متابعات

القاسمي : الشعب العربي يفتقد زعيما كسنغور

المغربي رشيد قاسمي يشتغل على قارته، القارة الإفريقية وما تنطوي عليه من متناقضات اجتماعية وسياسية وثقافية وإثنية. رصد جزءا لا يسمع من النبض الاجتماعي في فيلمه " نساء عازبات".. وفي فيلمه الذي أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية يرسم القاسمي صورة البطل الرمز والشاعر الفيلسوف والمثقف الرئيس ليوبول سيدار سنغور شاعر السينغال ورئيسها وفخر الأفارقة جميعا المتعطشين إلى رجل في حكمة سنغور.

***********************

 

القاسمي أثناء التصوير

ليوبول سيدار سنغور شخصية كبيرة وفائضة على حدودها الجغرافية والعرقية مما جعلها شخصية مستهلكة ثقافيا.. فما الصعوبة في تناول شخصية من هذا الحجم من الاستهلاك وتقديم الجديد في نفس الوقت ؟
ليوبولد سيدار سنغور شخصية متعددة الأبعاد فهو شاعر, فيلسوف و رئيس دولة. وقد استطاع بمواقفه السياسية وبفكره التنويري أن يسمو  بالعرق الأسود. رجل بهذه المواصفات, حكم السنغال لمدة 20 سنة بنوع من الاتزان والحكمة. ولعب دورا  أساسيا في الدبلوماسية الدولية. شخصية بهذا الحجم يصعب تقديمها من دون الوقوع تحت تأثيرها.فقد أحببت شخصية سنغور قبل أن أبدأ في التصوير.  فعندما قرأت مؤلفاته. وشاهدت ما صور عنه. وتحدثت إلى أصدقائه ومعارفه وتلامذته. لامست جوانب مهمة لم تستهلك في الأفلام أو البرامج التي قدمته. وهو الجانب الإنساني والسلطوي معا في شخصية سنغور.حسب علمي لم يسبق لمخرج أن تطرق لعلاقة سنغور بموت أبنه فيليب أو علاقة سنغور بزوجته الحسناء الفرنسية  كوليت. أو موقف سنغور عقب محاولة انقلاب وزيره الأول مامادو ضيا.
أظن أن الصعوبة في تناول شخصية من هذا الحجم هي غزارة الأحداث المحيطة بها و تعدد الشهادات الممكنة. وبالتالي كان علي أولا حصر المحطات التاريخية والشهادات المدرجة في الفيلم.
  
وأنت تشتغل على هذه الشخصية هل استحضرت الجمهور العربي المتعطش لزعيم مثل سنغور أم كنت تتوجه إلى متفرج عالمي للتعريف ببقعة مضيئة في العالم الثالث؟
عندما اشتغلت على شخصية سنغور أردت تقديم زعيم إفريقي وليس فقط رئيسا سنغاليا. ولم أحدد مسبقا متلقي بعينه. فشخصية سنغور كانت دائما ذات بعد كوني. ومساره مثالي يحتذي به العربي والأوربي والأمريكي على السواء. طبعا المتلقي العربي يتطلع إلى زعيم مثل سنغور, بمواقفه وإنجازاته وسجله الإيجابي. لكنه كذلك بالنسبة للمتفرج العالمي هو رمز للتحدي ونبوغ العرق الأسود. فسنغور لم ينسى أبدا جذوره الإفريقية. دافع عليها في جميع المحافل الدولية. من خلال منظمة الوحدة الأفريقية. والأكاديمية الفرنسية الذي شغل كرسيا بها. لقد كان لي الشرف أن أشتغل على شخصية من طراز سنغور. التي تزخر بصفات نبيلة كالتواضع, الإنسانية والعطاء.

الملاحظ في الفيلم غلبة الألوان الداكنة في الصورة وحتى الإضاءة .. علما وأن الفيلم تحدث عن مراحل متأخرة في حياة سنغور حيث انتشرت الصور الملونة.. هل المسألة صدفة أم مقصودة لأن الفيلم يعبر عن حلم ثقافة سوداء..؟
يتحدد الفيلم زمنيا  من بداية الأربعينات إلى وفات سنغور سنة 2000 وخلال هذه المدة تعمدنا تقديم  أهم المنعطفات التي عاشها سنغور بالأبيض والأسود ما عدا  مراسيم جنازته و صور تؤرخ لآخر أسبوع قضاه بمنطقة النورماندي بفرنسا قبل وفاته. إن اختيار الألوان الداكنة لا يعبر فقط على حلم ثقافة سوداء بل يعطي للصور التسجيلية مسحة جمالية وإيقاعا مرئيا كان مطلوبا في إطار الرؤية الإخراجية. كما تم تأطير المتدخلين بشكل ضيق وفي فضاء أحادي, لتكون شخصية سنغور في المستوى الأول, وليست الشهادات, فهي الشخصية الرئيسية. وكل ما تبقى هو في خدمة هذا التصور.
لهذا عند نهاية الفيلم يأتينا انطباع أن شخصية سنغور كانت دائما حاضرة, نتذكرها لوحدها وننسى الأشياء الأخرى. بالنسبة إلي أن إنجاز فيلم عن شخصية غيبها الموت تحد كبير. فلم يسبق لي أن عشت هذه التجربة. كل شخصيات أفلامي السابقة  حاورتها وتفاعلت معها مباشرة.
استعملنا كذلك اللون الداكن في الفيلم, لندفع بالمتلقي إلى الإنصات إلى المؤثرات الصوتية. فشريط الصوت مهم في هذا الفيلم. وهو الذي يضبط إيقاعه. ويعطيه نفحة نوستالجية.
تبقى  جنازة سنغور لوحدها بالألوان مع صوت سنغور وهو يتحدث عن الموت والتي تعمدنا أن نبدأ ونختم بها الفيلم.
 
الفيلم محبوك بجدية واضحة وحاول أن يكون موضوعيا ولكن الملاحظ أن مساحة النقد لشخصية سنغور كانت ضعيفة وجاءت في شكل استثناءات ولم نستمع إلى خصومه من اليسار السنغالي أو من أنصار عبدو ضيوف الذي حاول طمس معالمه حين تولى السلطة بعده..؟

أعتقد أنه بشكل عام  سجل  سنغور إيجابي. فقد أرسى ديمقراطية متوازنة. وأسس لدبلوماسية ثقافية. وأقام أول مهرجان دولي للعرق الأسود سنة 1963.دافع عن استقلال السنغال وحضوره الإفريقي و الدولي المتميز. وأعطى للغات المحلية فرصا أكبر أمام اللغة الفرنسية.
 قدم الفيلم هذه الملامح الإيجابية في مسارسنغور. لكن لم يغفل الجوانب السلبية . فقد تطرق الفيلم كيف خرق سنغور الدستور الذي وضعه وبالتحديد البند35  وتمرير الرئاسة لوزيره الأول عبدو ضيوف بدون اللجوء إلى الانتخابات. كما حصر عدد الأحزاب في خمسة. وكان متشددا مع خصومه وخصوصا الشيوعيين. وكيف كان قاسيا في عقاب صديقه مامادو ضيا مدبر محاولة انقلاب 1964.
إن أهم شخصية بالشريط هي ابنه بالتبني أميدو  صال. الذي نراه يدافع عن عبدو ضيوف وعن اختياراته. عندما يؤكد أن ضيوف ليس سنغور. وأنه كان من الصعب خلافة شخصية قوية كسنغور سكن قلوب السنغاليين للأبد. وحاول أن يجد أعذارا لضيوف الذي حارب سنغور.

سنغور يتلو قرار استقالته من منصب رئيس السينغال

ما الذي يكسب الوثائقي قيمته هل قوة الشخصية وأثرها في التاريخ أم قوة الرؤية الإخراجية .. بعبارة أخرى لقائل أن يقول إن في مثل هذه النوعية من الأفلام ليس للمخرج كثير فضل بسبب إشعاع الشخصية واسمها وحده يكفي لجلب الجمهور ؟
هناك مجموعة من العوامل تكسب الوثائقي قيمته. هناك أولا  قوة الموضوع ومدى تأثيره على المتلقي. طبعا هذا الموضوع لا يمكن أن يتبلور بدون رؤية إخراجية. وإلا لكان كل شخص لديه موضوع قوي سيحصل على فيلم جيد. صحيح أن الوثائقي الذي يتطرق لشخصية تاريخية قوية يستمد منها قوته. كما يمكن في هذه الحالة أن تكون الشخصية أقوى من الفيلم. لكن أأكد أن التصور الإخراجي والإيقاع المحكم هو الذي يمنح الفيلم الوثائقي قيمته. ويجب ألا ننسى أن هناك زوايا متعددة لمعالجة أي شخصية.
 
 ما هو الدرس المستخلص من شخصية سنغور وأراد الفيلم  أن يقدمه للجمهور العربي ؟
من خلال هذا الفيلم أردت تقديم شخصية بصمت تاريخ أفريقيا. والتأكيد على أنه لا يوجد زعماء كبار بدون تواضع وبساطة وفكر متنور. فقد كان سنغور يوقف كل شيء لأن شخصا سأله  فيأخذ الوقت  الكافي ليجيبه. كان يخصص وقتا للقاء التلاميذ بالمدارس والحديث عن مسائل فكرية تشغلهم. يصاحب الشعراء والمفكرين في رحلاته ويقدمهم كسفراء لدى البلدان الأخرى. فهو شخص هادئ ومعتدل. يؤمن بالعمل  والنظام  والصرامة. فقد جعل من بشرته السوداء مشروعا فلسفيا وسلاحا من خلال فكرة العرق الأسود..

  كيف تقيم الفيلم الوثائقي في أفريقيا وأنت لديك معرفة كبيرة بصناعة هذا الفيلم في هذه القارة ؟
الإنتاج السينمائي بأفريقيا ضعيف جدا. لغياب ميزانيات الدعم والبنيات التحتية الإنتاجية. فأغلب المخرجين الأفارقة يلجئون للدعم الأوروبي المشروط لإنجاز أفلامهم. لكن مع حلول الديجيتال أصبح تصوير الأفلام أكثر ديمقراطية. فلجأ أغلب المخرجين وخصوصا الشبان منهم إلى الكاميرات الرقمية والمونتاج على وحدات خفيفة لإنجاز أفلامهم. فإذا كانت بدايات السينما الأفريقية روائية. فإنه في الفترة الأخيرة بدأ الاهتمام بالوثائقي يتصاعد خصوصا في دول كالسنغال, جنوب أفريقيا, مالي, ودول المغرب العربي. فبدأنا نتابع أفلاما وثائقية أفريقية في مهرجانات عديدة كواغادوغو, قرطاج, آغادير والإسماعيلية.
 
ما هي الشخصية العربية التي تتمنى إنجاز فيلم وثائقي عنها..؟
أطمح  لإنجاز فيلم وثائقي عن النقابي التونسي  فرحات حشاد...

القاسمي يختار زاوية التصوير المناسبة.. 

 

Article Ad

قد ينال إعجابكم