متابعات

هشام العسري وسينما الموقف

لقطة من فيلم "هم الكلاب"

زبيدة الخواتري

يُعتبر المخرج المغربي هشام العسري  (مواليد 17 أبريل 1977) من الموجة الشابة في السينما المغربية، التي عاشت تباشير الانفراج السياسي الذي عرفه المغرب منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي        ( 1994)، والذي تم تدشينه، من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، بإطلاق سراح دفعة كبيرة من المعتقلين السياسيين المنتمين إلى اليسار الجذري، والتي عرفت تحولا نوعيا بتعيين حكومة للتناوب ابتداء من 4 فبراير/شباط 1998 برئاسة أحد المعارضين القدامى للنظام الحاكم الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، الذي أشرف على مرحلة انتقالية دامت حتى صيف 2002 بتعيين الملك الشاب محمد السادس لإدريس جطو لقيادة حكومة ما بعد انتخابات 2002، هذه المرحلة التي عرفت إقالة وزير الداخلية إدريس البصري، الرجل القوي في المملكة الذي ارتبط اسمه بفترة كبيرة مما أصبح يُطلق عليه اليوم بسنوات الرصاص،  والذي دبّر مرحلة المواجهة مع المعارضة ومع الشعب المغربي منذ سنة  1979، بعد مقتل كل من محمد أوفقير سنة 1972 ووفاة أحمد الدليمي سنة 1983.. كما عرفت الفترة حدثا هاما، على طريق تصفية ملفات ضحايا القمع السياسي، تمثل في تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، بمبادرة من الملك، بتاريخ 7يناير 2004 برئاسة إدريس بنزكري أحد اليساريين الجذريين القدامى، الذي حُكم عليه بثلاثين سنة سجنا سنة 1977 وأُفرج عنه سنة 1991.

كان لابد من هذا المدخل لفهم تجربة المخرج الشاب العسري الذي وَقَّعَ بداية مساره السينمائي الخاص به والمستقل عن الآخرين بفيلمه القصير الأول "وشم العذاب" (2002) الذي تلته سلسلة من الأفلام القصيرة التي تعلن عن ميلاد مخرج ذي عزيمة خاصة ورؤية جديدة للإبداع السينمائي وذلك من خلال سلسلة من الأفلام كفيلم "على جناح" (2004)، "بخط الزمان" (2005)، "محطة الملائكة" (2009) والتي أنجزها بطرق مختلفة معجونة بالدهشة، صدامية ومن الواقع المعاش، تجربة كثير من دروبها غير مطروقة من قبل، وهي المغامرة التي ستؤسس لتجربته القوية والعميقة في أفلامه الطويلة التي أخرجها تباعا خلال السنوات: 2011 و2013 و2014 و2015، مستفيدا من تجربته في كتابة السيناريو والقصيدة والرواية، ومن وعيه الحادّ بما يمور داخل مجتمعه وفي الساحة الإقليمية والدولية.

جاء فيلمه "النهاية" (2011) معبرا عن هذا الوعي الذي تمت ترجمته من خلال اختيار فني متميز، حيث تم توظيف النظرة الشعرية سينمائيا ليرقى الواقع إلى مرتبة رمزية مثقلة بالدلالات التي تستفز حيادية المتفرج الذي عليه أن يُدرك ويستخلص.. في هذا الفيلم يعرض المخرج لعالمين عالم واقعي وعالم رمزي يعيش بالموازاة معه، يُقدم الصورة بشكل مقلوب ويقدم نقيضها لنقف على التناقض الذي يعج به المجتمع... ولذلك كله دلالاته، الدلالات التي يغذيها تصوير الهامش والخراب والصراع الدموي، حيث الهامش وعاهاته من قمع وكبت للحريات وسلب للذاكرة والأمل في المغرب والعالم العربي عموما.

هشام العسري

وسينتظر سنتين ليخرج للمشاهد والساحة السينمائية بفيلم "هم الكلاب" ( 2013)، مدته ( 85 دقيقة) من خلاله يستمر المخرج، الذي هو المؤلف أيضا، في الحفر فيما هو سياسي واجتماعي، من خلال تعقب شخصية رجل مجهول الهوية تصادف إطلاق سراحها إبان احتجاجات 20 فبراير/شباط التي اندلعت، مطالبة بالتغيير، في إطار ما أُطلق عليه حينها بالربيع العربي، هذه الشخصية التي صادف وأن اعتقلت خلال انتفاضة الخبز صيف 1981، والتي من خلال تعقب طاقم تلفزيوني لخطواتها من أجل إنجاز مادة صحفية مثيرة، سيطرح المخرج رؤيته التي سيتناول فيها الجانب الاجتماعي والسياسي الذي لم يتغير رغم مرور كل هذه السنوات.

الفيلم لا يقدم خطابا سياسيا مباشرا وسطحيا إذ يمزج في أسلوبه الفني بين تقنية سينمائية متطورة وبين الغوص عميقا من خلال المحكي والوضع الإنساني الذي يحاول تحليله وتمحيصه والنفاذ إليه.

"هم الكلاب" يُسائل الذاكرة ويشتغل على الزمن، مقدما رؤيته للواقع السياسي والاجتماعي لفترة امتدت من 1981 حتى 2011، وما زخرت به الفترة من تجاوزات واعتقالات وضحايا، متلاعبا بقواعد السينما لإنجاز فيلم غير محايد صدامي ومزعج.

سنة 2014 سينجز المخرج هشام العسري "البحر من ورائكم" (88 د)، وهو (إنتاج مغربي إماراتي - فرنسي) بالأبيض والأسود، والذي يصور حياة القهر والمعاناة من خلال شخصية طارق الشاب الذي يمتهن الرقص، في عالم بلا ألوان، فوق عربة يجرها حصان آيل للفناء، ببلد مياهه ملوثة كرمز لمصدر الحياة.

هذا الفيلم سيعزز به اختياراته كسينمائي مهتم بقضايا الإنسان، إنسان الهامش حيث القبح والاستغناء عن المواطنين "كأدوات" غير نافعة أو تسخيرهم في تأثيث الفضاء. حيث يصف هشام العسري هذا الفيلم بكونه لا يحيد عن أفلامه السابقة، رغم غرائبيته، وأنه يهتم بالهوامش و"بالبطل الضد"، وأن سينماه تنظر إلى المجتمع من "الزوايا القبيحة" وتهتم بما يُطلق عليه "المغرب غير النافع"، لذا تغيب الألوان لنعيش عالما يحكمه الرمادي ويسوده الصمت مع الاقتصاد في الكلام أو غيابه في الكثير من المشاهد، مادامت الصورة تستطيع أن تتحدث إلى المُشاهِدِ، الصورة الصاعدة من داخل زحام الحياة، الحياة التي يقدمها هشام العسري، الذي يشتغل بحواسه الخمس لتأتي اللقطات والمشاهد نابضة بالغريب واللامألوف، والمسكوت عنه، في عملية إبداع تصبح فيها الكاميرا كائنا حيا ينفعل وبتفاعل مع الواقع.

إن الأفلام التي ذكرناها وخصوصا فيلم "النهاية" (2011) وفيلم "هم الكلاب" ( 2013) وفيلم "البحر من ورائكم" (2014) تشكل، وإن اختلفت تقنياتها وشخوصها وعوالمها، مسارا باتجاه الكشف والفضح والتعرية... فهي في العمق تعالج الخلل الموجود في الحياة، واللاعدل واللامساواة الطاغية على علاقة  الناس بعضهم ببعض والظلم المستشري الذي يمارسه كل ذي سلطة على "الغلابة.

وبهذه الأفلام رسم المخرج الشاب دربه الفني المتميز والمختلف برؤيته المغايرة للعالم والناس والعلاقات، إن تراكم التجربة الخاصة به أبانت على أن للمخرج هشام مشروعا فنيا وهموما سينمائية يجتهد ليطورها من فيلم إلى آخر، لذا نجده يتعامل مع الكاميرا بدون تساهل أو استسهال ويجعلها ترى وتسمع وتتكلم، وهو ما أهلّه لإنجاز فيلمه الصعب، لحد الآن، والذي دخل به إلى عش الدبابير، بإصراره على إغناء تجربته السابقة وإكمال رسالته، رسالة فضح ما هو قائم وما حدث ولماذا حدث، فجاء فيلم "جوِّع كلبك" (2015)، من أجل المزيد من فضح الاختلال بأسلوب عبثي، فهو وإن كان في فيلم "هم الكلاب" يمارس مساءلة الواقع وما آلت إليه الأوضاع من خلال إعادة الشخصية الرئيسية، الرجل المجهول الهوية، من غياهب السجون بعد ثلاثين سنة من الغياب.

لقطة من فيلم "البحر من ورائكم"

 ففي فيلم "جوع كلبك" يعيد من الموت شخصية سياسية مثلت القمع وكانت عنوانا للاستبداد طيلة سنوات، وكانت لها يد البطش الطولى في جزء مهم مما أصبح معروفا بسنوات الرصاص، شخصية اضطلعت طيلة عشرين سنة كوزير للداخلية (من 1979 إلى 1999) بإحصاء الأنفاس وفبركة الأحزاب وتزوير الانتخابات كما يقول معارضوه.. وقوة ذكاء هشام العسري أنه في "هم الكلاب" يُسائل الواقع من خلال الضحية وفي "جوع كلبك" يُسائله من خلال الجلاد، والأدهى أن يقف الرجلين معا، الضحية والجلاد، على ما آلت إليه سوء الأوضاع.

وكما في أفلامه السابقة يشتغل المخرج على المشاهد الضبابية وعلى العتمة، ويزاوج بين الواقعي والمتخيل... وقد لجأ في هذا الفيلم إلى حجة الريبورتاج كما لجأ إليها في فيلم "هم الكلاب"، مكسرا بذلك حاجز سينما الاستديو متعقبا شخصيته بكاميرا محمولة على الكتف في الكثير من الأحيان، تشي اهتزازاتها باهتزاز الواقع.

"جوع كلبك" يسلط الضوء على سطوة الموقع الذي يفرض على المسؤول أن يكون أداة في يد الدولة مما قد يجبره على أن يتخلى عن كل ما يمت إلى إنسانيته وتكوينه، فشخصية إدريس البصري في الفيلم، أستاذ القانون والوزير القوي، تبحث لنفسها عن مبررات لتتملّص من مسؤوليتها عن الفساد والقمع باعتبارها قامت بذلك خدمة للوطن والدولة وهي التصريحات الذي جاءت في العديد من الاستجوابات التي تمت مع إدريس البصري قبل موته خلال منفاه.

إن قوة المخرج الشاب هشام العسري متأتية من كونه شاعر وروائي وسينارست، مما أهلّه ليكتب بنفسه أفلامه دون أن يكون في حاجة دائمة لنص الآخرين، أي أن له القدرة على الانطلاق من النص المكتوب إلى الصورة، وإن كان في بعض الأحيان يستعين بخبرة الآخرين، وهو بذلك يوظف حسه الشعري ونفسه الروائي لينتج لنا أفلاما ذات أفق إبداعي شاسع.

 

 

 

قد ينال إعجابكم