متابعات

عبدالله الزروق: مايحدث الأن أشبه بتحقيقات مصورة

       ربما تكمن أهمية " عبدالله الزروق " في المشهد الإبداعي الليبي هو حضوره الدائم والدؤوب الأمر الذي جعله يمتلك القدرة على صناعة العمل وإخراجه لحيز المشاهدة  في فضاء يفتقد الحد الأدنى من الشروط الإنتاجية  في غالب الأحيان. الوثائقية  تلتقي "الزروق " في إستراحة قصيرة  حول الأشرطة الوثائقية و" السينما التسجيلية ... وحول تجربته الخاصة .

 طرابلس : نوري عبدالدائم

رافقت البداية المبكرة  تشكيل لذاكرتك وذائقتك  البصرية عامة والتسجلية خاصة  من الذين ساهموا في تشكيل هذه الذائقة ؟ 
أعتقد دخولي المبكر -" 19 " عاماً _ إلى العالم الوظيفي بالشركة العامة للخيالة مع مستهل سبعينيات القرن الماضي ساهم في فتح نوافذ عديدة على رموز وأعمال سينمائية شكلَت الذاكرة السينمائية لأجيال كثيرة في العالم ،  كما أتيحت لي مساحات بدون حدود للعمل كمخرج  .

ما هي الأعمال التي أنجزتها في تلك الفترة ؟
عام 1972 أنجزت  فيلم (عندما يقسو القدر) حيث كان البحر والصيادون والمرافئ القديمة ومعمل التن القديم " التنارة "  في مدينة " جنزور " هو الديكور الحقيقي للفيلم ، قدم الفيلم صرخة ضد إصطياد  السمك بالمتفجرات " الجيلاطين "  على أيدي الصيادين في ذات الوقت  أدان إلقاء النقايات_ مخلفات المصانع _ التي تلقى  في البحر وماتسببه من تلوث بيئي وإنعكاسه السلبي على الأحياء البحرية . وفي عام 1973 م كانت تجربتي مع  فيلم (الشمس لن تغرب عن مدينتي) وهو فيلم يحكي قصة مدينة طرابلس في مائة عام  ..ووثقت فيه مدينة طرابلس في ذلك الزمان أيام كانت شوارعها تغسل بالصابون   . وفي عام 1974 م كان فيلم (هزيمة الظلام) الذي يحكي قصة شاب كفيف البصر يرفض الظلمة بخروجه إلى معترك الحياة .


عبدالله الزروق

 كل هذه الأشرطة أنجزت بتقنية سينمائية . ما هي أهم المحطات التي تستهويك انت بشكل خاص ؟ 
إضافة إلى ماسبق .... اعتبر فيلم  "السيرة الذاتية لبائع السجائر" عام 1981 م     من الأفلام التي تهمني في رصيدي التسجيلي هذا الفيلم عبارة عن  رصد تسجيلي  عفوي لشخصية رجل قعيد وأخرس وأبكم..لايحرك إلا يداً واحدة رفض البقاء في دار العجزة كما رفض المساعدة مفضلاً  الإعتماد على نفسه  بخروجه  إلى الحياة على عربة صغيرة..ليصل إلى سوق " الظهرة "  ليبيع سجائره..من أجل إنجاز هذا الشريط اقتربت من الشخصية حتى في تفاصيلها الشخصية مسجلاً طريقته في الحلاقة والأكل والنوم وطريقة صعوده منحدر على عربته بيد واحدة .  
 ... وشريط أخر بعنوان " العشب دائماً أخضر " الذي أنجزته لشركة " شعاع "  وثقت فيه "200" عشبة طبية حيث التقيت مع مهتمين من المنطقة في الجبل الأخضر الذين لم يعتمدو الذاكرة الشعبية المتوارثة على فوائد هذه الأعشاب بل كانوا يرسلون عينات إلى مختبرات طبية  في سويسرا لإعتمادها . كما أكتشفت من خلال هذا الشريط بأن أخر شحنة من "السلفيوم " أرسلت من " ليبيا " إلى روما  في حفل زواج الإمبراطور الروماني "نيرون  . 

تنتج الأن العديد من الأشرطة الوثائقية بتقنية " الفيديو " ، بحيث أوجد تراكما هائلاً من هذه الأعمال التي أنجزت بهذه التقنية .... وأنت أيضاً لديك رصيد من هذه الأعمال بتقنية " الفيديو " . كيف تقيم هذا التراكم ؟ .
 دخول تقنية " الفيديو " جاءت على حساب الفيلم السينمائي ، فالفرق شاسع بين اللغتين فمنظور عين العدسة  السينمائية أكثر حساسية وأكثر تأثير لدى المتلقي  من عين عدسة الفيديو وأكثر مقاومة للزمن .

في ظل التطور التقني نستطيع الحفاظ عليه كما بإستطاعتنا  نقله سينمائيا ....
 قد تحتفظ بعمل الفيديو كوثيقة ولكنك لن تحتفظ به  كفن... وإن نجا " شريط الفيديو من التلف وضعف الجودة من كثرة النسخ والنقل ، لن ينج من سطوة  " الفايروس "  …  بعض المهرجانات ألغت الأشرطة التي صورت بكاميرة فيديو ونقلت سينمائياً كما حدث في مهرجاني قرطاج والقاهرة مثلاً . 
 
ألا نعتبر هذا التراكم توثيقاً وتسجيلاً لمرحلة أو لحدث أو لسيرة ما ؟
 ما يحدث الأن أخل بالشروط الإبداعية للعمل الوثائقي والتسجيلي معاً  … الوثيقة أسيرة اللحظة مثل إغتيال "السادات " و" كنيدي " ، حادت سيارة أو تحظم طائرة  ... الخ  ….بينما  التسجيلي تتبع لنص السيناريو  بشروطه الإبداعية مع إختيار موقع التصوير وتوزيع الكاميرات  ... إلى باقي التفاصيل الإبداعية . ومن هنا تغتفر اللقطات المشوهة  في الوثائقي ولكن لاتغتفر في التسجيلي  ..... إلا كشهادة ضرورية .... مايحدث الأن  يقترب من التحقيقات والإستطلاعات  المرئية .
... مع الأسف تراجعت كفة التسجيلي في ظل هذه الفوضى ... على فكرة " هي فوضى " ل" يوسف شاهين " من أهم الأعمال التسجيلية بتقديري " دوكودراما " ... العديد من المخرجين السينمائيين تربت ذائقتهم على الفيلم التسجيلي بل كانت بدايتهم تسجيلية  مثل   " نبيل المالح ، قاسم حول ، شادي عبدالسلام ، خيري بشارة … "

قد ينال إعجابكم