متابعات

محمد بلحاج : نحن في حاجة إلى زعيم مثل الخطابي

عبد الكريم الخطابي رمز من رموز النضال العربي والعالمي ضد الإستعمار فهو مبتكر حرب العاصابات في القرن العشرين وملهم لكثير من حركات التحرر في آسيا وأفريقيا.. رغم هذا الثقل الرمزي لهذه الشخصية إلا أن التوثيق لها سينمائيا تأخر كثيرا..
وفاجأتنا قناة الجزيرة الوثائقية بإنتاج فيلم عن هذا الرجل في إطار سعيها للتوثيق لرموز الأمة في شتى المجالات. وقد أخرج هذا الحوار وكتب السيناريو المخرج المغربي محمد بلحاج الذي بات متخصصا في التوثيق للشخصيات التاريخية... ولم نفوت الفرصة للحديث مع بلحاج عن فيلمه الجديد..
 شاهدت فيلمك "أسطورة الريف" وبدءا أهنئك على هذا العمل الجديد المتألق والرائع والصعب أيضا. ولي بعض الأسئلة التي تختلف نوعيا عن أسئلتنا في اللقاء السابق فأرجو أن تتسع رحابة صدرك لأسئلتي..

******************

* لماذا تأخر عبد الكريم الخطابي في الأفلام الوثائقية وهو من هو في التاريخ المغربي والعربي والإنساني ؟
تأخر إنتاج فيلم وثائقي عن عبد الكريم لأنه لم تكن هناك ثقافة الفيلم الوثائقي في العالم العربي ولأنه لم يكن هناك اهتمام بالرموز الوطنية بقدر ما كان الاهتمام أكثر بالدعاية للرؤساء والملوك. ولكن كانت هناك بعض المبادرات القليلة لإبراز هذه الشخصية وهي بدورها لاقت عدة عراقيل. فأنا شخصيا قمت باقتراح فيلم وثائقي عن هذه الشخصية في سنة 1996 لما كنت في المغرب وبدأت العمل فيه ولكن أُجهض المشروع وتم توقيفه من طرف وزير الاتصال آنذاك لأن المسئولين في المغرب لم يكونوا ينظرون إلى عبد الكريم كزعيم تاريخي يجب الافتخار به بقدر ما كانوا ينظرون إليه كشخصية معارضة للنظام المغربي وهذه النظرة ظلت بعد مماته لسنوات عدة.
وهذا مؤسف عندما ترى دولا تحاول أن تخلق لها تاريخ ورموز وأخرى تحاول إطفاء ذاكرة شعوبها. والحمد لله أن الفكرة تم الترحيب بها في قناة الجزيرة واستطاع الفيلم أن يخرج إلى الوجود. للإشارة فلقد كانت هناك محاولات من طرف الغربيين ولكن لتشويه هذا التاريخ كما جاء في الفيلم الروائي LE LEGIONNAIRE والذي مثل فيه الممثل البلجيكي الشهير Jean-Claude Van Damme وفكرته أن عبد الكريم لم يكن سيكسب معاركة لو لم يساعده ضابط فرنسي هرب من الجيش. وهذه المعالجة الضيقة عند بعض الغربيين نسميها " دس السم في العسل"...

* من يشاهد الفيلم لا يجد حكاية بالمعنى السردي أو الأدبي عن رمز تاريخي(بداية – عقدة – نهاية = مثل الشقيري) وإنما يجد استقصاء للتاريخ أي أن المعلومة التاريخية كانت غالبة على البعد الشخصي لبطل الفيلم.. فهل يعود هذا إلى اختيار من المخرج  أم أن طبيعة هذه الشخصية التي تتجاوز قيمتها بعدها الذاتي والمحلي لتدشن نمطا من الكفاح ضد المستعمر سيكون ملهما لمن جاؤوا بعده ؟
عموما في الفيلم الوثائقي ليس هناك معالجة موحدة لكل موضوع أو لكل شخصية ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل. فبالإضافة إلى طبيعة الشخصية والمعلومات التاريخية المرتبطة بها فهناك مسألة الصور التي تساعدك في بلورة المعالجة البصرية وإغنائها بحيث أن فترة عبد الكريم هي فترة في بداية القرن حيث كانت الصور الأرشيفية نادرة. وأيضا هناك الكتب والمذكرات التي يمكن أن تساعد في إقحام روح الشخصية في الفيلم وهذا لم يكن متوفرا عند عبد الكريم مثل ما كان موجودا عند الشقيري. ولكن سواء في هذه الطريقة أو تلك فإن أهم شيء في الفيلم الوثائقي هو أن يكون هناك إيقاع جيد وأن لا يكون هناك ملل.
فزخم الأحداث التاريخية المتعلقة بالشخصية أثر في إيقاع الفيلم وهذا يمكن أن يشد المشاهد ويجعله يتفاعل مع مضمونه. هذا المضمون في الفيلم، والذي استفدت منه أنا شخصيا، أعتبره غني بمعلوماته وبمحطاته التاريخية وبعبره الإنسانية خاصة بالنسبة لشخصية لا يعرف عليها العرب إلى بعض السطور.

* ما هو سبب اختياركم لعنوان أسطورة الريف؟
السبب هو أننا عندما ننظر إلى تاريخنا المعاصر نجد عبد الكريم الخطابي والريفيين هم الوحيدون في العالم الإسلامي كله الذين استطاعوا أن يلحقوا بقوة عظمى حينئذ خسائر فادحة تجلت في أكثر من 60 ألف قتيل وبدون أي مساعدة خارجية وهذا العدة لم يستطع كل العرب تحقيقها خلال 50 سنة من صراعهم مع إسرائيل. بالإضافة إلى أنها المنطقة الوحيدة التي عاشت محررة لمدة 5 سنوات ( ما بين 1921 إلى 1926) في وقت كان جل العالم الإسلامي يعيش تحت الاستعمار

أحداث الريف

* في الفيلم اشتغال واضح على الصورة ومحاولة اختزال كل الصور في صورة واحدة هي صورة الفارس من البداية إلى النهاية حيث نرى فارسا يسير نحو الشمس. فما رمزيات ذلك..
كما أشرت أن العائق الأساسي في هذا الفيلم كان متمثلا أساسا في ندرة الصور. فلم تكن هناك صور كافية عن الشخصية لذلك حاولت أن أمزج بين عدة صور لخلق معنى معين وتمرير رسالة معينة. فعبد الكريم بالنسبة لي لا يمكن أن نختزله في مجموعة الثوار ولكنه هو أكثر من ذلك بكثير لأنه رجل دولة ومفكر وجاء بإصلاحات سياسية واجتماعية كبيرة. فالصور الإيحائية للفارس تمثل بالنسبة لي كل هذه الصفات.
فمعالجتنا للموضوع ليس بالمعالجة الصحفية التي تحاول أن ترتكز على الموضوعية والحيادية والتطرق إلى الأشياء السلبية والإيجابية في الشخصية... وإنما هي معالجة ترتكز على وجهة نظرنا التي من خلالها نحاول أن نقنع بها المشاهد ونجعله يحب الشخصية ويتفاعل معها وذلك ليس عن طريق المبالغة في الطرح وإنما بالتحليل المنطقي والمنسجم لأهم محاور الفيلم.
هذه المنهجية هي نفسها المستعملة في الأفلام الروائية حينما يتعلق المشاهد ويرتبط ببطل الفيلم. لذلك فتركيزنا على سيميولوجية الصورة (الدلالات الرمزية) مهم جدا. فللصورة مكوناتها الخاصة بها وتحليلها مرتبط بطبيعة الموضوع والانطباع الذي يمكن أن يختلف من مشاهد إلى آخر. فهناك المعلومات غير المباشرة  أو غير الظاهرة في الصورة ولكنها إيحائية والتي تساعد المشاهد في بلورة مود معينة وخلقها لتهيئ قابليته.
هناك من جهة أخرى التفاصيل الظاهرة في الصورة مثل طبيعة الإضاءة وأحجام الصورة والزوايا وخلفية التصوير والديكور والصوت والموسيقى والصمت....هذه العناصر كلها نحاول أن نخلق فيما بينها انسجاما متناغما مع المضمون لخلق إحساس وانطباع معين عند المشاهد ومساعدته في توجيه انتباهه. لذلك بالنسبة لي الصورة هي سلاح العصر لأن الصورة عندما تتناغم عناصرها وتكون من ورائها قصة يكون تأثيرها في قلب وعقل المشاهد أقوى من آلاف الكلمات.

* الملاحظ أنك أوجزت مرحلة الحسن الثاني وعلاقته المتوترة مع الخطابي. فبقدر ما كان الفيلم جريئا في الفترات التاريخية السابقة (تأسيس جمهورية الريف) بقدر ما كان مقتضبا ويسعى إلى التلميح حينما وصل إلى فترة الحسن الثاني. فلم يتوسع في أسباب الخلاف.. فهل نشتم رائحة تابو (حرام) في المسألة..
لم يكن هناك أي تابو (محرمات) بالنسبة إلى هذا الفيلم وعبرت فيه عن وجهة نظري بطريقة غير مباشرة من خلال مقاطع المتدخلين لأنني لم أستعمل التعليق. وتطرق الفيلم بكل موضوعية إلى الخلاف الذي كان بين الحسن الثاني وعبد الكريم بسبب انتقاد هذا الأخير للدستور الذي كان قد وضعه الحسن في 1962. لكن في الحقيقة الخلاف كان قبل ذلك بسبب انتفاضة الريف في1958 والتي أشرنا إليها في الفيلم والتي تم قمعها من طرف الجيش المغربي تحت قيادة الحسن الثاني لما كان وليا للعهد ولكن لم نستطع التعمق فيها بسبب قلة الصور.
المشكل أننا في بعض الظروف نكون مضطرين لاختصار بعض المحاور إما لكي لا تكون على حساب المحاور الأخرى أو للمحافظة على إيقاع الفيلم نتيجة ندرة الصور..

* الفيلم عين على الماضي ولكنه درس للحاضر وهذا يبدو تصريحا من استنتاجات الضيوف والعبر التي خرجوا بها وكذلك من الرؤية الإخراجية والاشتغال على الصورة. فهل أنت محكوم بهاجس الحاضر وأنت تبحث في الماضي ؟
من خلال هذا الفيلم فأنا أحاول أن أمرر رسائل إنسانية وسياسية وأن أساعد في لفت انتباه المشاهد لكل ما من شأنه أن يرفع من معنوياته كعربي. فهل يعقل أن نلفت اهتمامات المشاهدين اليوم نحو نجوم الأغنية والسينما فقط ونترك رموزنا التي جاهدت وضحت في سبيلنا؟

* يطرح الفيلم بعمق مفهوم الزعامة من خلال شخصية الخطابي. فهل الفيلم يعبر عن عقدة قارة في العقل العربي الذي يحتفل برمزيات الزعيم المخلّص الفرد ويقصي مفهوم الشعب أو المؤسسة  وظل ينتظر زعيمه الذي لم يأت ؟
نحن في عالمنا العربي نحنّ إلى ماضينا ونبحث عن أنفسنا وهويتنا في حاضرنا ونأسف على واقعنا المرير لذلك فإن أملنا في حُلمنا بأن نعود يوما ما إلى ماضينا المشرف وبالتالي نحن في حاجة ماسة إلى زعيم أو قائد وطني لإيقاف نزيف جراحنا وبعد ذلك يمكن أن نطور مفهومنا من ثقافة الزعيم أو الشخص إلى ثقافة المؤسسات. ففي نظري كل الشعوب التي وصلت إلى مستوى معين من التطور الديمقراطي كان وراءها زعماء.

* ما هي الحدود الفاصلة بين الفن والتاريخ في الفيلم الوثائقي التاريخي ؟
الفن في نظري هو وسيلة لشد وجذب أكبر نسبة من المشاهدين للتعرف على جزء من التاريخ من خلال الفيلم الوثائقي. فنحن لسنا بمؤرخين ولكن نعرض بعض الشهادات لبعض المؤرخين بمعالجة فنية وبمفهومنا وانطباعنا عن هذا التاريخ.

محمد بلحاج

* بهذا الفيلم تكون قد أخرجت ثلاثة أفلام عن شخصيات عربية فهل أسرك التاريخ برموزه أم نفّرك الحاضر فلم تجد فيه مادة خصبة لفيلم وثائقي؟
في الحقيقة أن كل شخصية من الشخصيات الثلاث مثلت بالنسبة إليّ مرجعية ووسيلة في التعبير فيها عن ذاتي و طريقة لتمرير بعض الرسائل وانتقاد الوضع الحالي المزري.
 فالعقاد مثلا في مهنيته وبعد نظره وفهمه لوظيفة الصورة يمثل بالنسبة إلي مرجعية في مجالي الإعلامي والفني لأنه المخرج الوحيد الذي استطاع بتفوق أن يخاطب المشاهد الغربي. أما الشقيري وعبد الكريم الخطابي فيمثلان بالنسبة لي قمة الإخلاص لقضايا العادلة حيث عاشا من أجلها وماتا من أجلها.
ولكن للإشارة لم تقتصر أعمالي في الوثائقي على محاولة إحياء الماضي  فقط فلقد كانت أيضا انتقادا ومعالجة الواقع لأنه وفي خلال العشرين سنة الماضية قمت بإنتاج عدة أفلام وثائقية تطرقت إلى معاناة إنسانية كثيرة وتابوهات مثل: موضوع الدعارة في المغرب وقوارب الموت ودعارة الأطفال في تايلاند وعرب 48 داخل إسرائيل وسكان المقابر في مصر والمخيمات الفلسطينية في كل من لبنان وسوريا والأردن و موضوع الأمازيغ في المغرب والسكان الأصليون في كندا ومأساة البوسنا وتشيرنوبيل بأوكرانيا....إلخ وبالتالي فالوثائقي هو بالنسبة لي المعالجة الخلاقة والفنية للواقع والتاريخ.

قد ينال إعجابكم