متابعات

ملك عاصم... نور "هذا المساء"

ياسر ثابت

دع عنك الجميلات والوسيمين ونجوم الإعلانات المستنزفة في دراما رمضان 2017.

فقط انتبِه إلى ملك عاصم في "هذا المساء".

ستتعثر بها مثل حلمٍ مؤجل، قرّر الوثوب إلى حاضرك.

بتلقائيتها المدهشة ونظراتها الحاشدة المهيمنة، المثقلة بالألم والندم، كسرتْ سخافة الصورة النمطية للطفلة في أعمالنا الدرامية.

بتلقائيتها المدهشة ونظراتها الحاشدة المهيمنة، المثقلة بالألم والندم، كسرتْ ملك سخافة الصورة النمطية للطفلة في أعمالنا الدرامية.

نظرات "نور" تُكمِل ما لا يقوله "سمير" و"أكرم" و"سوني" و"تريكة" و"عبلة" و"تقى" و"فياض" و"حامد" وتنقل ما يشعرون به.

ناضجةٌ في صورة صغيرة.. بوسعها أن تمنحك حلوى اليقين أو تحطم هويتَك الوحيدة الهشّة في مشهدٍ واحد أو لقطةٍ عابرة.

بينما كان على الآخرين أن يُظهِروا حماستهم العارمة، قررتْ "ملك" (مواليد عام 2005) أن تُمثل الحكمة المتأنية؛ إذ تفتحُ مظلتها فيسقط الجميع.. عداها.

 

 

حتى في لحظات الجزع والفزع، دارتْ بنا الدنيا، قبل أن تدور بها.

إنها الضحية البريئة.. تفكّر بصفاء مثل أصداف الفينوس، وتصطاد الأسئلة المنطقية، لتلاحقك بإلقاء متكسر بهدوء ورتابة، مثل خيبات أملٍ خفيفة متصاعدة النبرة.

 فإن كذبتَ عليها أو حاولتَ خداعها، تركتكَ مأخوذًا بنظرة لومٍ ولؤم، وانزوتْ في غرفتها كي تروّض جرحها المكتوم.

 

 

ابتسامتُها البريئة تُبدد كدرك.. وإن ضحكتْ، قال لك لسان حالها: لا تخطئ الظن، مازالت في عقلي دفاتر بيضاء وقصاصات ملونة.

وحين تقفز على درجات سلَّم بيت العائلة، تدعو الله ألا تزلق قدما هذه الروح العذبة الشبيهة بالذهب، والمنسابة في نقاء الملامح.

كيف تُبدِّل من ملامح وجهها؟ أي تدريبٍ خضعتْ له حتى تقنعنا بأنها لن تتعود على النسيان؟ كيف تصير نظراتها بحيرة هادئة وتلتمع جبهتها مثل حجرةٍ تشع بضوء القمر؟

 

 

الصغيرة التي تحسست خطاها في عالم التمثيل عام 2014 أمام عادل إمام من خلال مسلسل "صاحب السعادة"، قدمت شهادة اعتمادها سريعـًا، فتكرر ظهورها مع "الزعيم" في العام التالي في مسلسل "أستاذ ورئيس قسم"، وجسَّدت دور طفلة صغيرة يعثر عليها عادل إمام في ميدان التحرير بعد أن فقدت والدها في ثورة 25 يناير.

وفي مسلسل "حجر جهنم" جسَّدت دور "كرمة"، ابنة كندة علوش، قبل أن ترسخ قدميها في "هذا المسلسل" بطولة إياد نصار وحنان مطاوع وأروى جودة وأحمد ومحمد فراج، وإخراج تامر محسن.

وما بين هذا وذاك، ذاقت طعم خشبة المسرح، عبر المشاركة عام 2016 في عرض "علي بابا والأربعين حرامي" في "مسرح مصر".

ملك عاصم نسيج وحده.

ليست هي تلك الطفلة الشقية "فيروز" الصغيرة (1943-2016) التي عرفها الجميع باسم الطفلة المعجزة، التي امتلك كلمة السر في نجاحها الراحل أنور وجدي واختفى بريقها برحيله. فيروز ذاع صيتها في البداية قبل أن تنتهي الرحلة، مع فيلم "ياسمين" عام 1950، وقدمت "فيروز هانم" و"الحرمان" و"دهب" إلا أنها اعتزلت التمثيل بعد تسع سنوات من البداية وكان آخر أعمالها "بفكر في اللي ناسيني"، حيث لم تحقق النجاح الذي كانت تحققه رفقة أنور وجدي.

 

 

ولا هي هديل خير الله، التي قدمها عمرو دياب فيلم "العفاريت" ولم يعرفها الجمهور -وقتذاك- سوى باسمها في العمل "بلية". هديل رغم مشاركتها في بعض الأفلام عقب فيلم "العفاريت" فإنها اعتزلت الفن منذ أن كانت في الثالثة عشرة من عمرها، بعد مشاركتها مع عادل إمام وكذلك الراحلة وردة الجزائرية.

 

 

ولا يوجد مقارنة في الأداء بين ملك عاصم ومها عمار، التي اختارتها المخرجة ساندرا نشأت وهي في الرابعة من عمرها كي تقف أمام الكاميرا في السينما، لتصير وجهـًا مألوفـًا للجميع، بسبب حركاتها الطفولية التي قدمتها في أفلامها "ليه خلتني أحبك" و"حرامية في كي جي تو" و"السلم والثعبان".

وتختلف "ملك" عن نموذج الطفلة الأكثر "لماضة" كما عُرفت "إيناس عبدالله" (1957)، التي بدأ ظهورها في برنامج "سمسم وحتحت وأبلة إيناس" عندما اكتشفها المخرج أحمد عثمان، وحينما بلغت الخامسة من عمرها قدمها المخرج أحمد بدر الدين في برنامج "حدوتة قبل النوم" فكانت أول طفلة تحكي قصص قبل النوم على طريقة الكبار.

شاركت إيناس في مسلسل "كراملّة" أشهر مسلسل للأطفال، واشتهرت بنظارتها الطبية في العديد من الأفلام التي قدمتها، ومن أفلامها "أم العروسة"، "أغلى من حياتي"، "العقلاء الثلاثة"، "3 لصوص"، "هو والنساء"، و"للمتزوجين فقط".

"أربعة يا ماما أربعة" جملة الطفلة إكرام عزو (1951-2001) في فيلم "عائلة زيزي" للسندريلا "سعاد حسني"، وشاركت أيضًا في أفلام "السبع بنات"، و"امرأة في الدوامة"، "لا تذكريني"، "الفانوس السحري"، و"غدًا يوم آخر"، وهي الطفلة التي قامت بدور الطفل الرضيع ابن "شادية" في فيلم "المرأة المجهولة"، و فيلم "البنات والصيف" واشتهرت بخفة دم عالية، قبل أن تختفي سريعـًا.

الطفلة "ليزا" شاركت في العديد من الأعمال من أشهرها مسلسل "هند والدكتور نعمان" وقامت بدور "هند" في المسلسل، وشاركت أيضًا بفيلم "انتحار صاحب الشقة"، "الطيب أفندي"، "إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، "الزيارة الأخيرة"، وقامت بدور ابنة "عادل إمام" و"يسرا" في فيلم "كراكون في الشارع"، واقتصرت أدوارها في التمثيل كطفلة.

وهناك ريم أحمد (1990)، التي اكتشفها المخرج والممثل المسرحي محمد صبحي، التي مثلت لأول مرة في مسرحية "ماما أمريكا" باختيار من مكتشفها، ثم استعان بها وهي في الرابعة من عمرها لتؤدي دور ابنته "هدى".. الاسم الذي اشتهرت به حتى الآن في "يوميات ونيس" من الجزء الأول وحتى الجزء الثامن الذي عُرض في رمضان 2013.

 

 

والمقارنة ظالمة مع منة عرفة (1998) التي بدأت التمثيل للمرة الأولى من خلال مسلسل "السندريلا" مع المخرج سمير سيف في عام 2005، وشاركت بعدها في العديد من الأعمال السينمائية الكوميدية، منها: "مطب صناعي"، "حلم العمر"، "البيه رومانسي"، "آخر كلام" و"جيران السعد"، كما شاركت في جميع مواسم سيتكوم "راجل وست ستات".

 

 

غير أن الطفلة الصاعدة ملك جاءت في توقيتٍ مناسب، لتعيد رسم خارطة الأطفال في الدراما المصرية والعربية، بأداء رصين، خال من نموذج الكوميديا المتعارف عليه أو المبالغة في تصوير "شقاوة" الصغار، ومقالبهم الطريفة.

أتت "نور" لتقول لنا إنها نوعٌ مختلف في مسار الدراما العربية على المستوى العمري، وإنها تتقن أدواتها رغم حداثة سنها، وإنها واعدةٌ بالكثير، إن تم صقل الموهبة وحمايتها من أي تقلبات أو متغيرات قد تدفع بها بعيدًا عن الوقوف أمام الكاميرا.

ومثلما أعاد تامر محسن اكتشافها في "هذا المساء" فأهدانا هذا المثال اللافت للانتباه، فإن هذه النبتة قابلة لمزيد من النمو والازدهار، إن أحسن المحيطون بها رعاية موهبتها.

ملك عاصم.. ابنة قلوبنا المغلقة، التي تنفخ في ناي الموهبة.

ملك عاصم.. كل حروف النداء.

ملك عاصم.. دربٌ مؤسس للأمل!

قد ينال إعجابكم