متابعات

السينما الوثائقية الهولندية في تونس

ذكرى المخرج الهولندي جوهان فان دي كويكن

 
تحتفل تونس هذه الأيام بالسينما الوثائقية العالمية من خلال تنظيم تظاهرة سينمائية كبرى أقدمت عليها الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي بالتعاون مع سفارة هولندا بتونس من خلال الاحتفاء بالمخرج الهولندي الكبير جوهان فان دي كويكن. وستمتد التظاهرة بين يومي 12 و15 فبراير الجاري بقاعتي البرناص ودار الثقافة المغاربية ابن خلدون، حيث ستعرض أفلامه الوثائقية وستناقش في ندوة خاصة.

ومن المنتظر أن يعرض في افتتاح هذه التظاهرة مساء اليوم بقاعة البرناص الشريط القصير «حاضر غير مكتمل» الذي مات صاحبه أثناء تصويره ومدته عشر دقائق يليه الشريط الطويل «السيد والعملاق» (70 دقيقة) إنتاج سنة 1980.
وسيتابع عشاق السينما الوثائقية في تونس وعلى امتداد التظاهرة في قاعة دار الثقافة ابن خلدون أكثر من 25 فيلماً وثائقياً لجوهان فان دي كويكن منها: اليوميات،1972 وفي نحو الجنوب 1981 -2000 والجدار 1973 والأعمى 2- 1966 وعطلة السينمائيين 1974 والجدران الأربعة 1965 والأزمنة 1984 والطفل الأعمى 1964 وروح العصر1968 وغيرها من الأفلام الوثائقية.
كما ستشهد قاعة ابن خلدون لقاء مع الناقدة الهولندية باتريسيا بيستر ولقاء آخر مع الناقد السينمائي التونسي الهادي خليل للتحاور حول أعمال المخرج جوهان فان دي كويكن ومساهمته المتميزة في السينما الوثائقية العالمية.
 ويأتي تنظيم هذه التظاهرة استمراراً للجهود التي تقوم بها الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي والتي تأسست سنة 1980، وقد سبق أن احتفلت برموز السينما العالمية مثل بيار بولو باسوليني وريني ويرنار فاسبيندير وروبارتو فيلليني، وفرانسوا تريفو وناني موريتي وغيرهم من السينمائيين العالميين.
جدير بالذكر أن جوهان فان دي كويكن هو أحد الأعلام البارزة في السينما الوثائقية العالمية ولد في الرابع من إبريل عام 1938 في أمستردام. ويعتبر مؤلفاً ومصوراً وصانع أفلام وثائقية. أنتج في سيرته المهنية التي تمتد إلى 42 عاما من العطاء، 55 فيلما وثائقيا، حازت ستة منها ثماني جوائز. إلى جانب ذلك ألّف كويكن كتباً عن التصوير وعن الأفلام- وهي مجال اهتمامه. تحصل على سبع جوائز عن عمله، وجائزة أخرى على تصويره.
 بدأ كويكن بممارسة فن التصوير عندما كان في سن الثانية عشرة. في عام 1955، عندما كان عمره سبعة عشر عاماً نشر أوّل كتاب صور له بعنوان " نحن أبناء السابعة عشرة". بعد أن أنهى دراسته في معهد التصوير السينمائيّ في باريس، تعاطى صناعة السينما. في نفس الوقت، بدأت تنشر أعماله وكتاباته عن الصورة والأفلام في المجلات الهولندية. بعد عام 1977 أخذ يكتب بشكل ثابت في مجلة "سكرين" الهولندية السينمائية. صنع كويكن عدداً كبيراً من الأفلام، ونشر عدة كتب لصور الفوتوغرافية، وأعد معارض كثيرة، ودرّس في كليات سينمائية أميركية وأوروبية.

عندما توفي كويكن في يناير عام 2001، كان يتمتع بشهرة عالمية بصفته صانع أفلام وثائقية غير تقليدي. لكن كتاباته حول الموضوع لا تقل أهمية عن أفلامه وتصويره. كان كويكن في أفضل مكانة تعرّفه كيف تساهم الظروف الفعلية في تصميم وتحديد الفيلم، وبصفته كاتباً، كان يمتلك موهبة تحويل ذلك إلى كلمات.
في كتابه الصادر عام 2001، صور متحركة، نجد عددا هائلا من المقالات والمقابلات التي تم جمعها في كتاب. يكتب كويكن فيه عن أعماله وأعمال الآخرين، وعن السياق السياسي والثقافي الذي يضطر صانع الفيلم للعمل في ظله. تطفو على السطح القضايا الأخلاقية والسياسية في تحليله لممارسة صناعة الأفلام ولموهبته في قراءة وتحليل الصور.
"الفلسطينيون" الفيلم الغائب في تظاهرة تونس
يعتبر فيلمه"الفلسطينيون" واحدا من أهم الأفلام الوثائقية غير العربية التي تطرّقت إلى القضية الفلسطينية وفي حوار أجراه معه رون بيرنيت يتحدث عن فيلمه قائلا:
"من فيلم لآخر قد تغير وجهة نظرك. أشعر أن هناك ثيمة واحدة قوية تربط بين أفلامي. أشعر أحيانا أني أقوم بالشيء ذاته في جميع أفلامي. دائما توجد نفس القصة، لكنها تؤخذ في اتجاهات مختلفة، من وجهات نظر مختلفة موجودة داخلي.. رغم أن كل فيلم جديد يبدأ برؤية معاكسة لما سبقه. فيلمي "الفلسطينيون" كان ردة فعل فورية على الوضع، لذا كان اهتمامه بنفسه على مستوى الانعكاس الذاتي أقل. وهذا اختيار أخلاقي وسياسي مهم. بينما في فيلم "أوان الربيع" بدا التصريح الثيماتي وضبط المشاعر أمرا مهما، في فيلم "الفلسطينيون" كانت هناك حاجة ملحة لأن يتيسر الفيلم لمجموعة معينة من الأشخاص.. لجنة دعم القضية الفلسطينية في هولندا.. وهي دولة لم تفهم يوما ذنبها كواحدة من الأسباب الرئيسية في عدم فهمها للفلسطينيين... ذنب، نتيجته السياسات التي انتهجتها هولندا أثناء الحرب العالمية الثانية..."
وعن سؤال النجاة من فخ التخييل في فيلمه عن الفلسطينيين يجيب كويكن:
"أنا أقوم بالتخييل بهدف الوصول إلى الحقيقة. في فيلم "أوان الربيع" تجد أشخاصاً يتحدّثون- وهناك تظاهر بالحقيقة- لأنّ هذا هو التزام صانع الفيلم- الذهاب لرؤية هؤلاء الأشخاص والاستماع إليهم وهم يتحدثون... إلخ. لا أستطيع أن أضمن أن كل ما يقولونه صدق لكنني أستطيع إنشاء علاقات بين الأشخاص المتحدثين. بهذه الطريقة أحاول خلق إطار شامل للخطابات المختلفة. ذكرت بالنسبة لفيلم "الفلسطينيون" أنه في بداية الفيلم توجد صورة ليهودي عجوز في غيتو. قمت بطباعة كل إطار خمس مرات. تتواجد هذه على الشاشة لمدة دقيقتين مع نص قصير وذكر المرحلة- مثل الموسيقى. أعتقد أن هذا في حد ذاته يخالف روح التقاليد الوثائقية. هنا الصورة مسطحة تماما، لا يمكنها أن تمرر معلومات أكثر مما فعلت في النظرة الأولى. إذا، أنت ممثَل في صورة تفرغ نفسها، والنص الذي أقوله أنا له ميزات النص المحكي على لسان شخص آخر. أعتقد أنك في هذه الحالة تقوم بإنشاء علاقة مختلفة مع الوثائقي. واضح جدا أن الصورة لا تتواجد هناك لدقيقتين كي تثبت شيئا. إنها تعطي فقط قاعدة للمادة، صورة ونص للمشاهد.
وتترك الأشياء مفتوحة، أشياء لم تقل حيث يستطيع المشاهد أن يملأها، وتؤسس إطارا تجد فيه العناصر المسجلة مكانا لها. ما حاولت القيام به في فيلم "الفلسطينيون" في التعليق، هو منح التعليق مكانا وذلك كي يخاطب ما هو جمالي أكثر، عناصر سلبية، وليست عناصر ديناميكية. بهذه الطريقة لا يمكن للتعليق أن يتدخل في الفعل نفسه. في عملية البناء ككل، هناك جانب مهم واحد على المستوى التعليمي للفيلم، وهو أن جميع الأشياء التي يقولها أشخاص لأشخاص آخرين تعود إلى مواضع في التعليق العام. يروي مدير المدرسة تاريخ فلسطين، قدوم اليهود، وسياسة بريطانيا- كل هذا يعكس ما قيل سابقا في التعليق في بداية الفيلم. إذا، هناك زوايا مختلفة، زاويتي التخييليّة بطريقة ما- فهم ما يحدث مختلف تماما عن عملية إحصائي لهذه الحقائق، أو الحقائق المفترضة في التعليق، والتي لا تتطابق مع الصورة. الصورة هي مجموعة مشاهد محدودة تم تصميمها أثناء عملية الطباعة والتي تم تكرارها، وإلى حد معين تتعامل مع التسلسل التاريخي المفترض... أعتقد أن هذه أدوات قد تمكن الجمهور من إدراك أنه لا يوجد تظاهر بأي مزاعم تاريخية أو أصلية.
الاختلاف الحاسم بين فيلم "الفلسطينيون" والأفلام التي قمت بها قبله هو الموضوع، فمع موضوع مثل "الفلسطينيون" أنت تنتقل إلى فضاء أصغر. في فيلم رنان، هناك عنصر للمسرحية—اللعبة بين صانع الفيلم وبين كل مشاهد والتي نجدها في المقدمة أكثر مما هي في مضمون الفيلم الوثائقي. في فيلم "الفلسطينيون" عنصر المسرحية ذو مستوى أقل قوة ونفوذا من عنصر الخطاب المباشر للأشخاص- وهذا هو الخيار الأخلاقي. من المهم الحديث عن الواقع بمصطلحات العلاقات وليس فقط بالحقائق. ستكون هذه علاقات رسمية بشكل طبيعي، لكن الشكل هنا تحول إلى المضمون— فتتحول هذه إلى علاقات مضمون. لذا يجب على الفيلم أن يرسل مجموعة من العلاقات للجمهور وأعتقد أن الفيلم نجح في هذا المستوى.
وعن حقيقة ضمور الجمالية والألعاب السينمائية الفنية في الفيلم يقول كويكن لمحاوره:

"تظهر الجمالية بشكل كامل. لا يتم هدمها. هي مختبئة أكثر، مخضعة ربما، لكن الأمر يتعلق بمشاعرك تجاه العالم الخارجي الذي تتعامل معه. هذا الأمر ليس نتيجة حسابات معينة تجاه الجمهور، وإنما هو رد فعل حدسي تجاه الناس والواقع أمام الكاميرا.. المسرحية الرسمية يجب أن تكون هناك للمساعدة على الاتصال، لكن فيلما مثل "الفلسطينيون" ليس مضماراً بالنسبة لي للاكتشاف وللعبث بقضايا الجمالية.
وعن عدم عرض فيلم "الفلسطينيون" ضمن تظاهرة تونس يقول رئيس الجمعية الناصر الصردي إن الجمعية سبق أن عرضت الفيلم في تظاهرات أخرى وقد اختارت أن تعرض أفلاماً جديدة له لم يسبق أن شوهدت في تونس.

 
مؤلفات كويكن وإنتاجه السينمائي:

- 1955 نحن أبناء السابعة عشرة (كتاب صور)
وراء الزجاج، 1957 (كتاب صور)
1960 -1957: فيلم 10 دقائق: Paris à l'Aube
1960: يوم الأحد (14 دقيقة)
1960-1963: فيلم لحظة صمت (10 دقائق)
1962: 4 أفلام حول فنانين هولنديين:
 Yrrah 5 دقائق
, Tajiri 10 دقائق
, Opland 12 دقيقة
 Lucebert, Poet-Painter 16 دقيقة
1963: المرأة العجوز (25 دقيقة)
1964: الولد الإندونيسي (40 دقيقة)
 الطفل الأعمى (24 دقيقة)
1965-1966: عرض شامل لعمل تصويري في مختلف المتاحف الهولندية
1968: روح العصر (32 دقيقة)
 القطة (5 دقائق)
 الشارع فارغ (7 دقائق)
1973: الباب (11 دقيقة)
 القلعة البيضاء (78 دقيقة)
 أوبرا فيتنام (11 دقيقة)
 الجدار (9 دقائق)
 درس القراءة (11 دقيقة)
1975: الفلسطينيون (45 دقيقة)
 أوان الربيع (80 دقيقة)
1980: السيد والمارد (70 دقيقة)
1980-1981: الطريق غربا (143 دقيقة)
1986: أنا أحب $ (145 دقيقة)
1989-1990: القناع (55 دقيقة)
1994: ميلاد طوني (9 دقائق)
2001: صور متحركة (أفلام، صور، نصوص)

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

"صرخات من سوريا"

وثائقي مذهل أغلب مشاهده حيّة صورها سوريون بكاميرات ديجيتال شخصية، يقدم نظرة بانورامية عن المأساة السورية ويعيد الثورة...