متابعات

نحبك "هادي".. ما أحلى الحرية؟

ندى الأزهري

كان لقاؤه بـ"ريم" الشرارة التي أشعلت حياته.. شرارة سرعان ما خمد وهجها كنسمات الحرية بعد الربيع العربي.

في هذا القول شيء من التسرع ربما، فنهاية الفيلم تحتمل قراءات عدة أو قراءتين على الأقل. يدهشنا" نحبك هادي" الفيلم الروائي الأول للتونسي محمد بن عطية حين مشاهدته بسلاسته الممتعة وعمق طرحه بالرغم من التقشف في حواراته، الفيلم أعاد السينما التونسية للشاشات العالمية حين نافس خمسة عشر فيلما في المسابقة الرسمية في مهرجان برلين الأخير، أيضا وفي المهرجان نفسه نال مخرجه جائزة العمل الأول وبطله " مجد مستورة" جائزة الدب الفضي لأفضل ممثل. 

الممثل التونسي مجيد مستوره في صورة فوتوغرافية بعد حصد الجائزة / غيتي

تدور أحداث الفيلم عقب الثورة التي أطاحت بالرئيس بن علي في تونس، إنما ليست الثورة تحديدا هدف الفيلم إذ لا إشارة لها إلا في مشهد وحيد، الهدف هو هذه الشخصية التي اسمها " هادي"، هذا الإنسان الشديد التحفظ، الخجول بل المنطوي على نفسه، اسم على مسمى فردود فعل هادي في النصف الأول من الفيلم لاتتجاوز ابتسامة مرتبكة ونظرة مختصرة وكلمة أو كلمتين مع احمرار في الوجه.. الكلام والتواصل مع الآخرين ليسا من صفاته حتى مع خطيبته الشابة الجميلة. ولذلك حين يلتقي بالصدفة بفتاة أخرى"ريم"، تنقلب شخصيته.

هو صغير العائلة، المستسلم لسيطرة أمه المتحكمة بكل تفاصيل حياته، لرب عمله الذي يستغل ضعفه، لعادات مجتمعه.. كل شيء في حياته مخطط له من قبل الآخرين، ولايعترض، ينفّذ إنما بهذه اللامبالاة التي تُراكم في الأعماق كبتا وغيظا. ينفّس هادي عن نفسه أحيانا من الضغوط اليومية التي تُمارس عليه بالرسم ويحلم بجمع رسوماته في كتاب، "يحلم"! ولكن "هذا ليس بحلم إنه مشروع" ويجب العمل لتنفيذه، تعلق ريم في إحدى لقاءاتهما المرحة، هذا هو الفرق بين شخصيته وشخصيتها.

وقوع بطل الفيلم هادي في غرام ريم جعله يتمرد على والدته المتسلطة / لقطة من الفيلم

ما أحلى الحرية؟!

ريم أيقظت أحاسيسه النائمة، هي نقيضه، تعيش كما يحلو لها، متحررة تعمل كراقصة استعراضية في الفنادق السياحية، لقد حلّت كدافع لايُرد للانطلاق واكتشاف البطل للحرية المطلقة وتذوقها بلهفة ليس على الصعيد العاطفي فحسب بل على كافة الأصعدة الاجتماعية والشخصية والعملية. أحسن المخرج هنا إبداء التطور التدريجي الذي لحق بشخصية هادي، فجاء منطقيا وغير مفاجئ، متسلسلا في أسلوب حميمي لايخلو من طرافة وخفة. لكنه لم يكتف بالاشتغال بعمق على الشخصيات الرئيسية، أي هادي في البدء ثم هو وريم فيما بعد، بل اقترب بذكاء ورهافة من بقية الشخصيات وأبرز خفاياها وصفاتها من خلال مواقف بسيطة دالة، وبدت شخصية الأم من المشهد الأول خلال زيارتها لبيت العروسة كمتحكمة بكل التفاصيل ومسيطرة كليا على ولدها، كما جاءت المشاهد القليلة للقاء الخطيبين سرا والتي كانت صامتة معظم الوقت واضحة لجهة تقليدية الفتاة ومحافظتها وشخصيتها الممسوحة أيضا فلا حديث لها ولا اهتمام سوى تحضيرات العرس، مشهدان شبه صامتين لكن يتبين من خلالهما عدم وجود ما يجمع بين الشخصيتين. 

 هذا الاشتغال على التفاصيل جعل من كافة الشخصيات كائنات حية قريبة من المشاهد يتعاطف معها أوينبذها.. من الأم إلى الأخ الأكبر مرورا بالخطيبة التي أعطت برغم ظهورها القليل صورة مقنعة عن الفتاة التقليدية في مجتمعاتنا، العصرية بمظهرها والمحافظة جدا بسلوكها. أما هادي (مجد مستورة) فكان لافتا بأدائه وترجم بحساسية بالغة وتمَكّنٍ مدهش مشاعر الكبت والغيظ وأيضا اللامبالاة الشديدة بمن وبما يحيط به. غيظ سيتحول إلى غضب وإلى ثورة لم تدم، أم لعلها دامت لكن " بتعقل" بعيد عن التمرد؟ هنا السؤال.

طاقم فيلم "نحبك هادي" للمخرج التونسي محمد بن عطية الذي يتوسط كلا من الممثلتين صباح بوزويتة وريم بن مسعود / غيتي

نهاية مفتوحة

الحرية ليست مجرد مطلب، مجرد استمتاع بالحياة. بعد فترة وجيزة من حلولها المفاجئ، يبدأ الشعور بالحيرة أمام هذا الشيء الذي لانكاد نلمسه ونتحسسه ونبدأ بالتساؤل كيف سنعيشه. إنه سلوك على المدى الطويل، فالبطل هادي وفي لحظات الاستمتاع بالحرية الجديدة يقرر التخلي عن كل شيء، الخطيبة والأم والوطن.. ثم أمام المجهول يقف مترددا حائرا.

يترك الفيلم النهاية مفتوحة، موقف وداع ملتبس بين الحبيبين يمكن تفسيره كما يحلو للمشاهد، أهو تخلي الشخصية الممثلة بهادي عن الحرية وإشكالاتها خاصة لمن لم يعتد عليها ولمن عانى طوال حياته من تربية لا تجعل منه مسؤولا وقادرا على تحمل خياراته، وبالتالي يمثل هذا عودة للقديم وعدم خرق كامل للعادات والتقاليد؟ أم أنه موقف يمثّل محاولة لفهم الحرية بشكل آخر، بكونها تخليا عن الأنانية وعن قَصْرِ التفكير على الذات وبالتالي النظر لمصلحة الآخر أي الأم، وهي هنا الوطن، وعدم الجحود بها وتركها لمصير غامض، وبالتالي هو هنا سعي لإصلاح الأحوال (الأم- الوطن) من الداخل؟

يمكن قراءة الفيلم بجانبه الإنساني وخلفيته السياسية، دون أن يعني هذا أنه فيلم شعارات وتوجيه رسائل وخطب، كما يمكن الاكتفاء بالنظر للحالة الإنسانية فقط عبر قصة هادي بكل خلفياتها الاجتماعية والإنسانية دون أن يؤثر هذا في شيء على قوة الفيلم أو مغزاه ومن هنا تأتي روعة الإخراج البسيط والبعيد عن الادعاء.

 

 

قد ينال إعجابكم

حوارات

دراما في شقة "تقسيم"

فيلم نفسي عن المسؤوليات والانتماء، وتأثير الأحداث السياسية والاجتماعية العامة على العلاقات الشخصية...