متابعات

مهرجان كلكوتا السينمائي الدولي

 
ندى الأزهري - كلكوتا
 
سألتني جارتي عمن أكون ونحن في قاعة سينما كبيرة في  مدينة كلكوتا... كانت القاعة قد امتلأت بطابقيها الأرضي والأول ولكن توافد الناس لم ينقطع وبدأ الناس يجلسون أرضا... تابعتْ" أتعرفين ساتيا جيت راي؟ ثم" لا، أليس كذلك؟". 
استنكرتُ فكيف لي ألا أعرف هذا المخرج الهندي الكبير ابن هذه المدينة! عندها استدارت مشيرة إلى سيدة بجانبها وقالت مبتسمة "هي مثّلت في أفلامه إنها بطلة فيلمه " شارولاتا"! يالها من مفاجأة حقا، ويالها من صدفة في مهرجان كلكوتا السينمائي الدولي الثاني والعشرين. كيف كان لي أن اتعرف عليها في هذ العمر (مواليد 1942)؟ وقد كانت في الفيلم الشهير في الثانية والعشرين؟
استعدت فورا هذا الوجه الجميل المعبر في "شارولاتا" والذي لازلت أذكره على الرغم من مرور سنوات طويلة على مشاهدتي لرائعة المخرج الهندي العظيم تلك. النجمة مدهابي مخرجي كانت ضمن حضور فيلم " الطُعم" لمخرج بنغالي متميز هو الآخر بوداديب داسقبطا.
 
هذا ما يثير العجب والإعجاب في هذه المدينة التي أطلقوا عليها "مدينة الفرح". في كلكوتا حيث يختلط الجمهور بالنجوم وحيث "السينما للكل والكل للسينما" كما يعبر شعار المهرجان لهذا العام. العوائق وكل أشكال الحواجز الاجتماعية تزول هنا في سبيل السينما أو هذا على الأقل ما يسعى إليه المهرجان. الجماهير تحتشد حقا، تجتمع في مكان كالمنتزه به عدة صالات سينمائية، فتلفُّ من واحدة لأخرى لمشاهدة كل الأفلام ليس فقط تلك الآتية من كل أنحاء العالم بل سينماها المحلية كذلك القادمة من كل مناطق الهند ما عدا البوليوودية. بالطبع تلك ليست بحاجة لمهرجان فكل القاعات مفتوحة لها كل العام!
 
نجوم التلفزيون هم هنا كذلك لملاقاة الحضور. الجمهور مدهش، الصفوف طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة أحيانا، لكن لا يهم فالمظلات تفتح عندها أو تغطى الرؤوس بوشاح احتماءا، ما أن تفتح القاعة أبوابها حتى يهرولون ساعين لإيجاد مقعد خال. المهرجان سبق ومنع الجلوس أرضا وسدّ منافذ الخروج، إنما أمام بعض الأفلام يقفز عاجزا أمام رغبة الكثيرين، قد يسمح لهم بالوقوف في زاوية ما شرط عدم سد المخرج. إنه جمهور حيوي، يُعلّق ويتفاعل ويضحك ويبكي ولا يتوانى عن إبداء رأيه الصريح بالفيلم فإن لم يعجبه لايصفق حقا بهدف المجاملة حتى لو كان صانع الفيلم حاضرا. إنه جمهور ولاية البنغال الغربي وعاصمتها كلكوتا المشهور بثقافته وفضوله للمعرفة.
 
جمهور يحب نجوم بوليوود أيضا، وإن كانت تلك السينما غائبة عن العرض في المهرجان فإن نجومها حضروا لحفل الافتتاح، كأنهم هنا واصلة ربط بين السينما الشعبية وتلك الأقل شعبية. وكي يتهيأ لجمهور المدينة رؤية هؤلاء وجها لوجه أجري الحفل في ملعب رياضي! وأي مكان غير هذا يمكن له أن يتسع لجمهور غفير عاشق للسينما؟ الهدير الذي يُسمع عند ادخال هدف ما في مباراة ما، كان هنا عند ظهور شاه رو خان. جنت الجماهير لرؤيته وهو يأتي وهو يغادر وهو يخطب فيها... الصرخات المدويّة والتحيات، وإن بنسبة أخف بعض الشيء، كانت أيضا للنجم أميتاب باتشان الذي دعي هو الآخر للحفل وخطب عن "دور المرأة في السينما الهندية، لكن شاه رو خان هو "الملك" اليوم !
 
لقطة من الفيلم الإيراني الفائز "وقت آخر"
 
الفائزة إيرانية
أما السينما التي حضر الجميع لرؤيتها فلم تخيب الآمال. فمن بين 155 فيلما لابد أن تجد ثلاثة أو أربعة يوميا مما سيحوز على إعجابك في كافة الأقسام خلال مدة المهرجان( من 11 إلى 18 نوفمبر). في المسابقة الرئيسية لسينما المرأة  كان هناك خمسة عشر فيلما ومخرجات معظمهن جديدات منهن اللبنانية الفرنسية جيهان شعيب وفيلمها" روحي"، و العراقية الألمانية سولين يوسف" بيت بلا سقف"، ثمة أيضا مخرجات من الهند والصين واستونيا وألمانيا وكرواتيا وصربيا وأميركا... لكن الفائزة بجائزة أفضل فيلم، والتي تتجاوز قيمتها الثمانين ألف دولار، كانت الإيرانية ناهد حسن زاده عن "وقت آخر" Another Time. الفيلم عن كفاح رب عائلة في قرية جبلية نائية للحصول على لقمة العيش وعن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها لاسيما بعد حمل ابنته من علاقة غير شرعية. الفيلم الأول لهذه المخرجة الموهوبة (1974) يكشف خاصة عما تعانيه المرأة في إيران في ظل تشريعات ومحيط بيئي تقليدي وقاس.
 
أما أفضل مخرجة فكانت الصينية ياو تينغ تينغ عن "البارحة مرة أخرى" Yesterday once again وهو فيلم عاطفي عن ذكريات المراهقة في ثانوية في الصين، فيلم أعادتنا أجوائه وردود أفعال شخصياته في الكثير من الأحيان إلى المبالغات العاطفية الهوليوودية.
وكانت مسابقة جديدة أدخلت للمهرجان هذا العام لتشجيع الأفكار والمفاهيم الجديدة التي تحدث تغييرات رائدة في عالم السينما وفاز بجائزتها المالية كذلك Glory للبلغارية كريستينا غروزيفا وبيتر فالشانوف كأفضل فيلم  وهو عن عامل فقير يجد مبلغا ضخما من المال ويقرر إعادته وهنا تبدأ المغامرات! كما فاز التركي كيفنس سيزر عن أفضل إخراج لفيلم "أجنحة أبي" My Father’s Wings الذي يلف المهرجانات حاليا.
 
وفي مسابقة نتباك Net work for the Promotion of Asian Cinema للسينما الآسيوية شارك الفيلم السعودي "بركة يقابل بركة" لمحمود صباغ وهو عن ناس تطارد حلمها رغم استحالته وعن الأيام التي هي يوما حلوة ودهورا مُرّة،  وأيضا الفيلم العراقي الكردي "مملكة النمل" لعدنان عثمان عن قضية اجتماعية تتمثل باغتصاب فتاة كردية من قبل داعش والنتائج الاجتماعية والنفسية لحمل الفتيات المخطوفات بعد عودتهن. الفيلمان ما زالا في الخطوات الأولى وعثراتها لاسيما لجهة السيناريو دون إهمال نواح إيجابية كالابتكار وأداء البطل في الفيلم السعودي ومواقع التصوير والفكرة في العراقي.
 
وكان الفيلم الماليزي الفليبيني" الغناء في المقبرة" لبرادلي ليو عن حياة مغني روك أميركي فليبيني جوي سميث أو بيبي سميث هو الفائز بهذه الجائزة وهو فيلم غريب ومبتكر يصعب الانغماس فيه في البدء لما فيه من تهيؤات وتخيل لكنه ما يلبث أن يشدك بأسلوبه الجديد وبشخصية البطل (بيبي سميث) وأدائه الرائع.
 
هجرة ومهاجرون
 
انعكست الهجرة واللجوء والمنفى أزمات العالم المعاصر في عديد من الأفلام لاسيما في قسم "أفلام من العالم". الهجرة إلى الإمارات كانت موضوع فيلمين مميزين"مرة أخرى" الفيلم الجديد للمخرج الهندي الكبير آدور غوبالا كريشنان عن هجرة المزراعين من جنوب الهند إلى الإمارات، و "اللامسمى" The Unnamaed لتوقير أحمد  من بنغلادش وهو قصة جد مؤثرة عن موت مهاجرين دون أسماء وعودة أجسادهم لذويهم. أما الفيلم التايواني المميز "الطريق إلى ماندلي" لميدي زد فهو عن مآسي الهجرة غير الشرعية من بورما إلى بانكوك. و "سوي نيرو" للإيراني البريطاني رفيع بيتز عن الهجرة غير الشرعية من المكسيك للولايات المتحدة. وكان "الريح السوداء" للعراقي الكردي حسين حسن عن معاناة أسرة كردية في مخيمات للاجئين في دهوك بعد حمل ابنتها من مغتصب داعشي.
 
وشاركت في هذا القسم أفلام من 33 بلدا منها مصر "قبل زحمة الصيف" للراحل محمد خان، و"اشتباك" لمحمد دياب، وفلسطين "3000 ليلة" لمي مصري، و الأردن "المنعطف" لرفيق عساف.
 
 
 

قد ينال إعجابكم