متابعات

"من السماء" يختزل الحالة اللبنانية

بيروت- الجزيرة الوثائقية

شهد فيلم "من السماء" لوسام شرف إقبالا لافتا عندما عرض أخيرا في بيروت، إذ بدا أن الجمهور السينمائي كان في انتظاره نظرا لما يلامس مشاعره، وأحاسيسه المتوارثة من تداعيات الحرب الأهلية التي يؤرخ لها بين عامي ١٩٧٥ و١٩٧٦، لكنها في الحقيقة، بدأت قبل ذلك بكثير، ولما تنته فصولا، ولربما صح القول أن لبنان هو بلد قائم على الحرب الأهلية الدائمة منذ نشأته كيانا على قياس صانعه الاستعمار الفرنسي، يعيش التوترات، والسلام معا، وفي كثير من الأحيان، في اللحظة عينها.

منذ ذلك الحين، يعيش لبنان حالات الصراعات الدائمة، ويأتي فيلم "من السماء" (Heaven Sent) ليختصر الحالة اللبنانية، بما هي حالة تمزج الفرح بالحزن، والارتياح بالألم، والحرب الدائمة بالسلام. حالة من الإدمان قلما اختبرها بلد آخر في العالم، واعتادها أناسه، فلم يعودوا يقوون على مغادرتها، رغم معرفتهم بصعابها. ربما لن يجدوا راحة، وهدوء بال، بسلام دائم، كما بقية بلدان العالم، ولا بفرح دائم، وباتوا يحتاجون بين الفينة والأخرى لجرعة من التوتر، والحزن، وشد الأعصاب، وبين النزعتين السالبة والموجبة، دينامية لا غنى عنها استندوا عليها لملء فراغهم.

بدا أن الجمهور السينمائي كان في انتظار الفيلم نظرا لما يلامس مشاعره، وأحاسيسه المتوارثة من تداعيات الحرب الأهلية

الفيلم يحكي قصة سمير، مقاتل في ميليشيا سابقا، وبعد غياب 20 عاما، اعتقد أثناءها أنه مات، يعود إلى حياة عُمر أخيه الصغير الذي يعمل كحارس شخصي في بيروت، ووسط أحداث درامية وكوميدية، يواجه سمير تغيرات جذرية في بلد لم يعد يتذكره، وإن كان من حقيقة، فهي أن البلد في حركة متغيرة كامنة بصورة دائمة، لا يوم فيها يشبه الآخر، وكأنه خصص لعدد من الناس الذين يتمتعون بالتوتر، والحراك، والتحول دون هوادة ولا توقف.

مخرج الفيلم وسام شرف، وهو فرنسي، لبناني الأصل، انتقل إلى باريس في عام ١٩٩٨، خلال نهايات الحرب الأهلية اللبنانية عمل في إذاعة قرصنة، ثم عمل كمصور إخباري، ومونتير لصالح قناة ARTE الفرنسية، وغطى نقاط الصراعات الرئيسية في العالم، من لبنان والشرق الأدنى إلى دارفور، فأفغانستان، وكوريا الشمالية. وبالتزامن مع ذلك عمل أيضاً كمساعد مخرج مع المخرج الفرنسي هنري جان ديبو في عدد من الكليبات الغنائية.

في مقابلة معه، تناول فيها حيثيات فيلمه، وخلفيات فكرته، واستخدامه للخيال والخرافة، وتقنياته الخاصة، يتحدث شرف لـ”الجزيرة الوثائقية”، وبدءا، مما درج عليه أبناء الجيل الجديد، الحرب الأهلية اللبنانية، وتأثيرها عليهم: "الحرب الأهلية شكلت حياة أبناء جيلي، وقد ولدت ١٩٧٣، والحرب انفجرت ١٩٧٥. والقتال ترك أثرا عميقا لا يمحى، على طفولتي، واليوم من الطبيعي أن أرى أن ذلك الصراع، الذي أدى إلى مقتل أكثر من ٢٠٠ ألف شخص، يطغى على أعمال أبناء جيلي”.

فيلم "من السماء" (Heaven Sent) يختصر الحالة اللبنانية، بما هي حالة تمزج الفرح بالحزن، والارتياح بالألم، والحرب الدائمة بالسلام.

يتناول الفيلم إرث الحرب بطريقة غير تقليدية مستخدما الأسطورة والخيال، ويقول شرف: "الحرب، التي باتت من الماضي، هي عنصر كامن بطريقة غير مقصودة، في الوقت الحاضر من الواقع اللبناني. والحرب كامنة عميقا في النفوس. ولكن هذه المشاعر لا يمكن الاحتفاظ بها في داخل الناس للأبد، وهذا ما يفسر لماذا تعود الحرب للظهور بين فترة وفترة على شكل انفجارات عنف”.

"في لحظات الهدوء، يشعر المرء كأنه يرقص على حافة البركان"، يقول شرف مردفا: "يأخذنا الفيلم إلى هذا الحيز "البركاني" من الواقع اللبناني”.

ويتابع: "بيروت منطقة غير ثابتة، ومدينة تشبه بعض الأحيان ملجأ عقليا مفتوحا على الهواء الطلق. وهي أشبه بفتاة جميلة، لكن مع بعض من الجنون، وأنت ترغب بحبها، لكنك خائف من أن تنهض ذات صباح وتراها قامت بعمل فيه شيء من الجنون. بلد جميل، تائه، يعيش في الفوضى، متعدد الأقطاب، مجتمع مضطرب عرضة لكل أنواع التطرف. أشخاص كعمر يحلمون ببندقية، أو كرامي يغمر أحزانه بالكحول، ويحلم بالمغادرة. إنه عالم فاقد للبوصلة والاتجاه. لكن لكل ذلك الضياع أسبابه”.

يعود شرف بالأسباب إلى النقطة المحورية عينها، الحرب الأهلية: "بالنسبة لي، السبب هو أن مجتمعنا متلوث بعمق بالحرب الأهلية. ونحن لم نبحث في آثار الجروح التي خلفتها الحرب الأهلية، ولم نقارب ماضينا، وكل ما قمنا به هو محاولة النسيان”.

بلد جميل، تائه، يعيش في الفوضى، متعدد الأقطاب، مجتمع مضطرب عرضة لكل أنواع التطرف.

الأخوان يتصرفان بطريقة متباينة في سياق إرث الحرب، سمير، سجين ماضيه، يصل في الحاضر حاملا شيئا من الجشع. لم يعد قادرا على صنع حياة لنفسه في الحاضر الذي يرفضه. وبنهاية الفيلم، يغادر المشهد بالخروج من "حقل الرؤية" (field of vision). تماما كما دخل إلى المشهد بالدخول في حقل الرؤية. يمشي، يسقط، يقفز، يسبح، مترنحا دائما، غير مبال.

من جهة ثانية، عمر هو في دائرة المشهد، عندما يظهر أول مرة في الفيلم. وهو هناك، مأسور بروتين يومه وإرثه. جسمه، شعره، بنيته، هدوؤه، وانفجاراته العنيفة، تجعل الشخصية حقيقية، ومأسورة في الحاضر، لكنه هو أيضا أسير ماضيه.

يحاول بصعوبة، أن يكون الحياة التي "كان من الممكن معايشتها في فضاء وزمان تخيليين، لو أنه ولد منذ بضع سنوات، ولو كان أكثر ثقة بالنفس، أو أن يكون قد أرخى سلاحه من جديد”، بنظر شرف الذي يتابع شروح انطباعات فيلمه: "هو يبقي مشاعره مدفونة في داخله، ويبدو مستسلما لذلك.

يجمع الفيلم الكوميديا الهزلية، بالحنين في فيلم واحد، ويعلق شرف على ذلك ويقول: "إنه فيلم بمزاجين، ويتأرجح على خط بين عاطفتين متقاطعتين: الضحك والحزن، حيث واحد مرتبط دائما بالآخر”.

سمير، سجين ماضيه، يصل في الحاضر حاملا شيئا من الجشع. لم يعد قادرا على صنع حياة لنفسه في الحاضر الذي يرفضه

الفيلم يعالج تفاصيل غير مهمة لكن مذهلة تشبه اليأس الأسود، لكن دائما بطريقة كوميدية ساخرة، متجنبا الدراما الاجتماعية: "عندما كنا في الإخراج، كان علينا أن نضبط الوقعين”.

ويلفت شرف إلى أنه جرى نقاش كل نسخة من الاخراج لكي يتم الانتهاء بقوة نكهة تمازج بين الكوميدي الهزلي والأسى، وذلك بمشاركة المونتير وليم لابوريي، والمصور مارتن ريت، وكاتبة السيناريو المشتركة مارييت ديزير.

وردا على سؤال عن الفيلم كفيلم أشباح، وأن فكرته كلاسيكية، قال شرف: "إنها مماحكة تهكمية ساخرة، من الصنف الذي يستخدم الشبح كمظهر رئيسي. وبطريقة ما، فإن كل الشخصيات في الفيلم هي أشباح، تقود إلى وجود سخيف تافه مضحك. وهي جزئيا كوميدية، ولكن في نفس الوقت، وجزئيا، مزعجة، لا يمكن التنبؤ بها”.

عن طريقة توجيه أشخاصه، يقول: "أختار الممثلين بحسب الانطباع الذي أتلقاه منهم. وليس عليهم أن يقوموا بالكثير. فبالنسبة لرائد ياسين،  الذي يمثل دور عمر، على سبيل المثال، إنه جسده السمين، ذو الأصل الشرقي، جسم مشعر، كثير التعرق، ويفتل دون تحريك رأسه. وهذا بالحقيقة مؤثر. وهو عنده تلاميح طفولية بعينيه، وهو فريد وقد مثل في كل أفلامي القصيرة”.

إنه فيلم بمزاجين، ويتأرجح على خط بين عاطفتين متقاطعتين: الضحك والحزن، حيث واحد مرتبط دائما بالآخر

شرف يفضل عفوية التمثيل، ويقول: "أطلب من الممثلين أن يمثلوا قليلا، وأن يكونوا طبيعيين، وأن لا يعيقوا أنفسهم بالعواطف والأسئلة السيكولوجية، وأن يتكلموا كأنهم بحياتهم العادية، من دون أية إضافات، فهناك تكمن قوتهم".

وختم: "هكذا أعطيتهم شيئا للبدء به، لأن الممثلين اللبنانيين "يمثلون" كثيرا، لكن في النهاية، كلهم تقبلوا التغيير”.

كمخرج، يملك شرف قائمة أعمال مكونة من 4 أفلام قصيرة هي: "هز يا وز"، و"البطل لا يموت أبدا"، و"جيش النمل"، و"فيما بعد"، وفيلمه الوثائقي الطويل "كل هذا وبعد" الحائز على جائزة التانيت البرونزي في مهرجان أيام قرطاج السينمائية.

شاركت أفلامه في العديد من المهرجانات الدولية: منها مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، ومهرجان بيلفور انترفيو السينمائي، ومهرجان كليرمونت فيراند الدولي للأفلام القصيرة، ومهرجان روتردام السينمائي الدولي، ومهرجان دبي السينمائي الدولي، وغيرها.

فيلم "من السماء" هو من أحدث أعماله، جرى عرضه العالمي الأول في قسم جمعية الافلام المستقلة للتوزيع (ACID) بمهرجان كان السينمائي الدولي.  مجتمعنا متلوث بعمق بالحرب الأهلية. ونحن لم نبحث في آثار الجروح التي خلفتها الحرب الأهلية، ولم نقارب ماضينا

قد ينال إعجابكم