  خلال دوراته المختلفة، بعيدا عن الرأي والرأي المخالف لأن هذا الأمر يخضع لعملية حسابية، لا دخل للذوق فيها.

هذا وقد اختار الناقد في الفصل الثاني وتحت عنوان "أجيال" عشرة مخرجين من العرب والأجانب، من أجيال وأساليب مختلفة، حيث جاءت القائمة بالترتيب الأبجدي وهي كالتالي:" هاني أبو أسعد، روي اندرسون، جاك أوديار، رامي بحراني، حكيم بلعباس، قاسم حول، محمد خان، ألكسندر سوخوروف، ناوومي كواسي، مي المصري" وفي نفس الفصل أيضا قام المخرج بذكر سيرة ذاتية مختصرة عن كل مخرج وعن أفضل أفلامه، بالإضافة إلى الأثر الملموس الذي تركه كل منهم  على رقعة أعمالهم وفي المحافل الدولية. 

أما الفصل الثالث فقد خصصه الناقد للسينما العربية، حيث قسّمه لمحورين أساسيين، الأول جاء تحت عنوان "اختيارات الناقد"، ويشمل المقالات النقدية المطوّلة عن ثمانية أفلام وجدها تستحق المعالجة بتوسع، وهذا بصرف النظر عن القيمة الفعلية لكل فيلم، أما المحور الثاني فقد جاء تحت عنوان "بانورما الأفلام العربية" ومن خلاله قام بترتيب أكثر من 100 فيلم ترتيبا أبجديا، من مختلف الجنسيات والمستويات مع ذكر أسماء مخرجيها، وأنواعها ومدة عرض كل منها والبلد المنتج واسم شركة الإنتاج المتوفر. 

وفي الفصل الرابع  الذي جاء بعنوان " الأفلام الأجنبية " ركّز الناقد على محور رئيسي قسمه إلى جزئين، الجزء الأول منه بعنوان "اختيارات الناقد"، ويشمل المقالات النقدية عن أفلام وجدها المؤلف تستحق المعالجة بتوسع، كما فعل في الفصل الثالث تقريبا، والجزء الثاني "بانورما الأفلام الأجنبية" والتي اختار فيها الناقد 300 فيلم من مختلف الجنسيات والمستويات مع ذكر أسماء مخرجيها وأنواعها ومدة عرض كل منها والبلد المنتج واسم شركة الإنتاج المتوفر.

أما الفصل الخامس والأخير فقد جاء تحت عنوان "سينما وسينمائيون"، تناول فيه شخصيات عربية وأجنبية رحلت عن دنيانا بعدما تركت الأثر الكبير والفاعل على مستويات مختلفة وتبعا لاختصاصاتها في العمل السينمائي.

" كتاب السينما/المرجع النقدي لأفلام اليوم العربية والأجنبية" للناقد السينما اللبناني محمد رُضا، مرجع مهم في النقد السينمائي والتوثيق للفن السابع، ازدانت به المكتبة العربية، وهو بمثابة دليل عملي لما أنتج حديثا، نفهم من خلاله العديد من الأفلام ونتعمق فيها.

قد ينال إعجابكم