متابعات

مانشستر على البحر: قوّة التقمّص

لقطة من فيلم "مانشستر على البحر"

عدنان حسين أحمد

لم تعد البطولة السينمائية حكرًا على طبقة اجتماعية بعينها فقد أسند المخرج الأميركي كينيث لونيرغان دور البطولة في فيلمه الجديد "مانشستر على البحر" إلى بوّاب وعامل صيانة Janitor استطاع أن يشدّ المتلقين على مَدار الفيلم الذي بلغت مدته 137 دقيقة من دون أن يتسرّب إليهم الملل لأنهم كانوا يتابعون قصة رصينة، محبوكة ومليئة بالمفاجآت، وأكثر من ذلك فقد كان أداء هذا البطل مُقنعًا، وصادقًا، وبعيدًا عن الافتعال فلاغرابة أن يُتوّج كيسي أفليك الذي تألق في دور "لي تشاندلر" بجائزة غولدن غلوب لأفضل ممثل في فيلم درامي، كما أسند المجلس الوطني لمراجعة الأفلام NBR أربع جوائز مهمة لهذا الفيلم من بينها جائزة أفضل سيناريو، وأفضل موهبة جديدة. وثمة ترشيحات لجوائز عالمية أخرى تنتظر هذا الفيلم الدرامي الذي نجح في تقديم ثيمته "السايكولوجية" العميقة التي تستبطن أعماق النفس البشرية بلغة بصرية جّذابة تُراهن على تفاعل المُشاهد ولا تتركه ضحية للحيادية، والاسترخاء، وآلية التلّقي السلبي.

لعل من المفيد الإشارة إلى أنّ المخرج لونيرغان هو كاتب مسرحي، وسينارست محترف لا تتسلل إلى نصوصه السينمائية الأخطاء أو الهنات العابرة التي تربك آلية التلقي عند المشاهدين المدرَّبين الذين يتوفر لديهم نوع من الذائقة البصرية التي تبحث عن الأفلام الناجحة أو التُحف الفنية التي تؤثر في المُشاهد وتضيف إلى مخزونه البصري شيئًا جديدًا لم يسبق رؤيته من قبل.

رشح الممثل الشاب "كيسي أفليك" لنيل جائزة الأوسكار عن دوره لي تشاندلر

لنعترف أولاً أن فكرة الموت"نمطية" وقد شاهدناها في مئات وربما آلاف الأفلام لكن معالجتها، وطريقة التعاطي معها مختلفة في فيلم "مانشستر على البحر" وهذا هو سرّ نجاح الفيلم ومعقولية قصته السينمائية التي كتبها المخرج نفسه بوصفه كاتبًا محترفًا يعرف أسرار لعبته الفنية. وإذا أردنا التوقف عند الثيمة وإيجاز القارئ بها فإنها لا تتعدى فكرة "الإحساس المتواصل بالذنب" للأب لي تشاندلر الذي عاد ثملاً إلى منزله، وأوقد النار في المدفأة الخشبية، وتسبب، من دون قصد، في حرق البيت برمته وموت أطفاله الثلاثة بطريقة مُفجعة لم يفلح في نسيانها طوال حياته، بل إن موت شقيقه "جو" بالسكتة القلبية قد أعاده إلى المشهد المروّع لموت أطفاله الصغار الذين راحوا ضحية إهماله ونزواته الشخصية التي كان يحققها مع حفنة من أصدقائه المقرّبين إليه.

البنية المُحكمة

يعتمد هذا الفيلم على قصة سينمائية واضحة المعالم لكنها مبنيّة بطريقة مركّبة حيث اعتمد السينارست على حادثة تُفضي إلى حادثة، وقصة تقود إلى قصة أخرى. وقد تمّ هذا الاستدعاء بواسطة تقنية "الفلاش باك" في إشارة واضحة إلى أن محنة البطل مستمرة، وإحساسه بالفجيعة متواصل، وهذا ما يفسر لنا محاولته للانتحار كي يتخلّص من تأنيب الضمير الذي باتَ يلازمه مثل ظله.

لا شك في أن "لي تشاندلر" هو نموذج للشخصية المعقدة التي تفاقمت محنتها بعد موت الأطفال الثلاثة. وعلى الرغم من أن الموت كان نتيجة لفعل فاعل لكنه لم "يقتل" عن قصد أو نيّة مسبقة لذلك أخلتْ الشرطة سبيله وبرّأته لحين ظهور أدلّة جديدة.

كيسي أفليك، وشقيقه جو (كايل تشاندلر) في "مانشستر على البحر"

لابد من تأمل الشخصيات الرئيسة لهذا الفيلم وإطالة النظر في المصائر التي آلت إليها. فـ "لي تشاندلر" فقد أطفاله الثلاثة، وانفصل عن زوجته راندي "ميشيل وليامز". أما شقيقه جو "كايل تشاندلر" فهو منفصل عن زوجته أيضًا إليز "كريتشن مول" وقد تعرّض للجلطة القلبية وفارق الحياة تاركًا وصاية ابنه الوحيد باتريك "لوكاس هيدجز" لشقيقه الأصغر "لي" الذي صُعق بهذا التكليف لأنه سيقلب حياته رأسًا على عقب. وبما أن باتريك شخصية إشكالية أيضًا فإنه يحب فتاتين في آنٍ واحد وهما سيلفي وساندي لكنه يفضل هذه الأخيرة ويتردد إلى منزلها بشكل متواصل ويحاول أن يجمع بين عمه و جيل "هيثر بيرنز"، والدة سندي التي استلطفته أول الأمر لكنها تراجعت حينما اكتشفت إحجامه عن إقامة أي علاقة اجتماعية أو عاطفية، فهو شخص منكفئ على نفسه غير أنّ هذه العزلة الاختيارية لم تمنعه من أداء عمله اليومي أو ارتياد الحانة الليلية التي يشتبك فيها غالبًا مع أناس آخرين لأسباب تافهة لكنها تشكِّل مُتنفسًا للضغوط النفسية والاجتماعية التي يعاني منها بشكل دائم في مجتمع لا يقدِّر الأشخاص الذين يعملون في مهن متواضعة مثل التنظيف، وصيانة الحمّامات وما إلى ذلك.

يضعنا المخرج أمام أسرٍ مفككة، وشخصيات ضائعة في المجتمع الأميركي لكنها لم تيأس كليًا. فـ "أليز" التي انفصلت عن "جو"، وتعالجت من الإدمان، وجدت ضالتها في "جيفري" الشخص المسيحي المتدين الذي طلب من باتريك ألا يتصل بأمه مستقبلاً إلاّ من خلاله، كما أن الأم قد تبدلت كليًا من امرأة مدمنة إلى سيدة ملتزمة دينيًا. أما "لي تشاندلر" فقد رفض إقامة علاقة جديدة مع جيل "هيثر بيرنز" التي بدت لنا بحاجة ماسة إلى علاقة عاطفية ما، خصوصًا وأن ابنتها ساندي كانت تختلي بباتريك غير مرة، وتتعرض لمضايقات هذه الأم "المعزولة" بشكل من الأشكال.

لم يكن باتريك أفضل حالاً من عمه على الرغم من علاقته العاطفية الحميمة فقد أصيب بانهيار عصبي حينما رأى بضع دجاجات مجمدة في الثلاجة بعد وفاة أبيه وإيداعه في برّادة الموتى قبل دفنه الذي تأخر بعض الوقت لكن علاقته سوف تتحسن تدريجيًا بعمِّه الذي وجد فرصة عمل في "بوسطن" وبدأ يبحث عن منزل تتوفر فيه غرفة إضافية كي يخصصها لباتريك كلما عنَّ له زيارة عمِّه خصوصًا وأن جورج، صديق العائلة، قد قرّر  هو وزوجته تبنّي باتريك على وفق وصية الأب الذي رحل مبكرًا بسبب الإدمان، والفشل في الحياة الزوجية، وانكسارات أخرى ينبغي أن يتلمّسها المُشاهد بنفسه.

اللقاء الأخير بين راندي وطليقها لم يسفر عن شيء فعلى الرغم من إلحاحها بإمكانية العودة إليه واستئناف حياتهما الزوجية من جديد إلا أن "لي" رفض الفكرة جملة وتفصيلاً، كما رفض الارتباط بـ "جيل" لكنه لم يتحطم كليًا على الرغم من هزيمته في حياته الزوجية التي انتهت بكارثة كبيرة لا يستطع نسيانها ومحوها من ذاكرته الشخصية.

"ميشيل ويليامز" في الفيلم

يبدو فيلم "مانشستر على البحر" وكأنه دراسة معمقة لشخصية "لي تشاندلر" الذي فقدَ توازنه ولم يعد قادرًا على التواصل الطبيعي مع الآخرين لأنه أصبح شخصية إشكالية بامتياز ربما تذكرنا بشخصية "هاملت" في جانب منها كالتردد، والضياع، والانغماس في التفكير، كما أن الفيلم برمته ينتمي إلى "سينما المؤلف" الذي يعكس الرؤية الإبداعية لكاتب النص ومخرجه الذي ترك لمساته الفكرية والجمالية في التصوير والأداء والمؤثرات السمعية والبصرية.

براعة الأداء

لو وضعنا مجمل عناصر النجاح في هذا الفيلم جانبًا لوجدنا أن أداء الممثلين فقط كفيل بأن يرشحه إلى قوائم الأفلام المتنافسة على الجوائز العالمية، فلقد فاز كيسي أفليك بجائزة غولدن غلوب لأفضل ممثل في فيلم درامي وهو مرشّح قوي لجائز الأوسكار أيضًا. تُرى، ما طبيعة المعطيات الفنية التي يتوفر عليها هذا الممثل الأميركي الشاب؟ والجواب ببساطة شديدة يكمن في قدرته على تقمّص الأدوار المُسندة إليه وتقديمها إلى المُشاهد بعفوية يُغبَط عليها حقًا. فالمعروف عن كيسي مساهماته المبكرة في التمثيل فقد اشترك في الفيلم التلفازي Lemon Sky عام 1988، ثم توالت عليه الأدوار لكن يبقى فيلم "جيم الوحيد" 2005 هو باكورة أدواره الرئيسة التي منحته بعض الشهرة التي جذبت إليه أنظار المخرجين الذين وضعوه لاحقًا في دائرة اهتمامهم خاصة بعد فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في فيلم "اغتيال جيسي جيمس من قبل الجبان روبرت فورد"، ثم تبيّن للجميع أنهم يقفون أمام ممثل بارع في أداء مختلف الأدوار التي تُسند إليه ولو راجعنا قائمة أدواره التي جسّدها في أكثر من ثلاثين فيلمًا لتذكرنا على وجه السرعة "صحراء زرقاء"، "القُبلة الأخيرة"، "هاملت"، "رحلتْ الطفلة رحلتْ"، "سرقة برج"، "بين النجوم"، "أفضل الساعات" وغيرها من الأفلام التي احتفت بهذه الموهبة المميزة التي تألقت مجددًا في فيلم "مانشستر على البحر" وخطفت إعجاب النقّاد والمشاهدين.

مخرج الفيلم، الأميركي كينيث لونيرغان

تكمن أهمية المخرج كينيث لونيرغان في هذا الفيلم تحديدًا باكتشافه لموهبة جديدة سوف تجد طريقها إلى النجومية بأسرع مما نتخيل، فالممثل الشاب لوكاس هيدجز (20 عامًا الآن) كنّا قد عرفناه في بعض الأفلام مثل "دان في الحياة الحقيقية"، "عيد العمال" و "فندق بودابست الكبير" لكن دوره في فيلم "مانشستر على البحر" قد فاق التوقعات لأن أداءه كان مستوفيًا لشروط الشخصية التي يجسّدها، وقد استطاع فعلاً أن يلفت الأنظار إلى موهبته الحقيقية التي تبشر بولادة ممثل مبدع يعد بالكثير وأن ترشيحه لجائزة أفضل موهبة جديدة قد جاءت في محلها، كما أنها جاءت في الفيلم المناسب الذي يحتشد بالمواهب والطاقات الإبداعية التي أثرَتْ الفيلم وطرّزته بمجمل عناصر الإثارة، والترقب، والتشويق.

 

قد ينال إعجابكم