حوارات

سامي الحاج بطلا لفيلم روائي عالمي

فهل يمكن أن تكون الذات موضوعا ؟

حاوره حسن مرزوقي

سامي الحاج عنوان لقضية باقية. قضية كرامة وحرية. لم يكن سامي الحاج قبل غوانتنامو سوى مصور عادي في قناة غير عادية وربما لأنه كان كذلك فقد انتهى به المقام شخصا غير عادي.
أكثر من خمس سنوات من السجن والقهر في جزيرة بعيدة عن الناس والنور والحياة لم تغير في عزيمته شيئا ظل محبا للحياة بل ازداد حبا لها .. بقي سودانيا بسيطا بساطة قرى النيل يحملها في عقله والضمير.
سامي الحاج خرج من المعتقل كبير الهمة واسع القلب.. مريض الجسم ضعيف البنية.. وحبه للحرية يضع عنه إصر القهر والظلم.. خرج مريضا فلم ينتظر اندمال الجرح وانطلق سريعا يبحث عمن تركهم خلفه وغيرهم مثلهم في سجون القهر وصنع من مهنته سلاحا قويّا يسمع الصوت والألم. مهنته الضعيفة في ظاهرها القوية في صداها وأثرها.
التقيناه على مفترق الحديث وديعا في مكتبه وينتظر الجديد دائما كعهده بمهنته تقطف الجديد والجميل.

• أخ سامي الحاج مرحبا بك ضيفا على موقع الجزيرة الوثائقية وسنبدأ معك بسؤال وثائقي له علاقة بمحنتك ذات الصيت العالمي.. وأقصد فيلم "السجين345" ؟
شكرا لكم .. في الحقيقة للإعلام دور كبير في التعريف بالقضايا الإنسانية والفيلم الوثائقي بصفة خاصة هو أكثر الوسائل واقعية وصدقية في نقل الحقائق بأسلوب فني مؤثر وجميل. وقضية غوانتنامو تعتبر من القضايا الكبيرة التي شغلت الرأي العام العالمي والحقوقي في بداية هذا القرن.وقد لعب هذا الفيلم دورا كبيرا في التعريف بالقضية. وأعتقد أن هذا الفيلم قد خاطب شريحة كبيرة من الرأي العام ووضع قضيتي بشكل خاص وقضية المعتقل بشكل عام. ويمكنني أن أقول أن قضية غوانتنامو شهدت انطلاقتها الإعلامية الفعلية بعد هذا الفيلم

هل عبر تعبيرا حقيقيا عن معاناتك أم ظلت الصورة بعيدة عن الوجع الحقيقي؟
في الحقية استطاع الفيلم أن يوصل الفكرة إلى الراي العام ولكن المعاناة الحقيقية تظل دائما حقيقة صعبة الوصول إليها هذا مع احترامي الشديد للزميل عمر البني والقائمين على الفيلم الذين بذلوا جهدا جبارا في فترة كانت الأخبار شبه منقطعة عن غوانتنامو وما يجيري في داخله من أهوال. وبالتالي فإن ما كان يدور في المعتقل أفضع بكثير مما عرضه الفيلم. ولكن الشيء الجميل والمهم في الفيلم أنه أوصل الفكرة بشكل جيد.

إذن الصورة بعيدة عن الواقع ولم تستطع محاصرته بألمه وأمله ؟
فيلم "السجين 345" لم يعتمد على الصورة وإنما اعتمد على الشهادات أي أنه ليس وثيقة مصورة بقدر ما هو وثيقة محكية ولا نشك أن الحكي له دور يضاهي الصورة ولكن لا يمكن ان يعوضها. خاصة وأن الذين تحدثوا ليسوا كلهم عاشوا المعاناة وإنما  نقلوها بإحساسهم وأذهانهم وليس بعدساتهم.
الصورة هي المؤسس الأساسي للفيلم الوثائقي وخطورة الدور الذي يلعبه مرتبط بمدى قوة تأثير الصورة. وربما معاناتك جعلتك تدرك أكثر من غيرك أهمية الصورة في رفع مظلمة أو إنزالها بشخص. خاصة وانت تشرف اليوم على وحدة الحريات وحقوق الإنسان في قناة الجزيرة ؟
لا شك أن الفيلم الوثائقي يستند إلى الوثيقة المصورة وهناك شريحة لا تهتم بالأخبار وليس لديها ربما الوقت لمتابعة المعلومة فيأتي البرنامج الوثائقي ليستدرك ما فات تلك الشريحة ويقدم معرفة موثوقا بها. ونحن في وحدة الحريات وحقوق افنسان واعون بأهمية الوثائقي كوسيلة فعالة لإنجاح مهمتنا والتعريف بالمظالم قدر المستطاع. فالخابر عابر وسريع ومتجدد والوثائقي يحول الخبر إلى معلومة مصورة نستعملها متى احتجناها وقد سمي وثائقيا لأنه يوثق الحقائق وهو أفضل الوسائل المتاحة اليوم لتوثيق الحقائق والإقناع بها وجعلها من التاريخ المشاهد والحي. فقضية غوانتنامو مثلا يعرفها هذا الجيل ولكن الأجيال القادمة كيف ستعرف حيوية هذه القضية وقوتها من دون ذاكرة مصورة ومشهد حي لا شك أن الذاكرة ستكون ضعيفة.

وربما لهذا الوعي القوي بسلطة الصورة سمعنا أنك تستعد لكتابة سيناريو فيلم روائي يتناول قضيتك باعتبارها قضية رمزية لكل ظلم ومنع لحرية الرأي ؟
نعم هذا صحيح لأنني مقتنع بأن الكتاب له المكتوب له تأثيره ولكن الفيلم بشكل عام يفوق في تاثيره كل الوسائل المكتوبة فالثلاثة أبعاد للحدث الصوت والصورة والحركة كلها تكسو الفكرة كسوة فنية مؤثرة على المتلقي فيتم تلقي حقيقة الموضوع تلقيا سهلا ومغريا ومقنعا أيضا
ولكن أخ سامي أنت لست كاتب سيناريو انت إعلامي وحقوقي ؟
أنا أؤمن بالاختصاص لذلك لست أنا من سيكتب سيناريو الفيلم بل مهمتي أنني سانقل كما من المعلومات وتفاصيل دقيقة للمعاناة اليومية لكاتاب سيناريو محترفين وهم من يصوغ الفيلم بطريقتهم ويعطي للأحداث الواقعية بعدا روائيا يستند إلى حقيقة تاريخية ولكن بطريقة فيها تدخل للخيال.
وماذا عن الإنتاج والإخراج ؟؟
لابد أن أتوجه بالشكر إلى سمو أمير قطر الشيخ حمد الذي تبرع بإنتاج هذا الفيلم ووعد بتسخير كل الإمكانيات الممكنة لإنجاز هذا العمل. وسيتم التعاون مع خبراء ومخرجين وكتاب سيناريو واختيار ممثلين عالمين من هوليود حتى يكتسي الفيلم بعدا عالميا. وتأتي هذه الخطوة في إطار قناعة سموه بتأثير السينما في التعريف بقضايا الإنسان وقد ضرب لي مثلا عن ذلك فيلم عمر المختار المجاهد الليبي ضد الاستعمار الإيطالي فقد جعل منه الفيلم الذي أخرجه العقاد رحمه الله رمزا للنضال الحقيقي من أجل الحرية.

إن تحويل تجربة تاريخية وواقعية أليمة إلى فيلم روائي يجرنا إلى سؤال أخير وهو هل يمكن أن تكون الذات موضوعا أو هل يمكن أن نعبر عن ذواتنا بشكل موضوعي وحيادي؟
طبعا نظريا هذا هو المطلوب ولكن الحيادية المطلقة مستحيلة لا شك ان بعضا من مشاعرك وأحاسيسك الذاتية تتسرب إلى طريقة التناول. ولكن المطلوب هو إظهار الحقيقة المشتركة بين البشر لأن حتى تلك الأحاسيس التي قد تنقص من موضوعية الموضوع هي في النهاية أحاسيس بشرية وبالتالي هي قريبة من الموضوعية فأن أعبر عن غضبي من الظلم هذا بشري وأن أبكي من الألم هذا بشري أيضا ولكن أن أصور بشرا على غير حقيقته فأجعل منه شيطانا أو مجرما وهو بريء فهذا ضد التفكير البشري.
فالذاتية والموضوعية قد يتكاملان إذا كان الفيلم منحازا إلى قضيا الإنسان وقيم الحرية والعدالة حينها تصبح المشاعر والأحاسيس وكل الأبعاد الذاتية والخيالية مكملة للعمل الفني وليست عائقا له. خاصة وأن ما حدث في غواننامو قد فاق الواقع فالتجربة في حد ذاتها تجربة خيالية ولا يمكن أن تخطر على ذهن بشر.  

قد ينال إعجابكم