متابعات

بعد 20 سنة: جدار برلين في عين السينما

 وسط عدد من الإعلاميين والجماهير النوعية اختتمت مساء الأربعاء 18 مارس بتونس 2009 تظاهرة التاريخ الألماني عبر الشاشة التي نظّمها معهد غوته بتونس بالاشتراك مع مؤسسة أفريكا آر في الذكرى العشرين لإسقاط جدار برلين حيث عُرضت خمسة أفلام وثائقية وروائية من عيون السينما الألمانية المعاصرة والتي سبق أن انتزعت نجاحات كبرى في المهرجانات الدولية للسينما.

وقد انطلقت التظاهرة يوم 13 مارس 2009 بافتتاح حضره بعض المخرجين الألمان المشاركين بأفلامهم ضمن هذا الاحتفال السينمائي مثل مارك بويدر ودورت فرانك، كما حضر عدد من السينمائيين التونسيين على غرار المخرج الفاضل الجزيري.

الجدار المؤلم/الجدار الملهم

لم يكن جدار برلين جدارا عاديا عندما شرع في بنائه سنة 1961 ليفصل بين الألمانيتين: جمهورية ألمانيا الاتحادية "ألمانيا الغربية" وجمهورية ألمانيا الاتحادية "ألمانيا الشرقية" فقد كان جدارا فاصلا بين أيديولوجيتين وسياستين وثقافتين: واحدة يحرّكها الفكر الغربي الرأسمالي والثانية يسوسها الفكر الاشتراكي والحلم الشيوعي. وكانت برلين ضحية هذا التقسيم الذي شطرها نصفين لتتمزّق بين الشدّين المتعاكسين وتكون شاهد عيان على الحرب الباردة وفضاء لصراعات المعسكرين.
وقد جاء بناء الجدار في محاولة لعزل الجانب الشرقي عن الجانب الغربي من ألمانيا نتيجة حركة الهجرة المكثفة التي شهدتها ألمانيا الشرقية لسكانها ونخبها المتعلمة خاصة وهو ما أسقط البلاد في أزمة اقتصادية حادة حيث تذكر المصادر أن قرابة 3 ملايين ألماني ترك ألمانيا الشرقية في اتجاه الجانب الغربي ما بين سنتي 1949 و1961.
ولم يكن تهديم ذلك الجزء الصغير من الجدار سنة 1989 بالأمر الهين فقد ظل الجدار العازل قائما لمدة 28 سنة يعزل أبناء الشعب الواحد الذي جعلته هزيمة الحرب الكونية الثانية يدفع ثمنا باهظا تمظهر بعضها في هذا الجدار الذي تحوّل إلى كائن حي أو كائن كابوسي لا يمكن أن يغيب عن ذاكرة الألماني وخاصة من الجيل المولود في بداية الستينيات والذي لا يعلم شيئا عن ألمانيا ما قبل الجدار.
لقد جاءت إزالة الجدار إعلان وفاة رسمي للشيوعية وهزيمة نهائية للمعسكر الاشتراكي وليس غريبا أن تتزامن إزالته مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار البروسترويكا.
غير أن تهديم جدار برلين لم يمرّ دون مخلّفات نفسية على الألمان فقد شكّل غيابه فجأة صدمة للكثير من أبناء ألمانيا الشرقية فقد استفاقوا على هزيمة جديدة هي هزيمة الفكر بعد هزيمة العسكر. وكذلك كان الأمر أكثر فظاعة على الذين خرجوا من السجون السياسية ليجدوا التّهم-الجوسسة والخيانة...- التي أدخلتهم الزنازين قد تبخّرت ولم يعد لها معنى.
كل ذلك الإرث النفسي الذي خلفه الجدار بحضوره وغيابه كان حقلا خصبا للكتّاب والفنانين الألمان إن كان ذلك في الفنون التشكيلية أو المسرح أو السينما. وفي هذه النقطة بالذات تتنزّل هذه التظاهرة في تونس لتسلّط الضوء على المعالجة السينماتوغرافية لذلك التحوّل من حال التفكّك والتجزئة إلى حال الوحدة وإعادة التشكّل.

خمسة أفلام بين الوثائقي والروائي



فيلم الجدار Die mauer

انطلقت العروض مساء الجمعة 13 مارس بفيلم الجدار للمخرج يورغن بوتشر من انتاج سنة 1990 قام بتصويره توماس بلينيرت والمخرج من مواليد فرانكنبرغ في 8 يوليو 1931. بعد الحرب العالميّة الثانية، قام بدراسة فن الرسم في أكاديميّة الفنون الجميلة في درسدن بين الأعوام 1949-1953. ثمّ عمل كرسام حر وكمحاضر في الجامعة. بدأ بوتشر في عام 1955 بدراسة الإخراج في أكاديميّة السينما في بابلسبرغ، وفي عام 1960 تحصّل على شهادته السينمائيّة عن فيلمه Notwendige Lehrjahre. عمل بين الأعوام 1961-1990 في استوديو ديفا للأفلام الوثائقيّة. واجه صعوبات مهنيّة عندما عُرض له عمل فني في أكاديميّة الفنون حيث أثار ضجّة. في منتصف السبعينيات تحوّل اهتمامه إلى الرسم أكثر. مع فتح الحدود بين شرق وغرب برلين في نوفمبر 1989، بدأ بوتشر بتصوير فيلمه "السور" بكاميرا توماس بلينيرت. انتهى تصوير الفيلم في أغسطس 1990.
 
فيلم الجدار أو السور هو فيلم وثائقيّ غير تقليديّ يروي حكاية سور برلين في أيامه الأخيرة وانهياره. الكاميرا تلتقط لحظات عاديّة وأخرى تاريخيّة دون تعليق شفهيّ. وعلى سور برلين المنهار، تتحرك الكاميرا بمشاهد تاريخيّة بارزة- من الطريق الذي سلكه الإمبراطور فيلهلم عبر بوابة براندنبرغ، إلى موكب مشاعل النازيين، إلى مشهد قفز رجال شرطة ألمانيا الشرقيّة فوق الأسلاك الشائكة باتجاه غرب ألمانيا عندما تمّ بناء السور، وحتّى سقوطه.
فيلم مصوّر بإحساس فني عالٍ ويعكس روح برلين في تلك الفترة.

فيلم (لكلّ واحد سرّه) Jeder schweigt von etwas anderem

في اليوم الثاني عرض فيلم لكلّ واحد سرّه وهو فيلم وثائقيّ من إخراج مارك بويدر ودورت فرانك (2005/2006)
فيلم يروي حكاية ثلاث عائلات في بحثها عن الطريق السليم لمعرفة تاريخها في فترة الجمهوريّة الألمانيّة الديمقراطية أو المعروفة بألمانيا الشرقيّة. آن، أوتس، ماتياس، وتاين جميعهم كانوا في نفس أعمار أبنائهم اليوم عندما حُكم عليهم بالسجن. وجميعهم يتخبّطون بين الخوف من الاتصال والرغبة في تحرير أنفسهم. أربعة سجناء سياسيين من فترة الجمهوريّة الألمانيّة الديمقراطية، تم اعتقالهم وسجنهم بتهمة معارضة النظام، ثمّ تحريرهم في ظلّ حكومة ألمانيا الغربيّة حيث نجحوا في شقّ طريقهم في الحياة في ظلّها. كلّ واحد منهم يروي حكايته وتجربته. يحاول بويدر وفرانك المخرجان معرفة إلى أيّ حدّ نجح هؤلاء السجناء المحررون في تعدّي الصدمات النفسيّة التي واجهها الأبطال الأربعة في ظلّ النظام الاشتراكي السابق.

 واختتم العرض بنقاش بين المتفرجين والإعلاميين والمخرجة دورت فرانك والمخرج مارك بويدر اللذين حضرا خصيصا من ألمانيا لمتابعة هذه التظاهرة وقد شارك المخرج الفاضل الجزيري في هذا النقاش حول السينما والتاريخ والتيمات الممنوعة والمسكوت عنها في السينما الألمانية وقدم رأيه في علاقة السينما بالتاريخ وضروب التعامل مع الوثيقة والحدث التاريخي. وقد أكّدت المخرجة أنها عاشت تقريبا نفس الظروف التي تحدث عنها الفيلم وأنها بقيت مدة طويلة بعيدة عن والديها بينما نفى المخرج الشاب مارك بويدر أن تكون للفيلم علاقة بحياته الشخصية.
وجدير بالذكر أن مارك بويدر من مواليد 1974 يعيش في برلين درس الاقتصاد ثم درس في المعهد العالي للسينما والتلفزيون وقد أخرج أربعة أفلام وثائقية، بينما دورت فرانك من مواليد 1974 غادرت ألمانيا في الثمانينيات ودرست العلوم السياسية قبل أن تدرس الدراما في المعهد العالي للسينما والتلفزيون. وقد أخرجت أكثر من سبعة أفلام وثائقية منذ سنة 2000.

فيلم وداعاً لينين (2003)

ثم دخلت التظاهرة في يومها الثالث عالم السينما الروائية فكان جمهور السينما الألمانية على موعد مع الفيلم الشهير وداعا لينين وهو فيلم يمكن تصنيفه ضمن سينما السخرية السوداء حيث تعانقت فيه الكوميديا بالتراجيديا، الفيلم من إخراج: وولفغانغ بيكر، وتمثيل دانيئيل بروهل، كاترين ساش، شولبان خاماتوفا، ماريا سيمون وفلوريان لوقاس.

 ينطلق الفيلم بمقدمة قصيرة يتحدث فيها ألكساندر كيرنر عن فخره مثل أبناء وطنه الآخرين بوصول أوّل رجل ألماني الفضاء، وهو سيجموند يين، الذي جاء من شرق ألمانيا.
تدور باقي أحداث الفيلم شرق برلين منذ أكتوبر عام 1898 وبعد توحيد ألمانيا بعام. يعيش أليكس مع أخته أريانا، ووالدته كريستينا، وابنة أريانا. هرب والده غرباً عام 1978. وأثناء غياب الزوج، وتجنّباً لاضطهاد الحكومة، تظهر الأمّ مساندتها لحزب الوحدة الاشتراكيّة وتبنّيها للنظام الاشتراكيّ. وعندما تعلم بخبر اعتقال ابنها أليكس أثناء مظاهرة معارضة للنظام، تُصاب بنوبة قلبيّة وتقع ضحيّة المرض والغيبوبة.

لقطة من فيلم "وداعا لينين"

في هذه الفترة التي تغيب فيها الأم عن الوعي، ويهدم جدار برلين وتقع ألمانيا الشرقيّة في براثن الرأسماليّة. تستيقظ كريتينا الأم من غيبوبتها بعد مرور تسعة أشهر، وهي لا تزال تعاني من هشاشة. يحذّر الطبيب أسرتها من خطر تعريضها إلى أي انفعال أو أيّ صدمة فقد تعرّضها لنوبة قلبيّة ثانية. فيحاول أليكس أن يخفي عن والدته الحقائق الفعليّة على أرض الواقع، مع إيهامها بأنّ الأمور ما زالت على حالها، فيقوم هو وأخته بإعادة ديكور البيت والملابس والأثاث وكأن الجمهوريّة الديمقراطيّة الألمانيّة ما زالت على حالها. لوهلة تنجح خطتهم، ووسط جوّ كوميديّ يقوم أليكس بتسجيل تقارير وأخبار مزيفة يعود سياقها التاريخيّ إلى فترة ألمانيا الشرقيّة قبل التوحيد وذلك ليبرر سبب وجود بعض الأحداث والظواهر الجديدة التي تثير دهشة الأم.
تستعيد الأم عافيتها وتخرج في جولة بينما أليكس غارق في نومه، فتكتشف ما حدث.
فيلم يحكي قصّة شابّ من شرق ألمانيا حاول الحفاظ على التقاليد الاشتراكيّة حفاظًا على صحّة والدته.
حصد هذا الفيلم عددا كبيرا من الجوائز في مهرجان الفيلم الأوروبي الذي أقيم في العاصمة الألمانية برلين، واختير كأفضل فيلم لعام 2003.

فيلم Nikolaikirche (كنيسة القديس نيكولاس) (1995)

أما مساء الاثنين 16 مارس فقد شاهد الجمهور فيلم Nikolaikirche وهو فيلم من إخراج فرانك باير المأخوذ عن رواية للكاتب أريك لويست، الذي يروي اللحظات الحاسمة في رواية انهيار ألمانيا الشرقيّة، والتحوّل الذي حدث من الاشتراكيّة إلى الحريّة، وكيف أثّرت هذه الأحداث على تفكك أسرة واحدة على وجه الخصوص. يعيد الفيلم أحداثًا وقعت في كنيسة القديس نيكولاس في مدينة لايبزغ أثناء الثورة المسالمة عام 1898، وهي الفترة التي كان اقتصاد الدولة فيها ينهار مع محاولات العسكريين إخماد المظاهرات التي اتّسعت في المدينة على شكل لقاءات دينيّة. العديد من المتظاهرين لم يكونوا من المسيحيين الملتزمين الّذين رأوا في الكنيسة مكان انطلاقة مناسبا للاحتجاج على الظلم، حيث أعلن القسّ عن فتح بوابة الكنيسة للمؤمنين وغير المؤمنين في مواجهة الأحداث.

لقطة من فيلم "كنيسة القديس نيكولاس"

وفي ليلة الثامن من أكتوبر، 1989، نزل أكثر من 70000 مواطن في شوارع مدينة لايبزغ، حيث حثّ القس المتظاهرين قبل البدء بالمسيرة على ضرورة نزع صفة العنف عنها، في الوقت الذي كان ينتظر فيه عساكر الأمن الأوامر والتعليمات من موسكو وبرلين حول احتمال استخدام وسائل العنف ضدّ المتظاهرين لتفكيك المظاهرات. لكن الأوامر لم تصدر، والشرطة رفعت يديها مستسلمة للأمر الواقع.
بعد هذه الأحداث بشهر سقط جدار برلين. رئيس جهاز الأمن الذي أراد قمع التمرّد يظهر في الفيلم وهو يحدّق في الحشود أمام مركز القيادة. "لقد خطّطنا كلّ شيء" يقول "كنا مستعدين لكل شيء، إلاّ للشموع والصلوات".
وفي الفيلم نسمع أكاذيب دولة ألمانيا الشرقيّة ونشاهد الحقيقة كما هي. نرى دولة أصبح فيها معنى الولاء موازياً لمعنى القوة: "نحن نتبنى الأقوياء فقط" هذا ما يقوله الأخ لأخته في محاولة إقناعه لها بالانضمام إلى حملة حقوق المواطن. فقد كانت صفة الولاء صفة ضروريّة للمواطن اعتمدت عليها الدولة. لكن، لم يكن هناك أيّ ولاء للدولة، كما يظهر في الفيلم، لم يكن هناك سوى الخوف والأكاذيب، مما أدّى إلى انهيارها. فيلم يذكرنا بسقوط بغداد وتبخّر الجيش العراقي.

فيلم برلين في ألمانيا (2001)

واختتمت التظاهرة بفيلم برلين في ألمانيا: فيلم من تأليف وإخراج هانس شتوهر تحصل على جوائز كثيرة منها جائزة جمهور البانوراما (2001)، جائزة الإشارة الخاصّة (2001)، جائزة النقاد (2002)، جائزة نقاد الفيلم الألماني (2002)، جائزة الوجوه الجديدة (2002)، جائزة القادم الجديد في ستوديو هامبرغ (2001).
يمكن تصنيف فيلم برلين في ألمانيا على أنّه أكثر ما يتمنّى المشاهد الغربي رؤيته في فيلم أوروبيّ جديد حول صورة ألمانيا الشرقيّة سابقًا بعد مرور أحد عشر عاماً. يلعب فيه الوجه الجديد يورغ شوتاوف دور البطل مارتن شولز مواطن من ألمانيا الشرقية، حيث قضى هذه الأعوام الأحد عشر في السجن وخرج للتوّ ليرى بلاداً لم يكن يعرف عنها شيئاً إلاّ من خلال ما يشاهده في التلفزيون، وليشهد عصر ألمانيا بعد إعادة توحيدها مواجهاً نتائج هذه الخطوة.

 يعود مارتن ليعيش في بلاد لم يعد يعرفها، وزوجة صارت ملكاً لشخص آخر، وابن لا يعرف والده، وأصدقاء اختفوا، ولا عمل له في ألمانيا.. البلاد التي لم يعد يمتلك قدرة التعرّف عليها بعد توحيدها. فلحظة تحرره من السجن، هي اللحظة التي يفقد فيها إحساسه بوطنه. فهو مطالب بتبنّي هذه الحياة التي لم يألفها، والاندماج في مجتمع لم يعرفه إلاّ عبر التلفزيون. يركّز الفيلم على التفاصيل كثيراً، لكنّه في الوقت نفسه يبني صورة بارعة للمجتمع ككل- لقطة فوتوغرافيّة كاملة. فيلم تتعاطف فيه مع البطل في إطار الحكاية الإنسانيّة وما يواجهه الفرد من مصاعب العودة إلى حضن مجتمع تغيّر في أحد عشر عاماً.
 يطرح الفيلم بقوّة مسألة الهوية المتحرّكة وأزمة التعرّف على الذات في وضع سريالي حوّل لحظة الخروج من السجن إلى لحظة ضياع كلي وفقدان أكبر من فقدان الحرية. إنه فقدان الذات والوطن معا.
يقول المخرج في حوار أجري معه إن فكرة الفيلم مقتبسة من حكاية حقيقية رواها له أحد أصدقائه وعن العنوان الغريب للفيلم يذكر المخرج أنه كان يراجع درس الانجليزية إلى أحد أبناء صديق له اسمه روكو ووجد أنه كتب على كراسه المدرسي "أنا طفل من برلين, برلين في ألمانيا" فشدته الجملة برموزها وعفويتها ووجدها مناسبة لانفعالات بطل الفيلم الذي يخرج من السجن ويريد أن يعيد ترتيب حياته من جديد فيصطدم بالخارج المتغيّر الذي أصبح فضاء مستحيلا.

السوداوية المعاصرة ترثي الحلم الألماني القديم

لا يمكن متابعة السينما الوثائقية الألمانية دون استحضار روائع "ليني ريفينستال" التي بدأت حياتها الفنية ممثلة أدواراً ثانوية قبل أن تصبح أهم مخرجة للأفلام التسجيلية في ألمانيا النازية، مما دفع هتلر إلى تعيينها مشرفة على إنتاج الأفلام الدعائية الرسمية. وهي التي أفلامها اليوم في جامعات السينما في العالم كنموذج للإبداع السينمائي الوثائقي الذي تسجّل فيه الثقافة التشكيلية حضورا لافتا. وكدليل على بقاء الفن وإن انتهت الأيديولوجيا التي كانت وراء وجوده.
أعادتنا بعض الأفلام التسجيلية الألمانية الجديدة، برؤيتها السياسية الدرامية وفنّيتها العالية إلى رونق السينما الألمانية التي عرفت تألقها منذ بداية القرن العشرين.
غير أن أحفاد روتمان وريفينستال ووستاتنهوف على عكس أسلافهم الذين كانوا يروّجون للقوة والجمال والحلم بدوا بأفلامهم الخمسة يؤرخون للهزائم وللخيبات ويسجلون العذابات التي خلفها انهيار ذلك الحلم وتحوّله إلى كابوس بشع يطارد حاضر الألمان ومستقبلهم.

تبقى مبادرة أفريكا فن ومعهد غوته خليقة بالتقدير لرهانها على العمق الإنساني والثقافي من خلال أفلام عالجت السياسي برؤى جمالية مختلفة، وتجدر الملاحظة أن العروض كانت مفتوحة للعموم بالمجان ومع ذلك فقد لاحظنا أن الإقبال الجماهيري كان ضعيفا أحيانا حتى من المنتمين إلى الحقل السينمائي من طلبة وسينمائيين شبان بينما تهافت على القاعة الأجانب من الألمان ومن جنسيات أخرى.

قد ينال إعجابكم