متابعات

كيف تشوه هوليود صورة العرب ؟؟

فيلم وثائقي جريء للأمريكي " جاك شيهان "...
محمد بلوش- المغرب 

منذ البدايات الاولى للسينما الصامتة، مرورا بالناطقة، ترسخت في الافلام الكولونيالية التي انتجت في مجموعة من الاقطار العربية الاسلامية صورة نمطية سيئة عن " العرب "، ليصبح الشرق رديفا لعوالم الاثارة والسحر والجسد الانثوي المستباح، اضافة الى التصوير الكاريكاتوري الساخر للاسلام، وكل انواع الرذائل والتناقضات في طباع الشخصية..
تلك الصورة السلبية للعربي في الافلام الاوروبية الكولونيالية، ستتنقل الى هولييود والصنعة السينمائية الامريكية، عبر مختلف تحولاتها ، ومن خلال كل الاجناس الفيلمية التي انتجتها ..
 " جاك شيهان " يقدم من خلال فيلمه الوثائقي  " خلاصات لبحث استغرق سنوات طويلة، وتشريحا لاكثر من 1000 فيلم امريكي حول كيفية تعامل هولييود مع صورة " العرب" من خلال الافلام الامريكية عبر عقود، والاستنتاجات التي يدلي بها على امتداد د قائق الفيلم ، صادمة، وتؤكد صحة خلاصته العامة: العرب هم الشعب الاسوأ ظهورا في انتاجات هولييود عبر تاريخ الانتاج السينمائي الامريكي عامة ...

جاك شيهان

كان الرهان الاساسي الذي حاول " شيهان " تحقيقه عبر عمله الوثائقي حول تمظهرات العرب في السينما الامريكية، هو ابراز مايرفض العديدون مشاهدته، اي الحضور القوي والخطير في نفس الوقت لصور نمطية جاهزة ، تذهب الى حدود نزع اي نزوع انساني عن العرب، صور انتشرت في مخيلة الامريكي للاسف بشكل يصعب محوه او تصحيحه بسهولة.
تلك الصور النمطية والسلبية لا تبتعد تارة عن استلهام عوالم الاسطورة والمتخيل، كاستلهام وصفة " علي بابا" او " البساط الطائر"، وغيرها من المعتقدات المترسخة في الوجدان الغربي عموما لتوصيف العرب عبر قرون طويلة، بل، توقف المخرج امام افلام كارتون تكتفي بالاشارة دون التلميح او التضمين فيما يرتبط بطريقة تشويهها لصورة العربي، ومن تلك النماذج التي استشهد بها الفيلم الوثائقي لشيهان، فيلم " علاء الدين" ( 1992)، حيث ان كلمات اغنية الجنيريك استخدمت بنفس طريقة اداء اغاني سلسلة " لاكي لوك" الامريكية الشهيرة، مع تركز حاد في " علاء الدين" على كلمات وجمل صادمة ومهينة، فهي تقول على لسان الشخصية التراثية العربية : " أتيت من بلد ..بلد بعيد..حيث الابل والقوافل تتناسل.وحيث لايتورعون عن بتر اذنك اذا لم يحظ رأسك بالاعجاب..انها همجية..لكن، نعم.. إنه بلدي".

بل سيذهب مخرج نفس الفيلم الكارتوني بعيدا في استهزائه بالعرب، حين وظف مشهدا لأم فقيرة تصاحب ابنها الصغير في جولة باحدى الاسواق التقليدية الشرقية، وبدافع احساس الصغير بالجوع ستعمد بحركة لا إرادية نحو فواكه معروضة للبيع، حيث ستمد يدها نحو البضاعة لمنح صغيرها فاكهة، دون ان تتوقع ردة فعل البائع الذي استشاط غضبا واعتبر الامر سرقة، ليقوم ببتر يد الأم المسكينة امام نظرات صغيرها ( لكم ان تتصوروا تأثير مثل هذه المشاهد على الجمهور الغربي، والذي حتما سيزداد مقته للعربي الهمجي ولديانته التي يمتثل لقواعدها ).
وإذا كان فيلم " علاء الدين " استمرارية لنسق حضور العربي في افلام هولييود، فإن افلاما اخرى شبيهة على مستوى النوعية ربما ستذهب الى تكريس صور أفظع، كفيلم " علي بابا: كلب الصحراء المعتوه"، والذي يقدم صورة عن العربي لاتتجاوز شكل قاطع الطريق الذي قد لايتورع عن النباح، وبطبيعة الامر كان العنوان كافيا في مثل هذا النموذج لاستشراف طبيعة الخطاب الساخر والعنصري الذي سيحرك مثل هذه النوعية من افلام الكارتون .

إن جرأة " شيهان" في استهجانه لكيفية تعامل هولييود مع صورة العربي، نابعة من دراية الرجل القوية بالشرق الاوسط وبحقيقة الشخصية العربية، فقد كان مستشارا في شؤون الشرق الاوسط لقنوات تلفزيونية عملاقة من حجم " سي بي إس"، اضافة الى تعامله كمستشار فني مع شركات انتاج امريكية كبرى، واهتمامه بهذا الموضوع مدة زمنية تفوق ثلاثين سنة ..

ان العربي في تصور السينما الامريكية رديف لكل معاني العجز، البلادة والغباء، والكبت الجنسي، وهي كليشيهات يقدم عنها فيلم " جاك شيهان" نماذج عدة، عبر عقود متفاوتة زمنيا، وكأننا امام أركيولوجيا الصورة السوداء المستمرة على مسوى تشكل ملامحها، ومن تلك النماذج نذكر فيلم " هوكر السعيد يسافر الى واشنطون" ( 1977)، وفيلم " جزار الابتذال"( 1990)، الذي يتضمن مشهدا حواريا بين شخصيتين في مطعم، حيث سيصرح احدهما للآخر قائلا :
- كنا متوجهين الى مكة..والطائرة امتلأت بالعرب وحيواناتهم: ماعز، خرفان، دجاج..إنهم لايذهبون الى اي مكان ، إلا صحبة حيواناتهم ..
تقدم هولييود العربي كذلك كتاجر نخاسة، خال من المشاعر الانسانية والقيم النبيلة، ومن امثلة تلك الصورة النمطية فيلم " كلادياتور" ( 2000)، بحيث أن العرب هم من اختطفوا " راسل كرووي"، وامام هذا المشهد كما استدل به " شيهان" في فيلمه الوثائقي، سيستنتج ملاحظة مهمة بالفعل، خلاصتها أن هولييود تقحم مشاهد مسيئة للعرب ، ولو في افلام لاعلاقة لها بالشرق الاوسط اطلاقا، مضيفا نماذج اخرى كاستشهاد لتعزيز ملاحظته.
وانطلاقا من مقولة ل" جاك فلانتي"، مدير احدى شركات الانتاج الامريكية العملاقة، والتي تؤكد ان
" لواشنطون وهولييود نفس الخصائص التكوينية و الوراثية "، يمكن استنباط كون السياسة وافلام هولييود وجهان لعملة واحدة، مما يجعل بعض التحولات تمس الصورة الجاهزة للعرب في الانتاجات السينماية الامريكية، خاصة منها تلك التحولات التي ستلاحظ بعد الحرب العالمية الثانية، كنتيجة مباشرة لثلاث عوامل :
1/ الصراع العربي الفلسطيني، والذي نهجت بصدده الولايات المتحدة موقفا مساندا لاسرائيل .
2/ قرار العرب خلال بدايات سبعينيات القرن العشرين استعمال البترول كسلاح ضد الغرب .
3/ الثورة الاسلامية الايرانية التي دشنها سقوط نظام الشاه بهلوي بعد تصاعد شعبية الخميني اواخر السبعينيات.
ان تلك العوامل الثلاث ساهمت في جعل الشرق الاوسط يتموقع في صميم وقلب اهتمامات الاجندة السياسية الامريكية، لتصبح افلام هولييود بدورها مرسخة لصورة العربي باعتباره خطرا يهدد الامريكيين انفسهم، وفي هذا الاطار نفهم النبرة الاحتجاجية والمنتقدة عبر وسائل الاعلام الامريكية للخطر الذي قد يشكله اقتناء العرب للقنوات التلفزيونية الامريكية بالخصوص، كخطاب ساد بلاد العم سام طيلة السبعينيات، اضافة الى ظهور صورة الفلسطيني في تلك الافلام بشكل يسير على خط مواز لطبيعة الموقف الامريكي من ازمة الشرق الاوسط، فالكليشيهات النمطية المقدمة كانت تركز على تقديم الفلسطينيين كإرهابيين أشرار، دون استثناءات، وهذه هي الصورة التي نجدها مثلا في فيلم " ظل عملاق"
( 1966)، من خلال مشهد حواري بين " كيرك دوجلاس" و" جون واين"، حيث يخاطب دوجلاس صديقه قائلا:
- انظر.. هناك بلد محاط بخمس بلدان عربية، لا تتمنى الا الالقاء به في عرض البحر الابيض المتوسط، دون سلاح او عتاد.. ودون اي شيء..ذلك " الشعب" يقاوم بيديه العاريتين ...

لقد اصبحت صورة العربي / الارهابي تتناسل في افلام هولييود بشكل تصاعدي، ومن امثلة تلك النماذج فيلم " الاحد الأسود" ( 1977)، الذي يقدم المرأة الفلسطينية كإرهابية مهمتها قتل 80 ألف متفرج في ملعب رياضي بميامي، وهو تحوير خطير جعل الفلسطينيين يقدمون كما قلنا للرأي العام الامريكي وكأنهم يستهدفون وحدة او تماسك الشعب الامريكي نفسه، وهي ايديولوجيا قد نفهم منها منطقيا التماهي المطلق ما بين الامريكي والاسرائيلي..
" اذا لم تكن هوليود قد قدمت ولو عملا سينمائيا واحدا يصور الفلسطينيين بشكل انساني او موضوعي" ،فإن  من اسباب ذلك كما يصرح " شيهان"، " أن منتجين اسرائيليين " مناحيم كولان" و" يوران كلوبوس" قد أسسا شركة " كانون بيكتشورز"، وانتجا خلال عشرين سنة ما لايقل عن ثلاثين فيلما كلها تشويه وسخرية من العرب عامة، والفلسطينيين خاصة، حيث قدموا في تلك الافلام كشياطين وأشرار لا يستحقون اي تعاطف، ومن اكبر افلامهم الاكثر تجسيدا لذلك النزوع العنصري ، فيلم " ديلتا فورس" ( 1986)، الذي قام ببطولته الامريكي ذي الاصول اليهودية " شوك نوريس".
ان الفيلم الوثائقي " كيف تشوه هولييود شعبا" تناول محاور متعددة، منها صورة المرأة العربية السلبية في افلام امريكية كثيرة، وكذلك صورة الغرب عن الاسلام كخطر يهددها، مما يجعل هذا الفيلم جريئا وغير معتاد في نسقه وطريقة تنظيم خطابه، مقارنة مع ركام من الافلام الوثائقية الامريكية البعيدة عن الموضوعية، والاجمل في فيلم " جاك شيهان" انه ينتهي بنبرة تفاؤلية بصدد المستقبل، حيث الرهان على المخرجين الامريكيين الشباب من اجل محو تلك الصور النمطية التي قدمت من خلالها الافلام الامريكية مغالطات كثيرة وخطيرة حول العرب.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

عودة ملكة الصحراء

تعتبر جيرترود، بشخصيتها وتكوينها، من أكثر الشخصيات البريطانية بل والأوروبية عموما شغفا بالثقافة العربية والإسلامية ..