متابعات

هل يدخل فيسبوك حلبة الإنتاج التليفزيوني؟

محمد موسى

في أسبوع واحد، أطلقت شركة "آبل" عبر خدمتها الموسيقية التدفقية، برنامجها التلفزيوني الأول والذي يحمل عنوان "كوكب التطبيقات"، فيما كشفت مصادر إعلامية أمريكية رصينة قبل أيام أن موقع "فيسبوك" الأمريكي الشهير يقترب من الإعلان عن خطة إنتاجية كاملة لبرامج ومسلسلات ستعرض ضمن خدمة جديدة يخطط لها. بيد أن الغموض مازال يحيط طبيعة هذه الخدمة القادمة، وعما إذا ستكون منفصلة تقنياً عن الموقع الأزرق، أو أنها ستنضم إلى خدمات موقع التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية في العالم. في كل حال من الأحوال ستتوجه البرامج الجديدة إلى جمهور تتراوح أعماره بين 17 و34 عاماً، وستصرف عليها ميزانيات ضخمة تصل إلى 3 ملايين دولار أمريكي للحلقة الواحدة.

لا يشكل دخول شركة "آبل" عالم إنتاج البرامج الترفيهية مفاجأة للمهتمين، إذ إن التكهنات عن هذه الخطوة للشركة الأمريكية بدأت منذ ما يقارب الخمسة أعوام ولم تتوقف طوال السنوات الماضية، حيث يكون جهازها الإلكتروني "آبل تي في"، الواسطة لعرض برامج الشركة الحصرية، علاوة على توفيرها عبر نفس الجهاز برامج قنوات تلفزيونية أخرى مقابل اشتراكات شهرية. صحيح أن مساعي الشركة واجهتها عقبات تعقيدات الاتفاقات مع القنوات الأمريكية المنتجة لعرض برامج الأخيرة ضمن خدمة مشاهدة مقابل دفع مبالغ شهرية، الا أن هذا لم يوقف "آبل" عن تطوير أجيال جديدة من جهازها "آبل تي في"، والحصول على حقوق عرض مجموعة كبيرة من الأفلام والمسلسلات، المتوافرة اليوم للمشاهدة مقابل دفع مبلغ مالي لكل منتج على حدة على متجرها الإلكتروني "آي تيونز".

يبقى البرنامج الأول لشركة "آبل" قريباً من عوالم الشركة، بل إنه يُسخر في جزء منه للترويج لها ولمنتجاتها، عبر استخدام الأجهزة الإلكترونية الخاصة بالشركة في البرنامج، كما ستكون الوجهة النهائية للتطبيقات المتنافسة على الدعم المتجر الإلكتروني لـ "آبل" على الإنترنت. يقدم البرنامج الجديد مصممين إلكترونيين وهم يبحثون عن التمويل لتوسيع التطبيقات الإلكترونية التي صمموها. لكن وقبل أن يصلوا إلى الممولين عليهم أن يجتازوا أربعة محكمين من نجوم السينما والغناء والمعروفين بهوسهم بالتكنولوجيا ويملكون شركاتهم الخاصة. كل واحد من هؤلاء المشاهير سيختار ما يروق له من هؤلاء المصممين، ليخضعهم بعدها لدورات تدريبية تساعد على فتح آفاقهم، وتحضير أنفسهم بشكل جيد للوقوف أمام أصحاب التمويل.

على المشتركين أن يعرضوا فكرتهم خلال 60 ثانية فقط، وخلال نزولهم على درج متحرك

تعرض برنامج شركة "آبل" الأول لانتقادات حادة وواسعة. ركزت على البنية الهزيلة للبرنامج رغم المبالغ الكبيرة التي صرفت على إنتاجه، وعلى الأثر المحدود للغاية للنجوم الذين اشتركوا في البرنامج (منهم: غوينيث بالترو وجيسيكا ألبا). في الوقت نفسه شكك البعض في أثر البرنامج بدفع شعبية بعض البرامج التطبيقية التي ظهرت في البرنامج، فتدخلات المدربين كان لها أثر سيئ في تغيير طبيعة هذه البرامج التطبيقية، والذي قاد إلى انتقادات واسعة من الجمهور لهذه البرامج وبعد استخدامها. (يُنشر الكثير من هذا النقد في قسم آراء الجمهور على موقع متجر شركة "آبل" الالكتروني)

يستلهم البرنامج الجديد فكرته من البرنامج البريطاني المعروف "عرين الوحش"، والذي يعرض منذ سنوات بنجاح كبير على شاشة "بي بي سي" الثانية، وهي القناة الأصلية التي أنتجته، كما يتواصل عرض نسخ دولية منه، منها واحدة أمريكية ناجحة كثيراً. بيد أن "كوكب التطبيقات" غيّر في تركيبة البرنامج السابق، بحيث أنه يفرض على المشتركين فيه وعلى خلاف البرنامج الآخر، أن يعرضوا فكرتهم خلال 60 ثانية فقط، وخلال نزولهم على درج متحرك. كما على المشتركين أن يقنعوا لجنتين متخصصتين، ليزيد هذا من الضغوطات النفسية عليهم، بخاصة أن شرح محتوى برنامج تطبيقي وما يقدمه، يمكن أن يكون صعباً على المبتكر نفسه، كما قد يواجه المتفرج العادي صعوبات في فهم ما يجري أمامه أحياناً.

عليهم أن يجتازوا أربعة محكمين من نجوم السينما والغناء والمعروفين بهوسهم بالتكنولوجيا ويملكون شركاتهم الخاصة

"فيسبوك" في كل مكان

على خلاف شركة "آبل"، تأتي خطوة "الفيس بوك" بالتوجه لإنتاج البرامج التلفزيونية مفاجئة قليلاً ولأسباب عديدة أهمها: أن الموقع لم يفصح في الماضي عن طموحات مستقبلية تخص إنتاج المواد الترفيهية، كما لم يعمل الموقع على إنشاء بنية تحتية تكون أساسية لعرض البرامج والمسلسلات، وكما هو الحال مع شركة "آبل"، أو موقع "اليوتيوب"، والذي يعمل هو الآخر منذ سنوات على ترسيخ أساس لما سيكون في المستقبل منصة إعلامية قوية للغاية لعرض المواد الترفيهية مقابل دفع مبالغ مالية. على الجانب الآخر تنسجم الخطة الأخيرة للفيس بوك مع استراتيجية الموقع بالاستحواذ على مساحات جديدة من السوق الإعلامية، وانفتاحه الذي يأخذ أشكالاً مختلفة منها، سواء على صعيد توسيع خدمات الفيديو التي يوفرها، أو خدمات البحث. وكلا الخدمتين السابقتين هما ذراعا "الفيس بوك" لمنافسة العملاق الإلكتروني "غوغل".

تقول الأخبار المُتسربة عن خطط "فيسبوك" المستقبلية الخاصة بالإنتاج التلفزيوني، إن الموقع الذي يعرف عنه المحافظة الأخلاقية، سيطبق الثوابت الأخلاقية ذاتها على الأعمال التي ينوي بإنتاجها، إذ إنه سيحدد إلى حدود كبيرة من مساحات مشاهد الجنس، واستخدام الكلمات النابية، والعنف في أعماله الحصرية. هذا رغم أن التجارب السابقة عن برامج ومسلسلات انطلقت من مبادئ أخلاقية متشددة لم تكن ناجحة غالباً، وكان ينظر إليها بريبة من قبل الجمهور الذي تتوجه إليه، والذي يصنفها سريعاً في فئة البرامج التوجيهية ذات الأجندات الفكرية الخاصة.

كل واحد من هؤلاء المشاهير سيختار ما يروق له من هؤلاء المصممين، ليخضعهم بعدها لدورات تدريبية تساعد على فتح آفاقهم

المنافسة على الترفيه

ما الذي يدفع شركات تُعد من الأغنى في العالم وأكثرها أرباحاً إلى المنافسة على سوق الترفيه التلفزيوني المزدحم للغاية؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب دراسة سلوك هذه الشركات في الأعوام الأخيرة والذي يكشف عن تغيير في سياساتها وطموحاتها، إذ إنها وبعد أن بلغت عوائدها السنوية أرقاماً غير مسبوقة، بدأت تأخذ على عاتقها مهام تقترب من التبشيرية، ليس فقط لتغيير الولايات المتحدة، (المكان الذي انطلقت منه هذه الشركات) بل العالم كله. ف "الفيس بوك" يريد أن يوفر الإنترنت المجاني لسكان لكوكب الذي نعيش فيه. و "آبل" أعلنت أخيراً عن اتجاهها للاستثمار في السيارات الذاتية القيادة.

لا ريب أن شركات التكنولوجيا ستصطدم بتقاليد وظروف عالم الإنتاج التلفزيوني المعقد، والذي يسير غالباً وفق معادلات غامضة، فالنجاح التلفزيوني يبقى لغزاً لا يمكن التنبؤ به أبداً، وكما بينت مئات الأعمال التلفزيونية التي صرفت من أجلها أموال طائلة وانتهت إلى الفشل والنسيان. وللنجاح في عالم إنتاج المواد الترفيهية، يتوجب على شركات التكنولوجيا العمل بذهنيات شركات الإنتاج التلفزيونية نفسها، ودراسة السوق المكتظ بالأعمال الجيدة والتي لا تجد أحياناً من يتابعها من الجمهور المشتت اليوم بين مئات القنوات وشركات الإنترنت المجهزة للترفيه. فيما سيكون لفشل المواد الحصرية لشركات التكنولوجيا، أثر مهم على سمعة هذه الشركات، بخاصة تلك التي اعتادت النجاحات الكبيرة في كل ما تقوم به في الماضي.

موقع "فيسبوك" الأمريكي الشهير يقترب من الإعلان عن خطة إنتاجية كاملة لبرامج ومسلسلات ستعرض ضمن خدمة جديدة يخطط لها وفقا لمصادر رصينة.

قد ينال إعجابكم