متابعات

نحو تشريع الإعلان الضمنيّ في العوالم الرقميّة

محمد موسى

هل تساءلت يوماً وأنت تشاهد مشهد من فيلم Hو حلقة من مسلسل تلفزيوني: لماذا تشرب أغلب الشخصيات على الشاشة المشروب الغازي الشهير نفسه، ولماذا أجهزة الكمبيوتر التي تظهر في هذه الأعمال تحمل العلامة التجارية ذاتها، والأبطال يلوحون أحياناً أذرعاً تحمل ساعات ماركات معروفة؟ الاجابة ببساطة أن ما تراه يسمى الإعلان الضمنيّ، أو الإعلان عبر وضع المنتج التجاري ضمن نسيج الأحداث الفنيّة (product placement)، حيث يتم وضع منتجات تحمل علامات تجارية واضحة في مشاهد في الأعمال الفنيّة، للإعلان عنها مقابل مبالغ كبيرة، وهو طريق لجني الأموال له تقاليد تعود لسنوات عديدة، وتنظمه قوانين إعلامية غربية مفصلة، تفرض رسوماً على منتجي هذه الاعمال والوسائط التي تعرض هذه الأعمال مقابل ما يحصلون عليه من المُعلن التجاري.

وإذا كانت الأجهزة الإعلامية التقليدية (تلفزيون، راديو، صالات سينما)، قد نَظَمّت منذ وقت طويل القوانين الخاصة بالإعلانات الضمنيّة، مازال الإعلام الرقميّ الجديد يقطع الخطوات الأولى في هذا المجال، بل أن هذا الإعلام - ولغياب التشريعات القانونية المفصلة عن الإعلانات الضمنيّة في العديد من الدول الغربية - يلجأ أحياناً إلى قوانين الإعلام التقليدي، أو يحاول الاستفادة مما وصلت إليه قوانين في دول غربية مجاورة، من التي بذلت جهوداً كبيرة لتشريع الإعلان على الإنترنت، في سنّ قوانين خاصة به. بيد أن هذه القوانين يصيبها القدم سريعاً، وتكون عرضه لتغييرات جمّة، لتنوع وسائط الإعلامي الرقميّ، والأسئلة المعقدة التي تترتب على ظهور الإعلانات في هذه الوسائط والمنصات.

وأخيراً، بدأت الحكومة الهولندية فرض سلسلة إجراءات على مجموعة من أبرز أصحاب القنوات الخاصة على موقع "يوتيوب" خاصة بالإعلان الضمنيّ الذي يظهر في الفيديوهات التي يضعوها على قنواتهم. حيث تريد الحكومة وعبر دائرة الضرائب فيها الاطلاع على ما يجري داخل هذه القنوات، وفرض رسوم ضريبية على العائدات التي يحصل عليها نجوم يوتيوب هؤلاء. كما أن هناك جانباً أمنياً وتربوياً في رغبة الحكومة الهولندية وحكومات دول غربية بالاطلاع على ما يجري في عالم الإعلانات الضمنيّة، ذلك أنه من المهم أن يخضع المنتج المعلن عنه لشروط الإعلان المعروفة، من حيث ملائمته للفئة العمرية التي تشاهد المادة التي تعرض هذا الإعلان، وعدم ترويج الأخير للعنف أو يخالف القوانين العامة.

والحال أن موقع "يوتيوب" نفسه يملك سلسلة قوانين طويلة تنظم وضع الإعلان الضمنيّ داخل الفيديوهات التي تعرض على خدمته، تشترط على المستخدم إخطار الموقع عن نوعية الإعلان المنشور. ويتوجب على صاحب القناة دفع رسوم مالية خاصة لموقع "يوتيوب". مما لا شك فيه أن هناك غموضاً وتعقيداً في بعض قوانين موقع "يوتيوب" بخصوص الإعلان الضمنيّ أو حتى فيما يخص الإعلان الواضح الذي يضعه صاحب القناة داخل الفيديوهات التي ينشرها على قناته. وهو التعقيد نفسه الذي يطبع عمل مواقع التواصل الاجتماعي العملاقة الأخرى مثل: "فيسبوك"، "إنستغرام" وغيرها.

ولعل الأمر الذي يزيد من تعقيد مهمة تنظيم الإعلانات التجارية على مواقع الفيديو ومنها "يوتيوب"، هو صعوبة تحديد ماهية الإعلان التجاري أحياناً، ففي الوقت الذي يمكن التعرف على الإعلان الضمنيّ في الأعمال الفنيّة التلفزيونية والسينمائية، والتي يخضع الإعداد لها لتحضيرات كثيرة، الأمر الذي يجعل من وجود علامة تجارية ما ضمن سياق المشهد بارزاً ولا لبس فيه، تبرز صعوبة تحديد ذلك مع أفلام الهواة على "يوتيوب" مثلاً. فهل ظهور ماركة تجارية في فيديو على "يوتيوب" يعني دائماً ترويج لتلك الماركة، أو ربما غفل الصانع عن وجودها أثناء التصوير؟ والذي غالباً ما يتم في غرف منازل عادية، حيث ينجز معظم أصحاب القنوات على "يوتيوب" فيديوهاتهم.

كما من الصعب كثيراً تحديد إذا كانت الفيديوهات التي تعرض منتجات من كل الأنواع وتقييمها، والمنتشرة والشعبية كثيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، تصنف ضمن الفيديوهات الترويجية لعلامة تجارية ما، أو أنها تخدم هدفاً خاصاً وهو عرض البضاعة بحيادية كبيرة، حتى يستفيد منها المشاهد. فالحسم في هذا الاتجاه يكون صعباً كثيراً، بخاصة إذا كان تقييم الفيديو للعلامة التجارية إيجابياً، وهو يمكن أن يُعَّد دعاية مضاعفة، فمن جانب يكون التركيز على اسم العلامة التجارية وترسيخ حضورها في الشاشة، ومن الجانب الآخر الحديث عما تحمله من خصائص مميزة، ربما تشجع الكثيرون على اقتنائها في المستقبل.

تتجسد الصعوبة في الفصل بين الإعلان والترويج وعرض البضاعة الصرف في موقع "إنستغرام" للصور والفيديو، والذي حقق في السنوات الأخيرة خطوات كبيرة على صعيد الهيمنة على حصة مهمة من سوق مواقع التواصل الاجتماعي. ذلك أن الموقع يرتكز على الصورة وما تظهره من تفاصيل، وهذا يقود بديهياً إلى العلامات التجارية التي تظهر غالباً في الصور والفيديوهات. هذا اللبس بخصوص تعريف الإعلان التجاري على موقع "إنستغرام" يتم استغلاله من قبل كثيرين، ففي بحث أجرته مؤسسة "MediaKix " الأمريكية لبحوث السوق، تبيَّن أن 32% من الرسائل التي ينشرها أكثر خمسين مشترك شعبية على موقع "إنستغرام" هي رسائل مدفوعة الثمن من قبل معلنين تجاريين، وأن 92% من هذه الرسائل الإعلانية هذه تخالف القوانين الأمريكية التي تخص الإعلان على وسائل الإعلام.

نجوم مواقع التواصل الاجتماعي

في الوقت الذي توجه اتهامات بين الحين والآخر لنجوم متنوعين من عوالم الفن والرياضة بسبب إعلاناتهم الضمنيّة أو العلنيّة لمنتجات تجارية على صفحاتهم الشعبية كثيراً على التواصل الاجتماعي، تتوجه القوانين الخاصة بتنظيم الإعلان في العوالم الرقميّة إلى أصحاب القنوات الشعبيين والذين بدأت نجوميتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى الحد الذي أصبح نشاطهم على مواقع مثل "يوتيوب" مصدر دوري لهم لجني الأموال، سواء من موقع "يوتيوب" نفسه كمكافئة لشعبية ما ينشروه ومن المعلن التجاري الذي يروجوا له. ففي هولندا مثلاً، اجتمع مكتب الإعلانات الحكومي مع ثمانية عشر من أصحاب القنوات الشعبية على موقع "يوتيوب" (تجمع المواد التي يضعها هؤلاء على قنواتهم حوالي 54 مليون مشاهدة في الشهر)، للنقاش حول أنسب السبل لتحديد العلاقة بينهم وبين دائرة الضرائب. كما يتم التركيز في الولايات المتحدة على عمل أكثر عشرين قناة تجذب الجمهور هناك، حيث يشترك في أكثرها شعبية 54,1 مليون مشتركاً.

قد ينال إعجابكم