متابعات

مؤبد مفتوح.. ملامح من سيرة فارس

بشار إبراهيم

بتعاون ما بين «الملتقى السينمائي الفلسطيني»، و«مفوضية الأسرى والمحررين»، في غزة، أنتج وثائقي «مؤبد مفتوح»، بتوقيع المخرج فايق جرادة. من الطبيعي أن يتبادر إلى الذهن أن هذا الفيلم الوثائقي من الطراز الوظيفي، الذي يخدم مناسبة معينة، أو يحتفي بشخصية محددة، ولن يكون في ذلك أيّ ضير، بخاصة إذا ما انتبهنا إلى الأهمية التي يلعبها الفيلم الوثائقي في سياق القضايا الكبرى، وحتى اليوميات، والتفاصيل الصغرى.

المخرج الفلسطيني "فايق جرادة"

«مؤبد مفتوح» (51 دقيقة، 2015) يتناول فيه المخرج فايق جرادة قصة عميد الأسرى الفلسطينيين، كريم يونس، من قرية عارة، في المثلث الفلسطيني منذ العام 1948، وقد اعتُقل يونس في 06/01/1983 عندما كان طالباً جامعياً، يدرس الهندسة المدنية، بتهمة انتسابه لـ«حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (فتح)، وتنفيذه عملية أدّت إلى «قتل جندي إسرائيلي والاستيلاء على سلاحه»، ما استوجب افتراضاً اتخاذ «حكم بالإعدام شنقاً»، أخذ في النهاية صيغة «مؤبد مفتوح»، لتمرّ عليه حتى الآن 33 سنة، أمضاها كريم يونس في سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي، الكثيرة والقاسية، مثل الرملة وعسقلان وبئر السبع ونفحة.

لعل الجوهري في هذا الوثائقي ما يتضمّنه من لقاء مع أم كريم (صبحية وهبي يونس)، لاسيما مع فقدان إمكانة التواصل، المباشر وغير المباشر، بالكاميرا أو عبر الهاتف، مع كريم يونس نفسه، الذي نعرف أنه بقي يواسي والدته بأنه واحد من 11 ألف سجين فلسطيني، وراء قضبان سجون الاحتلال.

كريم ووالدته (صبحية وهبي يونس)

ولن يتردّد الفيلم في تقديم شهادات من مُحررين، رافقوه في المُعتقل، أو زاملوه في مراحل الفتوة والشباب، ليرسموا لنا صورته، طالب جامعي مثقف ومتعلم، وفتى شجاع وجريء، ومناضل وسياسي مُبادر، كان من أوائل من فكّر في «كسر المُسلمات الأيديولوجية والمحرّمات لدى الثورة»، فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، بطرحه المُبكر لـ«فكرة الاعتراف والمفاوضات واعتماد المرجعيات الدولية»، ما جرّ عليه الانتقادات والتشكيك، إلى درجة التعرّض للجنة محاسبة من قبل تنظيمه (فتح)!، الأمر الذي شرع المجال واسعاً، كما في الواقع كذلك في الفيلم، للحديث حول إشكاليات سياسية واجتماعية وفكرية، بسبب اختلاف الثقافة والمعرفة والعادات والتقاليد، لدى كريم يونس وأمثاله من الأسرى من مناضلي الأرض المحتلة عام 1948، عن الأسرى من أبناء قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والشتات.

يُسلّط وثائقي «مؤبد مفتوح»، في هذا السياق، الضوء على جانب موازٍ من تجربة كريم يونس، الذي أنجز كتابيه «الواقع السياسي في إسرائيل»، و«الصراع الأيديولوجي والتسوية»، وهما جزء من النتاج الفكري النظري الذي صدر له في السجن، حيث درس يونس العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في السجن، ما أهّله أكاديمياً للخوض في غمار التنظير، والتأسيس من ناحيته لمنظومة فكرية، مدعومة بتمكّنه من اللغة العبرية، واطلاعه المباشر على ثنايا الفكر الصهيوني، وتمتّعه بسمات الباحث الموضوعي الهادئ، القادر على التخلّص من النزعات العاطفية، والتأثّر بالسياقات الإعلامية، خلال بحثه الجاد في دحض الفكر الصهيوني، أو نقد الفكر السياسي الفلسطيني التقليدي.

الأسير "كريم يونس"

وعلى رغم أن وثائقي «مؤبد مفتوح» يفتح عدداً من الملفات الساخنة، والمثيرة للجدل، والقضايا الإشكالية تماماً، كما سنرى، إلا أنه اعتمد الأسلوب الهادئ في طرحها، والشكل التقليدي في سردها وبنائها، مستعيناً بما أمكنه من لقاءات وحوارات ومقابلات، وصور أرشيفية، غاب عنها الحضور الراهن والمباشر لكريم يونس، الموجود حتى هذه اللحظة خلف قضبان الاعتقال.

ولعل هذا ما جعل الفيلم يأتي على شكل رحلة تنطلق من غزة (ربما)، إلى عارة، حيث اللقاء مع والدة كريم يونس، ومن ثم شقيقه نديم، للحديث عن كريم تارة باعتباره الابن البكر الأكثر تميزاً بين أشقائه، وأخرى باعتباره المتميز في حياته الدراسية وعلاقات الشخصية وصداقاته وأحلامه التي قادته إلى الانضمام إلى النشاط السياسي السرّي للثورة الفلسطينية.

تتفق الشهادات، كما ستقول الوقائع أيضاً، على تميّز وفرادة كريم يونس، الذي أضحى واحداً من رموز وقادة الشعب الفلسطيني، وما أثبتته التجربة في الممارسة العملية، لفتى يمكث معتقلاً في هذه اللحظة، متكئاً على 33 سنة في سجون الاحتلال الإسرائيلي. فمن عسقلان إلى بئر السبع ونفحة، وبعد أن أمضى 73 يوماً في انتظار تنفيذ حكم الإعدام، بدأت مسيرة عميد الأسرى، أو «فارس وادي عارة» كما يحبّ مريدوه تسميته، مسيرة من عناوينها الصمود والصلابة التي حولته إلى نموذج وقدوة لكثير من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يستلهمون من عزمه وتجربته، سواء على مستوى المزايا الفردية التي يتمتع بها، أم على مستوى اهتماماته الإنسانية بالأسرى، المرضى منهم والمحتاجين.

يميل «مؤبد مفتوح» إلى جانب عاطفي مؤثر، يتمثل في ملامسة مشاعر الأم، وفقدانها الابن الأكبر، وحديث الأم عن أيامها ولياليها، وأوقاتها الكئيبة التي تمضيها تهجس في الكلام مع ابنها المغيّب، وكذلك مصادفة إن يكون تاريخ اعتقال كريم، موافقاً لتاريخ رحيل والده، إذ عندما كانت «الحركة الفلسطينية الأسيرة في سجون الاحتلال» تكرّم كريم يونس بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على اعتقاله، أبلغه الأسير مروان البرغوثي بوفاة والده (يونس فضل يونس)، تماماً في تاريخ 06/01/2013، أي ما يصادف الذكرى السنوية لاعتقاله، ليتضاعف الحزن ويشتد ألمّ الذكرى، زادها حينها أنه كان مرت سنتان لم يلتقيا خلالها، بسبب الظروف الصحية للوالد، ولم تسمح سلطات الاحتلال الإسرائيلي لكريم بحضور التشييع، أو التأبين، في إصرار منها ضده، وضد ما يمكن أن يمثّله بوصفه نموذجاً للمناضل الفلسطيني من أبناء الأرض المحتلة عام 1948، ومن حملة «الأوراق الإسرائيلية»، تجلّى ذلك من قبل عندما كان كريم يونس ضمن قائمة المُفرج عنهم في عملية تبادل الأسرى، في العام 1995، لكن الإسرائيليين تراجعوا عن الإفراج عنه في اللحظات الأخيرة، وليمضي 21 سنة إضافية حتى الآن.

الأسير "كريم يونس" وهو طفل

ولكن الفيلم، في الوقت نفسه، لا يستغرق في هذا الجانب كثيراً، لينتقل إلى مستويين اثنين على غاية من الأهمية، أولاهما: البيئة العامة للحركة الفلسطينية الأسيرة، برموزها وأفراداها ومناضليها، وطبيعة العلاقات الإنسانية التي ربطت بينهم، خلف قضبان السجن والاعتقال، ومن ثم في الحياة العامة، بعد إطلاق سراحهم، وخروجهم من الأسر.

وثانيهما: الفعالية المجتمعية التي يمكن لها أن تكون عوناً ودعماً وسنداً للحركة الأسيرة، بخاصة في عالم اليوم، حيث ثورة الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي، والقدرة على الانتشار والوصول إلى أوسع قطاع من الرأي العام؛ المحلي والعربي والعالمي، والتأثير في صياغته وتوجهاته، حتى لا يبقى الصمت مطبقاً على ما يجري في سجون ومعتقلات الاحتلال الاسرائيلي.

سوف تبادر ريم يونس، زوجة شقيق كريم يونس، إلى إنشاء صفحة فيسبوك باسمه، لتكون هذه الصفحة منطلقاً لنشاط افتراضي لقي تجاوباً واسعاً. صفحة كريم يونس على فيسبوك فتحت المجال لعدد من النشاطات والفعاليات والأخبار، فبدل طباعة مقالاته صار في الإمكان نشرها، وبات ممكناً أرشفة ما يمكن من صور وأخبار، والإطلالة المستمرة على أحواله في السجن. كما أن الصفحة الافتراضية أعادت عقد العلاقات مع عدد من الأصدقاء والمعارف التي غيبتها الأيام.

صفحة الأسير "كريم يونس" على الفيسبوك

الاشتغال على وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكة الإنترنيت، وما يمكن أن نسميه «الفعل الافتراضي»، يمكن أن يكون أحد المداخل ذات الأهمية التي يمكن من خلالها دعم الأسرى والمعتقلين، وتوطيد الحركة الفلسطينية الأسيرة، والانتقال لها من الظلّ إلى تحت الضوء، ومن خانات الصمت إلى بوح الكلام، والفضح وحشد الرأي والدعم والمساندة.

«مؤبد مفتوح»، للمخرج فايق جرادة، وثائقي ضروري في وظيفته، ينتمي إلى الفكرة التي تقول إن المضمون يمكن له أن يطغى بأهميته على الشكل الفني، أو القيم الجمالية، لاسيما عندما يكون الحديث في مجال صناعة الوثائقيات محدودة التكلفة، ومُحدّدة الخيارات، ومقيدة المساحات.

إنه وثائقي يستحق التقدير واحترام الفكرة والجهد المبذول في تنفيذه وبنائه وسرده، ومتابعة أسئلته التي يثيرها، فذاك يرتقي إلى مستوى المهمة الوطنية، والواجب الإنساني والأخلاقي، طالما أن هناك خلف قضبان الأسر والاعتقال الإسرائيلي، آلافاً من أرواح بشرية فلسطينية تتعذّب يومياً، تتصادى في عذاباتها مع آلاف الأسر الفلسطينية التي تعيش المحنة في كل لحظة، وطالما أن هناك قرابة مليون فلسطيني مرّ في تجربة الاعتقال والأسر، ومنهم من لقي الصدود والإهمال، والتقاعس عن إعادة الدمج في المجتمع الفلسطيني.

قد ينال إعجابكم