متابعات

محمد وجعفر.. فيلم هولندي يحكي نكبة فلسطين

محمد موسى

قصة هذا الفيلم بدأت عندما كان خودهارت يعد تقريراً عن راشقي الحجارة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لنشرة أخبار خاصة بالأطفال واليافعين على التلفزيون الهولندي.

لم يكن الصبيان الفلسطينيان "محمد وجعفر" يتصوران أبداً أن لقاءهما العابر مع المراسل التلفزيوني الهولندي مارسيل خودهارت في عام 1993 سيتحول إلى مشروع تسجيلي هولندي ضخم، وأن هذا المراسل سيسجل محطات مهمة من حياتهما طوال ربع قرن، حيث سيعود الهولندي كل بضع سنوات إلى مخيم الدهيشة الواقع على أطراف مدينة بيت لحم، ليُعاين أحوال محمد وجعفر اللذين يعيشان هناك، راصداً الظروف والمنعطفات والتحديات الصعبة للغاية التي كان على الشابين الفلسطينيين مواجهتها، وليجمع بعدها بعضاً من المادة الصورية التي سجلها في فيلم شديد القوة والقسوة يحمل عنوان "محمد وجعفر" الذي عُرض أخيراً على الشاشة الثانية للتلفزيون الحكومي الهولندي.

بدأت قصة هذا الفيلم عندما كان خودهارت يعد تقريراً عن راشقي الحجارة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لنشرة أخبار خاصة بالأطفال واليافعين على التلفزيون الهولندي، حيث قابل الهولندي حينذاك الصديقين الفلسطينيين محمد وجعفر اللذين كانا يشتركان في الاحتجاجات على قوات الاحتلال الإسرائيلية، فبعد نهاية تصوير التقرير التلفزيوني الذي عرض وقتها على شاشة التلفزيون الهولندي، قرر خودهارت العودة إلى مخيم الدهيشة، والبحث مجدداً في الآفاق والمسارات المغلقة التي تسير عليها حياة سكان مخيمات اللجوء الفلسطينية، لكنه لن يحتاج هذه المرة جهدا للبحث عن شخصيات جديدة، حيث إنه وجد ضالته في محمد وجعفر.

المصادفات فقط هي التي حفظت محمد وجعفر من نهايات مُفجعة مبكرة.

يفتتح المخرج فيلمه بمشاهد أرشيفية لأول لقاء جمعه مع محمد وجعفر اللذين كانا يتشاركان في كل شيء تقريبا؛ ظروف الحياة الصعبة للغاية في المخيم الذي ولدا فيه معا، إضافة إلى المستقبل غير الواضح الملامح الذي ينتظرهما.

يتحدث محمد وجعفر في مشاهد أرشيفية لهما منذ بداية عقد التسعينيات كما يفعل البالغون، ويبدوان مهمومين بمشاق الحياة كالبالغين.

يعود محمد وجعفر بأصلهما إلى قرية سُفلى التي احتلتها إسرائيل عام 1948، هذه القرية الفلسطينية تحولت إلى الفردوس المفقود الذي يحلم به أبناؤها الذين أُجبروا على تركها، فالتعلق بالمكان الأول ينتقل كالحمض النووي من الآباء إلى الأبناء.

المصادفات فقط هي التي حفظت محمد وجعفر من نهايات مُفجعة مبكرة، فأحد مشاهد الفيلم ينقل كيف كانا يتذكران -عندما كانا في العشرينيات من عمرهما- بعض أصدقائهما في المخيم وقتها وما حدث لهما، حيث كان عدد الراحلين عن هذا العالم يفوق الأحياء.

الفيلم يتنقل بين حقب زمنية مختلفة من الحياة المضطربة التي عاشها محمد وجعفر، فالعقد الثاني للشابين يُعد امتداداً لسنوات مراهقتهم.

المخرج الهولندي نفسه كان حاضراً في جنازة أحد الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، وصوّر رفاق الشهيد الذين قبلوا جبهته المكشوفة. الموت قريب دائماً من أبناء مخيم الدهيشة، فوالد محمد قُتل برصاص قناص إسرائيلي -عندما كان في غرفة الجلوس في بيته- حيث رفضت أسرته لسنوات أن تمسح آثار دمه الذي تناثر على السقف والجدران.

يتنقل الفيلم بين حقب زمنية مختلفة من الحياة المضطربة التي عاشها محمد وجعفر، فالعقد الثاني للشابين يُعد امتداداً لسنوات مراهقتهم، لجهة البحث عن وسيلة للتنفيس عن غضبهم العارم تجاه ما يجري حولهم، ويكشف جعفر في مشاهد من تلك السنوات بأنه لا يرغب بالزواج، "فمن ترضى بالزواج من شهيد؟" حسب قوله.

جعفر أكثر قدرة على التعبير عن هواجسه وأفكاره من صديقه محمد، كما أنه بقي مشغولاً بالوضع السياسي من حوله، وهو ما قاد الجيش الإسرائيلي إلى إلقاء القبض عليه وحبسه في سجونها مدة عامين.

يتغير مسار حياة محمد عندما يبلغ الثلاثين من عمره، فينشغل بالعمل التجاري أكثر، ويفقد الثقة بأساليب مقاومة المحتل التقليدية إذ لا تغير هذه أي شيء كما يقول، لكنه لا يقطع صلته بما يعانيه أبناء بلده، فعندما تنطلق مظاهرة قريبة من المحل الذي يبيع فيه سلعاً للسياح الأجانب في مدينة بيت لحم، يخرج سريعاً إلى الشارع للاطمئنان على شباب المنطقة هناك.

جعفر أكثر قدرة على التعبير عن هواجسه وأفكاره من صديقه محمد، كما أنه بقي مشغولاً بالوضع السياسي من حوله.

محمد الذي تزوج وأصبح أباً هو أيضا لم يقطع علاقته بصديق طفولته جعفر. وهما يلتقيان دورياً للحديث عن الماضي، وعن المخيم الذي تربيا فيه حيث ما زال جعفر يعيش فيه مع عائلته، فيما انتقل محمد إلى خارجه بعد تحسن وضعه المالي.

لا يكتفي الفيلم التسجيلي الهولندي بمتابعة شخصيتيه على طوال ربع قرن، فهو يبرز تجارب الشخصيتين وعلاقتهما بالعالم المتوتر من حولهما اليوم، ويختار الفيلم مشاهد مهمة على صعيد كشفها لحال محمد وجعفر في الزمن الحاضر، فجعفر الذي تزوج في منتصف الثلاثينيات من عمره لكنه لم ينجب أبناء بعد؛ سيصحب كاميرا الفيلم إلى زاوية ضيقة في شرفة منزله الضخم، حيث يمكنه من هناك رؤية بنايات مخيم الدهيشة، ويكشف أنه يبدأ بهذا الطقس كل صباح، ويكون الأهم والأقرب له في يومه كله.

أما محمد -وهو أب لأربعة أطفال ولم يفارق المخيم ويعيش في بناء عشوائي فوق المنزل الذي وُلد فيه- فيوجه جهده لتعليم أبنائه، إذ إن "الوعي هو الوسيلة الأهم لمقاومة المحتل" كما يقول، في حين يتابع بقلق كبير ابنه الذي يشبهه عندما كان صغيراً، إذ أنه أهمل مدرسته وانضم لمجموعة من الصبيان في عمره، ويشارك دورياً في احتجاجات على جيش الاحتلال الإسرائيلي.

يحفل الفيلم بمشاهد عظيمة الألم، ينتقيها المخرج في ربع قرن من المآسي والانتظار الذي لا يأتي، مثل ذلك الذي يصوّر جدة جعفر المسنة التي ترافق محمد وجعفر في زيارتهما الأولى إلى قرية سفلى، تنتقل السيدة العجوز بين أطلال القرية التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، وتستدل على طريق بيت أهلها القديم رغم أنه لم يبق جدار واحد قائم في القرية.

سينظم الفيلم رحلة مشابهة بعد سنوات على الرحلة الأولى تلك، لكن ستأخذ هذه المرة أولاد جعفر، حيث تمنع السلطات الإسرائيلية منح تصاريح لغير الأطفال والمسنين من الفلسطينيين من دخول أراضي 1948، يتنقل أطفال جعفر بين الأطلال ذاتها التي صورها المخرج قبل ربع قرن، ويتبادلون القصص التي سمعوها من آبائهم وأجدادهم، ويبدو على وجوههم الغضب نفسه الذي كان يحمله آباؤهم، فيما يبدو بأنه دورة لا تتوقف من العذاب.

مسار حياة محمد يتغير عندما يبلغ الثلاثين من عمره، فينشغل بالعمل التجاري أكثر، ويفقد الثقة بأساليب مقاومة المحتل التقليدية.

تحمل الأفلام التسجيلية التي ترافق شخصياتها لفترات طويلة أو تعود لهم بعد سنوات من الانقطاع، حزنا مطمورا وتذكيرا بانقضاء الزمن، كما تأخذ هذه الأفلام عبر بنائها الذي يقوم على مشاهد من فترات زمنية مختلفة مسافة ما من الحدث الآني، وتدفع مشاهديها في المقابل للتأمل برويّة في أحوال الشخصيات والأماكن التي تهتم بها.

وهذا سيكون عليه حال فيلم "محمد وجعفر" الذي يفتح الجرح الفلسطيني الغائر عبر التركيز على القصص الذاتية الخاصة لشخصيتين تمثلان المأساة الفلسطينية بكل قسوتها وألمها، فهما أبناء وآباء وأمهات ولدوا في مخيمات اللجوء، وأجدادهم طردوا بعنف من مدنهم وقراهم، فالمخيم الذي ولدوا وتربوا فيه هو المكان العشوائي الضيق ذاته الذي لجأ إليه أجدادهم.

يوافق عرض الفيلم على التلفزيون الهولندي الرسمي الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، كما يوافق انطلاق الاحتجاجات العنيفة في مدينة غزة على الاحتلال الإسرائيلي، وهي الاحتجاجات التي خلفت عشرات الشهداء من الفلسطينيين.

 يضع الفيلم وجوها للأحداث العامة التي ينقلها التلفزيون منذ أعوام عديدة، ويذكّر بأثمانها الإنسانية المنسيّة التي تُطمر تحت ادعاءات تعقيد القضية الفلسطينية واليأس من حلها، كما يُبين الفيلم، وعبر الاهتمام بأبناء جعفر، بأن دورة الحياة ذاتها التي سحقت أجيالا من الفلسطينيين ما زالت تنتظر اليافعين منهم والمحاصرين مثل آبائهم وأمهاتهم في مخيمات اللجوء الفلسطينية الأبدية.

قد ينال إعجابكم