متابعات

نساء في الظل يقوضن جدران الفصل العنصري

"نساء في الظل" قصة النساء الأمريكيات من أصول افريقية اللواتي ساهمن في إرسال أول رواد (ناسا) إلى الفضاء بداية الستينيات

عدنان حسين أحمد

لم يكن مُفاجئًا للنقّاد والمُشاهدين على حدٍ سواء أن يقع اختيار "المجلس الوطني لمراجعة الأفلام" بنيويورك على فيلم "نساء في الظل" للمخرج الأميركي ثيودور ملفي كواحد من أفضل عشرة أفلام لعام 2016 إلى جانب "لا لا لاند" و "الوافد" و "مانشستر على البحر" وسواها من الأفلام الأخرى التي تألقت في الثيمة، والتصوير، والأداء، وحققت، في خاتمة المطاف، الرؤية الإخراجية لصنّاع الأفلام الأميركيين الذي يعوّلون على خطاباتهم البصرية القادرة على توفير المتعة والفائدة للمتلقين من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية.

لم يُنجز "ملفي" سوى فيلم روائي واحد وهو "القدّيس فنسنت" 2014 الذي حقق نجاحًا تجاريًا مقبولاً لكنه حظي باهتمام النقّاد الذين بشّروا بولادة مُخرج ناجح سيحفر اسمه بقوة في المشهد السينمائي الأميركي.

رُشح فيلم "نساء في الظل" إلى جوائز كثيرة ونال حتى الآن 16 جائزة لكن تظل جائزة "أفضل أداء لطاقم تمثيل" هي الأكثر إثارة لأنها تدلّل على تآزر كل الفنانين الذين أنجزوا هذا العمل الذي يتمحور على ثيمات كبيرة مثل التمييز العنصري، وحرب الفضاء وما إلى ذلك من دون إغفال الجوانب الاجتماعية والنفسية والعاطفية التي وجدت طريقها إلى البنية العميقة لهذا الفيلم المشوِّق الذي يلهث أبطاله وراء الحُب، وتأكيد الذات، والأحلام، والعدالة الاجتماعية.

قصة حقيقية

يتكئ الفيلم على قصة حقيقية كتبتها المؤلفة الأميركية مارغو لي شاترلي تحمل العنوان نفسه مع إضافة محددة وهي "قصة النساء الأمريكيات – الأفريقيات اللواتي ساهمن في الفوز في سباق الفضاء". جدير ذكره بأن عدد النساء في القصة الأصلية هو أربع نساء وهنّ على التوالي: كاثرين جونسون، دوروثي فوغان، ماري جاكسون و "كريستين داردِن" التي أهملتها القصة السينمائية التي كتبتها أليسون شرودر والمخرج نفسه وربما جاء هذا الإهمال لتشابه الاختصاصات العلمية فهذه الأخيرة مختصة بعلم الرياضات، وتحليل البيانات، والديناميكيا الهوائية. وليس بالضرورة أن تتطابق أحداث الفيلم مع الوقائع الحقيقية للنص الأصلي. فالخطاب البصري مختلف تمامًا عن الخطاب الأدبي ويحاول تجاوزه وترويضه في معظم الأحوال.

لقطة من الفيلم

يُصنّف الفيلم بأنه بيوغرافي "سيرة ذاتية"، درامي، وتاريخي وهي توصيفات دقيقة تنطبق على موضوع الفيلم بمجمل شخصياته وإن كان التركيز مُنصبًا على الشخصيات النسائية الثلاث التي تُشكِّل الدعامات الرئيسية لقصة الفيلم التي تبدأ بهنّ، وتمرّ بصعودهن إلى الذروة، ثم تنتهي بنجاحهن المذهل الذي يُتوّج بتحقيق أحلامهنّ على الرغم من الصعوبات القاسية التي واجهنها بشجاعة نادرة، وثقة لا نظير لها أثبتت أن العقل البشري الأسمر لا يقل ذكاءً وتألقًا عن نظيره الأبيض وربما يتفوق عليه في بعض الحقول العلمية ويتراجع قليلاً في حقول علمية أخرى غير أن القصة السينمائية تقطع الشك باليقين بأن التكامل العلمي والاجتماعي والسياسي وما إلى ذلك لا يتم إلاّ باجتماع الاثنين وانصهارهما معًا في بوتقة واحدة تقوّض من كيانها جدران الفصل العنصري، وتزيح عنها نهائيًا كل أشكال الحقد والضغينة والتوتر العرقي كي نتيح المجال لكل الأعراق والأجناس البشرية أن تحقق أحلامها وطموحاتها المشروعة في حياة جميلة، عادلة لا تفرق بين الناس على أساس اللون واللغة والعرق والدين والطائفة.

تجليات الثيمة

تتمحور قصة الفيلم على ثيمة رئيسة وهي "التفرقة العنصرية" بأشكالها المتعددة التي تنتقص من حق السود في الحياة الحرّة الكريمة في أميركا بدءًا من المدارس والمعاهد والجامعات، مرورًا بالمكتبات والمرافق العامة، وانتهاءً بالعمل في المراكز العلمية والبحثية الحسّاسة مثل وكالة "ناسا" وغيرها من المنشآت الحكومية التي تتطلب قدرًا عاليًا من التكتّم والسريّة. 

قبل أن نخوض في ثيمة الفصل العنصري racial segregation التي كانت مهيمنة في أوائل الستينيات من القرن الماضي لابد من الإشارة إلى فكرة لامعة وردت في بداية الفيلم على لسان معلِّم الرياضيات الذي قال مخاطبًا أبوي الصبية كاثرين كولمن: "في سنوات حياتي كلّها لم أرَ عقلاً مثل عقل ابنتكم". وهذا اعتراف صريح بعبقرية هذه الطفلة السمراء التي ستشق طريق حياتها على الرغم من العقبات الكأداء التي تصادفها في دوائر الدولة ومؤسساتها الرسمية في ولاية فرجينيا.

لا حاجة للمخرج لأن يتوقف عند الفتيات الثلاث لأن الإشارة الخاطفة لكاثرين تُغني عن التركيز على الفتاتين الأخريين، فلقد وجدناهن جميعًا نساء ناضجات يعملن في وكالة "ناسا" لكنهن يعانين من التفرقة العنصرية في كل شيء تقريبًا وإن كان الاهتمام منصبًا على كاثرين غلوب جونسون الذي أدّته بتمكّن شديد الممثلة "تاراجي بيندا هينسون" وخطفت الأضواء من بقية الممثلات ووقفت ندًّا للشخصيات الرجالية وبالذات بول ستافورد وكيفن كوسنر غير أن هذه الهيمنة لا تُغيّب أدوار الشخصيات النسائية الأخرى. فالأنساق السردية - البصرية تسير على وفق بنية مدروسة تكشف كل العقبات التي تقف في وجوه النساء السمراوات وتحيط المتلقي علمًا بتسلسل الأحداث وتداعياتها على مدى 127 دقيقة.

"كاثرين جونسون" لعبت دورا محوريا في توجيه "جون غلين" عبر مركبته إلى الفضاء

لا شك في أن المُشاهد يتعاطف مع الشخصيات السمراء الثلاث وهو يرى بشكل متواصل تعرضهن للتمييز العنصري بسبب اللون والعرق، فالشرطي يتوقف إلى جوار سيارتهنّ المتعطلة ويدقق في هوياتهنّ الشخصية ولولا عملهنّ في وكالة "ناسا" لوجدن أنفسهنّ في مراكز التحقيق. وحينما انتقلت كاثرين جونسون من قسم الحوسبة الغربية التابع لمركز أبحاث لانغلي في هامبتون بفرجينيا بأمر من آل هاريسون، مدير فريق العمل الفضائي وجدت نفسها أمام تفرقة عنصرية مهينة فهي لا تستطيع أن تستعمل حمّامات الموظفين البيض وليس بمقدورها أن تتناول القهوة من الأباريق المخصصة لهم، هذا إضافة إلى الإهانات المعنوية التي تتلقاها من رئيس المهندسين بول ستافورد والمُشرفة فيفيان ميتشيل غير أنّ هذه المنغصّات برمتها لم تُثبط عزيمتها بل واصلت العمل بثقة كبيرة بالنفس واحتلت المكانة الوظيفية التي لا يملؤها إلاّ موظّف مبدع من طراز كاثرين أو صديقتيها دوروثي وماري وما شاكلهنّ من نساء موهوبات.

تعتمد القصة السينمائية، كما أشرنا سابقًا، على السير الذاتية لبطلات الفيلم الأمر الذي يضطر المخرج والكاتبة إلى تغطية هذه السير الثلاث التي تبدأ بكاثرين وأسرتها الصغيرة المؤلفة من ثلاث بنات يسكنّ في غرفة واحدة. تفتقد كاثرين زوجها المتوفي كثيرًا لكنها سترضخ للأمر الواقع وتقترن بالكولونيل جيم جونسون الذي يمنحها زخمًا جديدًا لتحمّل تحديات العمل وضغوطه المتواصلة، خصوصًا وأن هاريسون "كيفن كوسنر"، مدير الوكالة طلب منها تدقيق البيانات، وتفقّد حسابات السيد ستافورد الذي يقلل من شأن عملها ويعتبر وظيفتها "زائفة" لأنها لا تتناول الحسابات والأرقام السريّة المخبأة عنها أصلاً لأسباب أمنية.

حينما يطلب منها هاريسون عبر ستافورد أن تؤكد حسابات الانطلاق والهبوط لأحد الصواريخ تعتذر لأنها لا تستطيع أن تعمل على شيء محجوب لا يمكن رؤيته. وعلى الرغم من العقبات الكثيرة التي تواجهها في العمل تنجح كاثرين في إظهار الأرقام المخبأة وتأكيدها بواسطة حلّ المعادلة الأمر الذي يضعها في دائرة التجسس لمصلحة الاتحاد السوفييتي "سابقًا" وحينما تثبت العكس يمنحها مدير الوكالة كل ما تحتاج إليه للمضي في المشروع الفضائي الأميركي بعد أن أصبح غاغارين أول رجل فضائي في العالم في 12 أبريل 1961 بينما وجد الأميركيون أنفسهم في المركز الثاني في سباق بين اثنين لا غير!

لا تختلف الصعوبات التي تواجهها دوروثي فوغان "أوكتافيا سبنسر" التي تريد أن تصبح مشرفة القسم لكنهم لا يمنحونها هذا اللقب مع أنها تستحقه وتمارسه كل يوم. كما أنها تعاني من التمييز العنصري الذي لا يسمح لها بدخول مكتبة عامة لاستعارة بعض الكتب الأمر الذي يضطرها لأن تسرق كتاب "فورتران" الذي يعني "ترجمة المعادلات" بحجة أنها دافعة ضرائب وأنها أخذت شيئًا دفعت حقه سلفًا!

لقطة من الفيلم

أما ماري جاكسون فقد حُرمت من دراسة الهندسة في مدارس البيض ولكنها ترافعت مع القاضي الذي وافق في النهاية على حقها في متابعة الحصص الليلية لتصبح أول مهندسة فضاء أميركية من أصول أفريقية، وسوف تُعيّن لاحقًا لتصبح مديرة برنامج لانغلي النسوي، وقد عُرفت بدعمها المتواصل للنساء الملوّنات في عموم الولايات المتحدة الأميركية.

يعزو هاريسون قصور الأمريكيين إلى قلّة العمل وعدم تكريس الجزء الأكبر من وقتهم للفوز بهذه المنافسة التي تمنح الأمريكيين القِدحْ المعلّى. فهو لا يؤمن بأن الروس أذكى من الأمريكيين، أو أن تقنيتهم أفضل من التقنية الأمريكية، وأكثر تطوّرًا منها لذلك نصح الموظفين جميعًا بالاتصال بزوجاتهم لأنهم لن يغادروا بناية الوكالة ما لم ينجحوا في إطلاق أول مركبة فضائية تدور حول الأرض.

يُحطِّم هاريسون اللوحة التي تشير إلى مرحاض الملوّنين ويقول بأن اللون واحد في هذه الوكالة، وأن الجميع يحتسون القهوة من إبريق واحد، ولا فرق بين إنسان وآخر على أساس اللون والعِرق عند ذلك يتحقق التقدّم الذي نلمسه رويدًا رويدًا عند النساء الثلاث. فكاثرين تحل المعادلة وتستخرج الأرقام المخبأة، ثم تشترك في اجتماعات الوكالة التي كانت حكرًا على الرجال، وتحقق ما لم يحققه الرجال بحساب المنحنيات، وأرقام الإطلاق والهبوط لكنها تجد نفسها فائضة عن الحاجة مرة أخرى لأن الحاسبات حلّت محلهنّ فيعتذر لها المدير هاريسون بعد أن يقدّم لها عِقدًا كهدية لمناسبة زواجها من الكولونيل جيم جونسون.

قررت الوكالة في 22 فبراير1962بعد تحضيرات كثيرة أن تُطلق المركبة الفضائية "فريندشب 7 " التي تحمل في جوفها جون غلين ليكون أول رجل أميركي يدور حول الأرض لكن "غلين" يطلب من كاثرين الذكية أن تدقق له الأرقام فيتم إعادتها إلى وظيفتها السابقة بعد نجاح عملية الانطلاق. وحينما تندلع كرة نارية في نهاية المركبة وترتفع حرارة الدرع الواقي تساعد كاثرين في حل هذه المشكلة الكبيرة ليهبط "غلين" في مياه المحيط الأطلسي وتنتشله البحرية الأميركية بعد أن يسجل علامة فارقة في التاريخ الأميركي. لعل سؤال هاريسون الأخير لكاثرين ينطوي على قدرٍ كبير من الأهمية حينما يتساءل مُستفهمًا وهو الراوي العليم: هل نصل إلى القمر؟ فيأتيه الجواب بفم واثق ملآن: "نحن هناك سيدي". فمَن ينطلق بمركبة فضائية ويدور حول الأرض ثلاث مرات ويعود إليها بأمان يستطيع حتمًا أن يصل إلى القمر ويعود إلى الأرض باطمئنان تضمنه العقلية السمراء إذا ما تآزرت مع شقيقتها البيضاء على الرغم من التضادّ اللوني الذي قد يضع أحدهما في مواجهة الآخر لكن هذه المواجهة اللونية لا تمنعهما من التوحد والاندماج والتماهي.

مخرج الفيلم، الأمريكي "ثيودور ملفي"

طاقم التمثيل

يستطيع المخرج الناجح أن يوزِّع البطولة على الشخصيات الرئيسة في الأقل مُحققًا مفهوم "البطولة الجماعية" التي تلغي "البطولة الفردية" أو تُحجِّمها في أقل تقدير، وهذا ما حدث مع الممثلة تاراجي هينسون التي جسّدت شخصية "كاثرين جونسون" فقد كانت البطلة بامتياز لدورها المحوري في القصة السينمائية لكن المخرج وكاتبة السيناريو أخذا منها بعض حضورها الفاعل ووزعاه على الشخصيات الأخرى وخاصة النسائية منها ليخلقا في نهاية المطاف فيلمًا يعتمد على البطولة الجماعية التي لا تقتصر على النساء السمراوات الثلاث "كاثرين، أوكتافيا وماري"، وإنما امتدّ إلى فيفيان، ستافورد، هاريسون وجون غلين.

لا يمكننا أن نُنكر الأداء المُبهر لتاراجي هينسون وتعاطف المُشاهدين معها على الرغم من تعرّض بقية النساء السود للتمييز العنصري ولعل مردّ هذا التعاطف يعود إلى محاولة مسخ إنسانيتها حينما تمنع من دخول حمّامات البيض، ولا يُسمح لها حتى باستعمال الأكواب الخاصة ببقية الموظفين. وفي السياق ذاته تألقت تاراجي في تأدية دورها على مدار الفيلم الذي بلغت مدته 127 دقيقة وكان أداؤها أكثر حماسًا ودفئًا من زميلتيها السمراوين. 

خلاصة القول إن الفيلم يخلو من أي شكلٍ من أشكال الرتابة، ولم يشعر المتلقون بالملل، بل على العكس من ذلك كانت القصة السينمائية مليئة بعناصر الشدّ والترقب والحذر، خاصة ما يتعلق منها، بلقطات ومَشاهد انطلاق المركبات الفضائية وهبوطها المحفوف بالمخاطر. إنه فيلم آسر ليس في أداء الممثلين فقط، وإنما في تصويره، وموسيقاه، ومَنتَجته ورؤيته الإخراجية التي نجحت في تجسيد البطولة الجماعية بهذا القدر الكبير من الدقة، والتوازن، والاحتراف.

قد ينال إعجابكم