متابعات

مهرجان تطوان المتوسطي.. احتفاء بالوثائقيات والسينما الفلسطينية

المصطفى الصوفي

ومن مميزات هذه التظاهرة السينمائية أنها تمنح للفيلم الوثائقي فسحة كبيرة، وذلك من خلال تخصيص مسابقة رسمية لها

في وسط المدينة وضع الفنان التشكيلي المغربي محمد بن يسف (المقيم بين إسبانيا والمغرب) مجسما فنيا يرمز لحمامة بيضاء، الحمامة تطير في سماء الزاوية الشمالية من البلاد، تنثر بخفتها وجمالها ريش السلام، فيتهاوى في الفضاء بشكل موحٍ للغاية، يلتقطه الصغار فرحين وهم يركضون هنا وهناك.

هكذا وجد العديد من المخرجين الهواة من داخل المغرب وخارجها -خاصة من إسبانيا- حمامة مدينة تطوان اللوحة التشكيلية الخلابة لجعل السينما -مهما كانت بمشاهدها القصيرة- صورة معبرة وأكثر إيحاء ودلالة رامزة لقيم السلم والسلام والمحبة والتعايش بين مختلف الشعوب والثقافات والأديان.

مدينة تطوان الشهيرة باسم الحمامة البيضاء شهدت ختام أشهر مهرجان سينمائي في منطقة الشمال

تجارب سينمائية على ضفتي المتوسط

مدينة تطوان والمدن والضواحي المجاورة كالمضيف ومرتيل وكابو نيكرو وكاستيخو والفنيدق، ومن تلك الضفاءات إلى مدينة سبتة المحتلة؛ الأرض المغربية التي لا تزال إسبانيا تحتلها، حيث تشكل فضاءات ساحرة للغاية بطبيعتها الجميلة، ما حدا بالعديد من المخرجين إلى اختيار العديد من المناطق المحادية لتطوان فضاءات رائعة لتصوير أعمالهم السينمائية، ومنها فيلم "سليمان" لمخرجه محمد البدوي المقيم بإسبانيا، وهو فيلم يتكلم بالصورة، تلك الصورة التي تبهر العين باختيارها زوايا طبيعية خلابة في ضواحي مدينة الحسيمة. لكن تلك الصور مهما كانت جميلة فإنها تجرح بمشاهد تحكي عن صياد على حافة الجنون، وأب غير مكثرت بعائلته، وأطفال يعانون، وأم تصارع قساوة الحياة، وإسبانية تدخل بيت الزوجية فتخرّب كل شيء.

مدينة تطوان الشهيرة باسم الحمامة البيضاء شهدت ختام أشهر مهرجان سينمائي في منطقة الشمال، ويتعلق الأمر بمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط في نسخته الـ25، والذي استضاف مختلف التجارب السينمائية المطلة على ضفتي المتوسطي الجنوبية والشمالية، مما جعله فضاء تتلاقح فيه السينما العربية والأوروبية، وتتعايش بشكل ممتع وجميل.

ومن مميزات هذه التظاهرة السينمائية التي حضرتها السينما الفلسطينية كضيف شرف، مع تكريمها في احتفالية خاصة؛ أنها تمنح للفيلم الوثائقي فسحة كبيرة، وذلك من خلال تخصيص مسابقة رسمية لها، وتشرف عليها لجنة تحكيم متخصصة.

وفي ختام الدورة التي شهدت العديد من الفقرات الخصبة من ندوات ولقاءات مفتوحة مع المخرجين والممثلين وضيوف المهرجان، وأنشطة موازية تُقرّب الفيلم في منطقة البحر الأبيض المتوسط للجمهور المغربي والإسباني؛ تم الإعلان عن جوائز هذه الدورة التي استمرت من 23 حتى 30 مارس/آذار الماضي.

 

"تأتون من بعيد".. ذهبية الفيلم الوثائقي

وأولت الدورة للفيلم الوثائقي أهمية خاصة عبر تخصيص مسابقة رسمية شارك فيها 11 فيلما وثائقيا، وهي: "انحراف المسا" للمخرج كاستنييراس غاييغو إيفان، و"صمت الآخرين" لألمودينا كاراسيدو وروبير بهارمن من إسبانيا، و"الدبابة وشجرة الزيتون.. قصة أخرى لفلسطين" لرولاند نورييرمن فرنسا، و"القربان" و"تضحيات كبرى" للمخرج إياد الجرود من سوريا، و"إسلام طفولتي" لنادية الزواوي من الجزائر، و"تأتون من بعيد" لأمل رمسيس من مصر، فضلا عن "فوسطوك 20" لسيلفيرو إيليزابيت من فرنسا، و"لن نبيع مستقبلنا" لنيكي فيليساروبولو من كرواتيا، و"بعيدا نمضي" لحمامي علاء الدين ومحمد جبيهي من تونس، و"بمشي وبعد" لشقير سنتيا من لبنان.

أجمعت لجنة تحكيم مسابقة الفيلم الوثائقي على تتويج فيلم "تأتون من بعيد" لمخرجته أمل رمسيس من مصر بالجائزة الذهبية، وهي الجائزة الكبرى.

كما فاز في المسابقة نفسها فيلم "فوسطوك 20" للمخرج الفرنسي سالفيرو إليزابيت بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وفيلم "انحراف مسار" للمخرجة الإسبانية كاستنيرا غيغو إيفان بجائزة العمل الأمل.

ويترأس لجنة التحكيم المخرج الجزائري مالك بن إسماعيل المُتوج مؤخرا بجائزة "فيلا كوجوياما" اليابانية، وتضم اللجنة في عضويتها كلا من الناقد المغربي مولاي إدريس الجعايدي، والمخرج التونسي خالد غوربال، والمنتجة الفلسطينية رفيا حسين عريدي، والسينمائية الفرنسية ريبيكا دي باس.

 

"إدمان الأمل".. ثلاث جوائز

أما على مستوى مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، فقد حصل الفيلم الإيطالي "إدمان الأمل" للمخرج إدواردو دو أنجوليس بثلاث جوائز قيمة، أرفعها الجائزة الكبرى التي تحمل اسم جائزة "تمودا"، وهو نفس الفيلم الذي حاز أيضا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالنقد والتي تحمل اسم الناقد المغربي الراحل مصطفى المسناوي، فضلا عن جائزة أفضل دور نسائي، وذلك لتألق الممثلة الإيطالية بيينا تروك بشكل لافت في هذا الفيلم الذي توقع الجمهور تتويجه، وذلك لما قدمه من فرجة سينمائية تعتمد على القيم الإنسانية والمجتمعية، وتنتصر لروح التضحية والحب والجمال والحياة والأمل.

وقد ترأس هذه المسابقة السينمائي والموسيقي الإيطالي روبرتو جياكومو بشيوتاو، وهو المخرج الذي أنجز خلال مسيرته الفنية أكثر من 150 فيلما سينمائيا، كما حاز على العديد من الجوائز منها جائزة الأوسكار، وجائزة دافيد دي دوناتيلو، وجائزة ناسترو الفضية والسعفة الذهبية، وجائزة برفيست لأفضل موسيقى تصويرية، وجائزة أفضل موسيقى تصويرية في مهرجان البندقية، فضلا عن جائزة سياك الذهبية مرتين.

كما تضم اللجنة في عضويتها المنتجة والمخرجة الإيفوارية سوزان كوامي، والمخرج والمنتج المغربي جمال السويسي، والممثلة والمخرجة الفرنسية ميريام ميزييرس، والمخرجة التركية بيلين إيسمر.

حضرت السينما الفلسطينية ضيف شرف الدورة، حيث تم تكريم عدد من أسمائها وأعلامها، وعرض فيلم "مفك" لبسام الحرباوي

السينما الفلسطينية.. ضيف شرف

ومن أبرز لحظات الدورة التي افتتحها وزير الثقافة والاتصال المغربي محمد الأعرج، حضور السينما الفلسطينية ضيف شرف الدورة، حيث تم بالمناسبة تكريم عدد من أسمائها وأعلامها، وعرض أفلام جديدة منها فيلم "مفك" لبسام الحرباوي، و"فيلا توما" لسهى عارف، و"عمواس" لديمة أبو غوش، و"رحلة في الرحيل" لهند الشوفاني، و"والسامورة" لسامي عرور، و"قوت الحمام" لبهاء أبو شنب.

وضمت الدورة أيضا بانوراما استعادية تعيد الجمهور إلى البدايات الأولى للسينما الفلسطينية، وذلك بعرض العديد من الأعمال منها "ذكريات نار"، و"النداء الملح" لإسماعيل علي، و"زهرة المدائن" لعلي صيام، و"فلسطين في العين" لمصطفى أبو علي، وغيرها من الأفلام التي شكلت حقبة جميلة في تاريخ السينما المقدسية، وهي أفلام تتناول في معظمها القضية الفلسطينية والدفاع المستميت من أجل التحرر والانعتاق من الاحتلال الغاشم.

تألقت السينما الفلسطينية بفوزها بجائزة أفضل دور رجالي، والتي حصل عليها الممثل زياد بكري لأدائه القوي والكبير في فيلم "مفك"

"مفك".. تتويج بجائزتين

وتكريما للسينما الفلسطينية في هذه الدورة؛ أبدت هذه التجربة السينمائية العربية والمتوسطية نبوغا واعيا ضمن 12 مشاركة دولية اختلفت حسب الاتجاهات والرؤى والأحلام والمواضيع، لكنها تلتقي بنسق واحد يمجّد روح الإبداع والسينما كشكل من أشكال التعبير الفني الحر والممتع، وذلك للبحث عن حلول لهذا العالم والمجتمع، حفاظا على كينونة الإنسان بعيدا عن الصراعات وويلات السياسة وتبعاتها.

وقد تألقت السينما الفلسطينية بفوزها بجائزتين مهمتين؛ الأولى جائزة تحمل اسم "عز الدين مدور"، والتي نالها فيلم "مفك" لمخرجه بسام جرباوي، أما الثانية فهي جائزة أفضل دور رجالي، والتي حصل عليها الممثل زياد بكري لأدائه القوي والكبير في الفيلم نفسه.

ندوات وفعاليات

وضمن نفس المسابقة عادت جائزة لجنة التحكيم الخاصة لـ"سبيل"، وهو فيلم من إنتاج مشترك فرنسي وتركي لمخرجيه كيوم دجوفاني وشاكلا زنجيرسي. كما نوّهت اللجنة بالفيلم الإسباني "دون نهاية" للمخرجين إستيان إليندا وسيزار خوسيه، وبالممثلة صوفيا كعاشة عن دورها البارز في فيلم "الميمات الثلاث" للمخرج سعد شرايبي.

وشهدت الدورة العديد من الأنشطة، أبرزها ندوة حول السينما المتوسطية بصيغة المؤنث، ومنتدى خاص حول السنيفيليا في الفضاء المتوسطي، وكذلك ندوة حول السينما الفلسطينية في مختلف أحوالها، فضلا عن محاضرات ولقاءات فنية أبرزها محاضرة الناقد الفرنسي إيف كومان عن تصنيف الأعمال السينمائية في فرنسا، ولقاء الممثلة نيلي كريم التي كُرّمت خلال الدورة إلى جانب المخرج الإسباني لويس منيارو والممثل المغربي المثير للجدل محمد الشوبي.

قد ينال إعجابكم