متابعات

" أسطورة الريف " أو " رحلة في تاريخ الخطابي"


الناقد المغربي أحمد بوغابة

بثت قناة الجزيرة الوثائقية يوم الإثنين فاتح يونيو 2009 فيلما وثائقيا من إنتاجها بعنوان " أسطورة الريف " أخرجه محمد بلحاج.
ينطلق بنا الفيلم، منذ البداية، من إطار تاريخي محدد بوضعنا فيه لندرك تبعاته في ما بعد وأنه " مفتاح " فهم
" الأسطورة " ويتجلى ذلك التاريخ في مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي انعقد سنة 1907 لتقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ بين فرنسا وإسبانيا. فمن بين المناطق التي رضخت للاستعمار الإسباني المنطقة الشمالية المتضمنة لجبال الريف.
لكي نستوعب جيدا تلك اللحظة التاريخية كتبها لنا المخرج على لوحة سوداء وأمهلنا عدة ثوان حتى نقرأها بتأن. فذلك التاريخ هو تتويج للتوسع الاستعماري. ومن تلك اللوحة أطلق المخرج شعلة نار إعلان لبداية المقاومة.
 بعد ذلك مباشرة، قدم لنا ومضات تحدثت بها شخصيات مغربية ومصرية وإسبانية عن شخص تحمل له التقدير والاحترام وتشيد به وبنضاله وصفاته الحميدة، تجعل المشاهد يتحمس لاكتشاف هذه الشخصية الفذة التي تحظى بذلك الثقل التاريخي في السياسة والنضال. ليظهر لنا على الشاشة عنوان الفيلم " أسطورة الريف " وبالتالي احتمال الخيال في الواقع والعكس صحيح أيضا. ومن العنوان يطلق المخرج، من جديد، تلك الشعلة وهي إشارة ذكية منه للالتقاط الإشارة.

أسطورة الريف أو عبد الكريم الخطابي

وهذا الالتباس في المعنى وفحوى العنوان، عبرت عنه شهادات المتدخلين في تقديم هذه الشخصية، المقرر الحديث عنها في الفيلم،امتلكت قدرا استثنائيا في الزمان والمكان المحددين لكن شاء التاريخ أن يمددها على الصعيد العالمي خاصة عند الشعوب المناهضة للاستعمار في القرن العشرين الذي عرف حربين كونيتين وانقسام العالم إلى شرق اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي من جهة وغرب من جهة أخرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد العنوان مباشرة، يُدخلنا المخرج محمد بلحاج في عالم هذه " الأسطورة " بتعريفنا بها حيث يُعلن عن إسمها الكامل ومسقط رأسها ومستواها العلمي والثقافي والوظائف التي اشتغلتها بل حتى الأفكار التي تبنتها حينها في زمن كان " المغرب الرسمي يستسلم للاستعمار" حسب تعبير الأستاذ محمد العربي المساري في شهادته على عصر عبد الكريم الخطابي. لقد رسم لنا " بورتريه " مختصرا عن عبد الكريم الخطابي منذ طفولته.
يقول لنا الفيلم بأن عبد الكريم الخطابي درس في القرويين بفاس لكنه تبنى الأفكار الحديثة التي جاء بها الاستعمار ظنا منه أنها يمكنها أن تطور مجتمعه الريفي وتحرره من الفقر والجهل والتخلف لذا اشتغل مع الإسبان كمترجم وأستاذ وصحفي إلى أن تتهمه السلطات الإسبانية ب " التجسس " لصالح الألمان حسب ما جاء من شهادات في الفيلم فتم اعتقاله سنة 1915 (في خضم الحرب العالمية الأولى) دون أن نعلم هل هذه التهمة "صحيحة " أم مجرد ذريعة تعجل باعتقاله والتخلص منه بعدما بدأ ينتقد الإسبان الذين لم يحققوا ما كان يتمناه منهم لشعبه.
لم يكن الاعتقال " نقمة " عليه وإنما مناسبة لإعادة النظر في كثير من أفكاره، وتجديد ممارساته بضرورة النضال لمحاربة الاستعمار الإسباني وطرده من أرض المغرب، لينتقل بنا الفيلم إلى مرحلة جديدة من شخصية عبد الكريم الخطابي والوضع السياسي العام سواء داخل المغرب أو في الغرب، ليتوقف كثيرا عند معركة أنوال التي صنعت مجده وجعلت منه " أسطورة " ومرجعا في الحرب الشعبية التي تعتمد بشكل مطلق على الإمكانيات الذاتية المبنية على الذكاء السياسي والجغرافي للمنطقة ولموازين القوى وهو ما أكده مؤرخون إسبان الذين استشهد بأقوالهم مخرج الفيلم.
لم يكن بالإمكان النصر في معركة أنوال لولا حنكة القائد عبد الكريم الخطابي الذي نجح في لم شمل القبائل المتنازعة وتوحيدها تحت راية النضال والكرامة والشهامة. لقد تكبد الجيش الإسباني خسارة في جنوده وعتاده (22 ألف جندي إسباني لقوا حتفهم في حرب الريف) أقرت بها المصادر الإسبانية في وثائقها وصحفها وكتبها منذ ذلك التاريخ وهي متوفرة في مكتباتها الرسمية.
دفع هذا الانتصار العسكري والسياسي بعبد الكريم الخطابي للإعلان عن ميلاد جمهورية في الريف لها علمها ودستورها، وأدخل وسائل الاتصال والتواصل بين مختلف القبائل والمداشر كالهاتف والطرق والاهتمام بالتعليم. ومن مميزات دستوره منع الثأر الذي كان سائدا في عُرف سكان المنطقة وبذلك وضع حدا للاقتتال بين القبائل بل بين أسر من نفس القبيلة. هذه الخطوة التي أقدم عليها عبد الكريم الخطابي سنة 1920 بإعلان جمهوريته اعتُبرت من طرف السلطان تمردا (رغم أن المغرب كان تحت حذاء الاستعمار).
وتذكر نفس المصادر، التي اعتمدها المخرج كشهادات تاريخية، بكون هذين المعطيين: انتصار عبد الكريم الخطابي في معركته ضد الإسبان في منطقة أنوال الريفية وإعلان الجمهورية خلقا خلخلة داخل المنظومة الحاكمة في إسبانيا وفرنسا على حد سواء. وأن عدوى التحرير قد تمتد إلى مناطق أخرى فاضطرت فرنسا، التي كانت محايدة إلى حد ما، للتدخل لصالح إسبانيا حيث تم مُحاصرة " الجمهورية الفتية " من كل صوب، بحرا وبرا وجوا، إذ جندت فرنسا 400 ألف مغربي في حربها ضد عبد الكريم الخطابي ليقول بعد ذلك بسنوات – حسب ما جاء في إحدى الشهادات – بأن هزيمة حرب الريف كانت من الداخل.
لم ينته الفيلم عند نهاية حرب الريف كما حصل في بعض الأفلام السابقة، التي تطرقت لنفس الموضوع ولنفس الشخصية، وإنما شكلت هذه الحرب مرحلة انتقالية في فيلم " أسطورة الريف " وهي نقطة حسنة لصالح الفيلم ومخرجه محمد بلحاج لكون امتدادات معركة أنوال تجاوزت المنطقة فأثرت في مجريات التاريخ والمستقبل السياسي لإسبانيا نفسها إذ يخبرنا الفيلم أنها السبب في الأزمة التي عرفتها الدول المُستعمرة للمغرب بانتصار اليمين في فرنسا ووصول الديكتاتور فرانكو إلى إسبانيا في ما بعد وبداية النضال الشعبي داخل المغرب ضد الاستعمار الفرنسي. واضح جليا في الفيلم أن معركة أنوال لم تنته بانتهائها أو بالهزيمة التي عرفتها بعد خمس سنوات من حياتها بعد  تسليم للمقاتلين أنفسهم بل – كما سبق القول – هي الشعلة التي سافرت إلى العالم، من الصين إلى أمريكا اللاتينية مرورا بفيتنام. لقد ألهمت الزعماء ماو تسي تونغ وهوشي منه وتشي غيفارا.
ويستمر الفيلم في سفره في تاريخ شخصية عبد الكريم الخطابي نحو المنفى الذي تكفلت فرنسا بحمله إلى مستعمرتها جزر الرينيون وبعد ذلك إلى مصر التي هرب إليها مستغلا مروره أمامها حيث كانت فرنسا قد استقدمته من المنفى بهدف توظيفه سياسيا ضد الجيل الجديد من المناضلين المغاربة المطالبين بالاستقلال وهو ما لم تفلح فيه.
يطلعنا الفيلم أيضا على معلومات أخرى، إبان إقامته في مصر، والمتمثلة أساسا في استمراره النضالي. لقد توسعت قاعدته وخريطة اهتمامه لتشمل المغرب الكبير بتأسيس وحدة نضالية بين مختلف الفعاليات المغاربية. كما وجه نقده للحكومات المغربية المتعاقبة غداة الاستقلال بسبب ما جرى من انتقام واعتقال وتقتيل لعدد كبير من المناضلين الوطنيين المعارضين للسياسة الجديدة التي تسعى لاحتكار السلطة. كما رفض الدستور الجديد للمغرب الذي وضعه الحسن الثاني، في مطلع الستينات، فأصدر هذا الأخير قرار توقيف معاشه بينما كان محمد الخامس قبل وفاته يفاوضه للعودة إلى الوطن وينعته ب " أبي الأبطال ".
يختم الفيلم " أسطورته " بلقطة لمقبرة عبد الكريم الخطابي حيث يرقد في مصر في مقابر شهداء القوات المسلحة تليها مباشرة لقطة الفارس على حصانه حاملا بندقيته في اتجاه الأفق، غروب الشمس التي تنطفئ مع الجنيريك الأخير.
ففضلا عن الشهادات المتنوعة والصريحة والصادمة أحيانا من لدن الأساتذة والباحثين الذين ساهموا في تنوير المشاهدين اعتمد المخرج على أرشيف مصور سينمائي أحيانا وفوتوغرافي أحيانا أخرى إلى جانب لقطات جديدة للمدن والثغور التي مازال الإسبان يستعمرونها إلى يومنا هذا. كما قام محمد بلحاج بإخراج لقطات لفرسان رمز للنضال يفصل بها بين فقرات الفيلم منذ بدايته إلى نهايته. ومستعملا tram لإلباس صوره البعد التاريخي العميق حيث لونها الأصفر يخلق إحساسا نفسيا لدى المشاهد في مثل هذه الأفلام.
يشاهد الجمهور العربي والمغاربي بعض اللقطات من الأرشيف لأول مرة على الشاشة، قبل معركة أنوال وأثناءها وبعدها، مما أعطى للفيلم مشروعيته التاريخية خاصة باعتماده على شخصيتين شاركتا في تلك الحرب إلى جانب عبد الكريم الخطابي ووصفتها بصورة واضحة للمشاهد منها الغازات السامة التي أطلقتها الطائرات الإسبانية على منطقة الريف كجريمة ضد الإنسانية.
هذا الرصيد الغني من المعلومات المُعبر عنه في المداخلات القيمة والأرشيف النادر الذي تابعناه طيلة ساعة تقريبا، وهي مدة الفيلم، عرضها علينا المخرج بأسلوب بيداغوجي سلس ذي بُعد تربوي وتثقيفي بمنهج يغلب عليه الطابع المعرفي ما دام قد استغنى عن التعليق المُصاحب للسرد كهامش توضيحي. فهو – أي المخرج – ترك الفيلم يُقدم نفسه وتتحدث من داخله المواد المتوفرة لديه التي أشرنا إليها أعلاه.
نجح في هذه المقاربة بفضل إيقاع المونتاج الذي كتب به سيناريو الأحداث المتتالية بمنطق تسلسلي لتجاوز ملل التكرار الذي يصيب مثل هذه الأفلام المُركبة في كثير من الأحيان وهو ما لم يسقط فيه محمد بلحاج. جل المداخلات والشهادات كانت تتمم بعضها وأحيانا أخرى تدفع بعضها إلى إثارة القول المسكوت عنه منذ أكثر من 40 سنة أو أكثر بكثير يوازيها أرشيف ليس لتأكيد القول نفسه أو تنميقه أو حتى تبريره وإنما لاستحضار الوقائع وقراءتها كوثائق مرئية ثبوتية تتوفر على ذكاء في اختيارها وتوضيبها مثل الصورة الفوتوغرافية، على سبيل المثال لا الحصر، التي تعبر عن انتفاضة الريف سنة 1958 بينما يمر عليها ظل طائرة توحي للمشاهد ما تعرض له المنتفضون من قنبلة وتقتيل. وكذا حين تم الحديث عن اعتقال عبد الكريم الخطابي إذ يدعونا المخرج لزيارة السجن ثم صورة عبد الكريم الخطابي التي تنبعث في اللقطة بتقنية fondu  (الوجود التفاعلي بالسجن)، تركيب ذكي في غياب الأرشيف.
ويسري ذكاء الإخراج في توظيف الموسيقى التي نحس بها في الوجدان دون أن نسمعها أي نقصد تجنبه توظيف تلك الموسيقى الضاغطة التي تنسيك جوهر الفيلم بطغيانها دون أن تكون لها وظيفة فنية في فيلم وثائقي كفيلم " أسطورة الريف " وبالتالي هو احترام للنوع السينمائي الذي اشتغل ضمنه المخرج متجاوزا أيضا ذلك الانغلاق الممكن في موسيقى محلية كانتماء ثقافي وجغرافي الذي يسعى بعض المخرجين الالتزام المطلق به بادعاء الحفاظ على المصداقية في الوقت الذي يتطلب الفيلم الوثائقي أيضا جرعة كبيرة من الإبداع.
وعلى إثر كل ما سبق في الفيلم هل سنتحدث عن مجرد " أسطورة " أم لشخصية تاريخية حقيقية وواقعية عاشت في جبال الريف بشمال المغرب؟ فهل نضال عبد الكريم الخطابي مُتخيلا أم كائنا في التاريخ؟ هذا " اللبس التاريخي " (تجاوزا) كان بالإمكان للفيلم أن يدحضه بالاعتماد على أشرطة مصورة من الأرشيف يظهر فيها شخصية عبد الكريم الخطابي تتفاعل مع محيطها، أو تسجيلات صوتية له للإذاعات بمصر مثلا، أو عرض نصوصه ورسائله عوض الاكتفاء بصوره الفوتوغرافية والحديث عنه في صيغة الغائب دائما وإن كان هو المبتدأ والخبر في الفيلم.
كما أن الإخراج اعتمد بذكاء تأطير المتدخلين في فضاء يعطي عمق المعنى للتصريحات مثل المقاوم أحمد محبوب الذي عاصر عبد الكريم الخطابي وناضل إلى جانبه نراه على شاطئ البحر حيث جزيرة النكور المحتلة على مرأى عينه لنتساءل معه عن التضحيات التي قدمها هذا الرجل ومازال يرى الإسبان في عقر داره. وكذا الشيخ عبد الله الجفي المقاوم الذي حمل السلام في معركة أنوال مع الخطابي والذي لا يقوى على المشي والكلام إلا أن فقرات قصيرة من شهادته لها قيمتها التاريخية القصوى في الفيلم.

جزيرة النكور شاهدة على بقايا الاحتلال الذي ناضل الخطابي من أجله

كما أثارني في الإخراج أيضا ( قد يكون قد حصل ذلك صدفة ولكن صدفة جميلة في دلالتها) رصدي بوجود كل المتحمسين والمدافعين على تاريخ عبد الكريم الخطابي ومن كانت شهادتهم صريحة وقوية في نقدها السياسي للماضي والحاضر المغربي كانوا جميعهم على يسار الشاشة (علي الإدريسي وعلي لمعلم ورقية الخطابي والهاشمي الطاود ....) بينما العربي المساري الذي ردد الكلام الرسمي كان على يمين الشاشة وهو عضو في حزب الاستقلال الذي ينتقده الريفيون كثيرا ويحملوه المسؤولية لما جرى في الريف خاصة في سنوات 1958 و 1959 من القرن المنصرم بُعيد الاستقلال مباشرة. أما المتدخلون الإسبان كانوا في أغلب الأحيان في إطار الشاشة، وسطها.
إن فيلم " أسطورة الريف " حول شخصية عبد الكريم الخطابي وتاريخه النضالي أصبح منذ عرضه يوم فاتح يونيو وثيقة سينمائية مهمة للتاريخ وللمستقبل إذ لم يسبق المخرج محمد بلحاج إلى هذه المبادرة القيمة.

قد ينال إعجابكم