متابعات

لماذا تأجل مهرجان مراكش؟

زبيدة  الخواتري

بشكل مفاجئ وغير منتظر، لن تعرف مدينة مراكش المغربية وضع سجادها الأحمر لاستقبال ضيوف مهرجانها الدولي للفيلم ولن تمنح نجمتها الذهبية للمتوجين فيه هذا العام، فقد أعلنت مؤسسة المهرجان عدم تنظيم دورة السنة الحالية وتأجيلها للسنة المقبلة 2018.

ففي بيان أصدرته مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، أكدت تأجيل دورة 2017، وستواصل رغم ذلك، مهمة النهوض بالصناعة السينمائية المغربية، والانفتاح على ثقافات أخرى وضرورة الاشتراك في عالمية الفن السابع، وقالت إنها تسعى لإعطاء ديناميكية للتغيير الذي يتوخى إرساء تنظيم جديد وآليات جديدة مع ما يعرفه العالم الرقمي، من أجل خدمة، رؤية وأهداف المهرجان. رؤية وأهداف طالما انتقدها المتتبعون بعد مرور دورات من المهرجان دون ظهور بصمة واضحة لتظاهرة تعزز بها مكانة المهرجان وصورته بين دول المعمورة. فمهرجان مراكش السينمائي الدولي يحظى بمكانة متميزة بين المهرجانات العالمية خلال سنواته الستة عشر، غير أن انتقادات كثيرة وجهت لإدارته منذ سنوات صارت تتراكم حتى وصلت المنظمون لهذا القرار.

أعلنت مؤسسة المهرجان عدم تنظيم دورة السنة الحالية وتأجيلها للسنة المقبلة 2018

فالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش موعد سنوي للجمهور المغربي والأجنبي حيث سجلت إدارة المهرجان معدلات سنوية بحضور حوالي 20 ألف لفقرات المهرجان، و50 ألف متفرج حاضر في ساحة جامع الفنا و20 ألف مدعو للحفلات والأمسيات الرسمية. كما تميزت بتغطية إعلامية وطنية ودولية واسعة بحضور مئات الصحفيين من عدة بلدان.

ذلك أن المهرجان الدولي للفيلم بمراكش يحاول تقديم ثقافة بلد منفتح على ثقافات العالم، ويحرص على تعزيز التلاحق الثقافي والفني .يستقبل المئات من الضيوف الأجانب، باعتبارهم رهانا رسميا لتسويق صورة المغرب دوليا، لخدمة الوجه السياسي الذي يتسم، مقارنة مع ما يحدث في المحيط، بالاستقرار، وهو الوجه الذي ستشمل تداعياته المجالين الاقتصادي والسياحي، وغيره من المجالات الأخرى، التي يراهن عليها المغرب الرسمي. حيث نجحت التظاهرة في استقطاب نجوم عالميين وعرب على مدار دورات المهرجان، لكن لامجال للمقارنة بين السجاد الأحمر كما في مهرجانات أوروبا وأمريكا، ومهرجان مراكش خصوصا في دوراته الأخيرة.

الانتقادات طالت ميليتا توسكان مديرة المهرجان

وذكرت بعض وسائل إعلام مغربية، أن سبب إلغاء هذه الدورة الحالية يعود إلى تخلي إدارة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، عن الشركة الفرنسية "بيبليك سيستيم سينما"، التي أشرفت منذ سنوات على تنظيم هذه التظاهرة الفنية الدولية.

وتجلت كثرة الانتقادات أيضا على الهيمنة الفرنسية على المهرجان، فإذا كانت مديرة المهرجان "ميليتا توسكان"، فرنسية، فالأمر لم يقتصر عند وراثتها لمهام زوجها في هذا المجال بل للحضور الفرنسي من الفنانين والصحفيين.

من فقرات مهرجان مراكش الدولي عروض سينمائية تتم في الهواء الطلق، بالضبط في إحدى اشهر الساحات في المغرب، جامع الفنا، وهي ساحة تراثية ذات تاريخ طويل وصنفت تراثا إنسانيا من طرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، ساحة تحتضن مختلف الفنون الشعبية والتراثية المغربية، ما يشكل فضاء سياحيا للاكتشاف من طرف زوار المهرجان. وبمحاذاة الساحة "بازارات" ومحلات تجارية تعتمد كثيرا على السياحة في اقتصادها. فخلال فترة المهرجان، تكون طفرة مهمة من الناحية الاقتصادية، لترتفع الإيرادات بشكل ملحوظ ، وتحريك عجلة الاقتصاد والسياحة، لتنعكس نتائجها على سكان المدينة، فضلا عن التنشيط الثقافي والفني.في مدينة تزخر بمؤهلات سياحية، وتستقطب مشاهير العالم في الفن والسينما والسياسة والرياضة.

انتقادات في المضمون:

جاء تأجيل الدورة الحالية لأسباب مالية على ما يبدو

انتقادات كثيرة من طرف المتتبعين تقرّ بضعف أفلام المسابقة الرسمية، وترى بأن المهرجان يسير نحو الانغلاق على ذاته، خاصة وأن المهنيين لا يجدون مكاناً خاصاً للتواصل وتسويق إبداعاتهم. مع إبعاد كل المنتقدين للمهرجان. كما تهيمن التوجُّهات الفرانكفونية على حساب اللغة العربية، وتجعل الفرنسية اللغة الأولى للمهرجان في التواصل العام والندوات والمحادثات والعروض. وخلال تغطيتنا للدورات السابقة، صرح الكثيرون من مبدعين ونقاد، أنه بعد يومين أو ثلاثة من الأفلام المقبولة في مهرجان دولي كمهرجان مراكش" أصبحنا نشاهد أفلاما من الدرجة الثالثة والرابعة". ويضيف آخر "نأسف حقيقة أن يكون الحدث الوحيد الذي استطاع المهرجان تحقيقه دوليا، هو منح كل الأفلام نجمة لجنة التحكيم، كما لو أننا أمام منظم حفل يفرق الحلوى على الأطفال".

الدورات الماضية من المهرجان حسب المتتبعين، فقدت احترافيتها على أكثر من صعيد، بل حتى التصور العام للمهرجان غير معروف وناقص غير مكتمل. مشكلة مهرجان مراكش هي مشكلة تصور و صورة، و إذا لم ينجح في تجاوز هذه المعضلة، فإنه لن يستطيع أبدا التنافس مع الكبار من المهرجانات الذائعة الصيت. و يمكن تجاوزها تدريجيا بالتفكير في الفقرات التي ستقوي التظاهرة، البعد الثقافي و الندوات الفكرية، سوق الفيلم المغربي، الحضور العربي ، حضور النجوم العالميين، ثم التفكير في حفل افتتاح و حفل اختتام يليقان بالمدينة الحمراء مراكش و بالسينما وبالمهرجان، عوض رغبة المنظمين في الانتهاء.

والاشتغال على المحيط الذي يكبر فيه المهرجان لن يكون مفيدا فقط على هذا المستوى، وسيكون أكثر إفادة لو توجه للساكنة، فمراكش أكثر  جمالا، فالمدينة الحمراء وردة وسط محيط من النخيل، وعربات "الكوتشي" المجرورة التي يجوب دروب و أزقة إحدى أجمل العواصم المغربية التاريخية، و يصل رياضاتها قبل دورها و قصورها يزيد من جمالية وعبق المنطقة. بالتالي وجب التفكير في دمج المجتمع المدني في التظاهرة. خاصة أن الكثير من القرى المجاورة تعيش التهميش والفقر على المستوى الاجتماعي.

غياب السينما المغربية:

يجتذب المهرجان عادة جماهير غفيرة من داخل المغرب وخارجه.

وفي الحديث عن السينما المغربية، عرفت الدورة الماضية غياب الأفلام المغربية عن المسابقة الرسمية، وكان حضورها ضعيفا في باقي فقرات التظاهرة، كما أن الضيوف المغاربة من مبدعين غالبا ما يشعرون بالتمييز بينهم والآخرين. وما يتم تناقله هو ذلك التعامل الجاف للمنظمين مع مجموعة من المخرجين والممثلين الذين جاءوا من أجل مشاهدة أفلام هذه الدورة، إذ تم التعاطي معهم وكأنهم من عموم المهتمين وعشاق السينما. في وقت انصب الاهتمام كله على الضيوف الأجانب، من نجوم سينما وشخصيات وصحافيين تابعين لوسائل الإعلام الأجنبية الغربية بالخصوص والفرنسية على وجه التحديد. مع تسجيل تغييب عدد هام من الوجوه المعروفة لدى عشاق الشاشتين الكبيرة والصغيرة،  ومرور وجوه لا علاقة لها بالسينما فوق البساط الأحمر، وحتى الفنانين المغاربة الذين عبروا فوق البساط الأحمر، لم يتعد حضورهم هذه الالتفاتة الرمزية، إذ تمت ملاحظة غيابهم المستمر في مشاهدة عروض المسابقة الرسمية.

كما يسُجل خلال هذه التظاهرة اعتراض العديد من الصحفيين المتتبعين لمجريات المهرجان على السلوك المتسم بالتمييز الذي تمارسه الإدارة ما بين المغاربة والأوروبيين الذين تمكنهم من المعلومات كلها ومن ضمنها المواعيد مع بعض ضيوف المهرجان، وإذا ما حدث غير ذلك فيبقى ذلك محصورا في القنوات الرسمية مع استبعاد الإذاعات والصحف.

غير أن الأفلام الجيدة تعدّ على أصابع اليد الواحدة من أصل حوالي 20 تُنتج خلال عام واحد بالمغرب. مهرجان مراكش مهرجان دولي، ويشتغل على إعادة الناس إلى القاعات لمشاهدة أفلام قليلة العرض والانتشار، في بلد يصعب فيه إنجاز تلك المهمة بسبب القدرة الشرائية وتقلص القاعات السينمائية. فأكبر المدن المغربية صرنا نعد عدد القاعات السينمائية فيها على أصابع اليد بعدما كانت طفرة مهمة في القرن العشرين، وهذا بعض مما تعيشه السينما بصفة عامة في بلد يحظى بعشق كبير لها،  وفي بلد يحاول النهوض بمورثه وثقافته والانفتاح على العالم.

إلى دورة 2018:

بيان مؤسسة المهرجان أكد استمرارية التظاهرة في السنة المقبلة أي 2018.وكانت الدورة السادسة عشرة من المهرجان للسنة الماضية 2016، قد توجت الفيلم الصيني "المتبرع"، لمخرجه "زون كيوو"، بالجائزة الكبرى للمهرجان. فيما عادت جائزة لجنة التحكيم للفيلم النمساوي- الإيطالي المشترك "مستر انفيرسو"، ونال جائزة أحسن إخراج الصيني "وانغ كسييبو"، عن فيلمه "سكين في مياه صافية". وترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، التي عرفت تنافس أربعة عشر فيلماً، المخرج المجري "بيلا تار". وتضمن برنامج التظاهرة، تكريم ذكرى كل من المخرج الإيراني "عباس كياروستامي" والمخرج المغربي "عبد الله المصباحي". والمخرج الياباني "شينيا تسوكاموتو" والمخرج الهولندي "بول فيرهوفن" والممثل المغربي "عبد الرحيم التونسي"، المشهور بلقب "عبد الرؤوف"، والممثلة الفرنسية ذات الأأصل الجزائري "إيزابيل أدجاني"، إضافة إلى تكريم السينما الروسية بعرض ثلاثين فيلماً، في حضور وفد روسي مكون من عشرين سينمائياً.

قد ينال إعجابكم