متابعات

الصورة في إيران ..العامة يوثقون الخبر

فاطمة الصمادي- طهران

تقول أولى القواعد التي يتلقاها طلبة الصحافة والإعلام  أنه"في الوقت الذي يقرر فيه الصحفي نقل خبر ما فإنه بذلك يتخذ قرارا مهما، ويضع مصداقيته ومصداقية مؤسسته الإعلامية على المحك "،لكن هذه القاعدة الصارمة التي تتربع على عرش العمل الإعلامي فقدت مكانتها خلال تغطية الإحتجاجات التي اعقبت الإنتخابات الإيرانية.
 وفي وقت كانت فيه وسائل الإعلام العريقة مكتوفة الأيدي بفعل منع صحفييها من قبل السلطات من تغطية المظاهرات في شوارع طهران، كان "الإعلام الشعبي" متمثلا  ب"يوتيوب وفلكر وفيسبوك وتويتر" يجد مجده ويأخذ الصدارة في تغطية الحدث الإيراني. وباتت القاعدة الجديدة التي تحكم بفعل التأثير القوي للصورة ، هي النشر أولا. ومثلما شل المنع أيدي الصحفيين عن العمل فعل الأمر نفسه مع مخرجي الأفلام الوثائقية الإيرانيين الذين يتحدثون بحسرة عن الصورة التي لم توثق.
في هذه الأزمة لم يعد المصدر مهما في تحد من نوع جديد أمام واضعي النظريات الإعلامية. وهو مادفع  الناقد الأمريكي جون ستيورات في برنامجه "ذا دايلي شو" إلى السخرية من الإعلام الأمريكي بسبب اعتماده على تويتر وفيسبوك ويوتيوب ومجموعة أخرى من وسائل الإعلام الاجتماعية في بث تقاريرها عن التظاهرات في إيران، ولامها على بث تقارير دون التحقق منها وكان مصدرها في الأغلب مواطنين ايرانيين. لكن الإعلام بدوره رد على سخرية ستيوارت بتساؤل منطقي :في الوقت الذي منعت الحكومة وسائل الإعلام من التغطية ،فهل يبقى لمقولة "مسؤولية" موقع من الإعراب ؟ والحقيقة التي لايمكن الجدال بشأنها أن "العامة" وليس الإعلاميون هم من كان يعد المادة الإخبارية بالكلمة والصورة والفيلم المصور وفي أحيان كثيرة بكاميرات الموبايل التي تفتقد للجودة والوضوح.

المخرجة رخشان بني اعتماد والمخرج عباس كيارستمي خلال الدورة الثانية لمهرجان سينما الحقيقة

رواية تهزم أخرى

و جاء مصرع ندا أغا سلطان الشابة الإيرانية التي قتلت أيام  التظاهرات لينافس خبر مقتلها خبر وفاة ملك البوب مايكل جاكسون ، وكانت قصة ندا هي الأولى في القنوات التلفزيونية والمدونات والمواقع الإلكترونية ، وكانت رواية مقتلها تقدم ادانة للقمع الذي مارسته الشرطة بحق المتظاهرين، ورغم الإرتباك الواضح الذي ساد في الأيام الأولى حول هوية ندا والتناقضات العديدة في القصة التي بثتها وكالات الإعلام الغربية، إلا أن الرواية الشعبية هزمت الرواية الرسمية التي قدمتها الحكومة الإيرانية لمقتل ندا حين أكدت أن الطريقة التي صورت فيها تكشف عن عملية محضر لها مسبقا، خاصة وأن الفتاة قتلت في مكان لم تكن تجري فيه احتجاجات ، فالكاميرا تتبع مسير الفتاة برفقة استاذها في الشارع قبل اطلاق النار عليها إلى أن تسقط مضرجة بدمائها. ولم تستطع الرواية الرسمية اقناع المشاهد الذي ارتسمت صورة ندى في ذهنه وهي تنازع انفاسها الأخيرة أن الحكومة بريئة من دمها.
ويتحدث اساتذة النظريات الإعلامية اليوم عن واقع جديد أوجدته المظاهرات الإيرانية  ويرون أنها اوقدت شرارة الأزمة التي أدخلت المؤسسات الإعلامية التقليدية في مأزق سرعة الإنترنت ونشر الأخبار العاجلة. فالكثير من المؤسسات الإخبارية التي لم تفكر في السابق ولو للحظة  في عرض أشرطة فيديو غير موثوقة المصدر باتت تراجع تلك السياسة بعد هزيمتها امام سرعة تدفق الأخبار.

مخرجوا ايران يقاطعون

ومثلما كانت الأزمة تضغط على وسائل الإعلام كانت تصيب مخرجي الأفلام الوثائقية في إيران بخيبة الأمل بعد منعهم من توثيق ماشهدته بلادهم،خاصة وهم المعروفون بباعهم الطويل في اخراج افلام رصدت أهم الأحداث السياسية والإجتماعية التي شهدتها إيران منذ قرن . وتشهد المكتبة الوثائقية الإيرانية على مساهمات مميزة في هذا الشأن .
"لقد فقدنا الدافع للعمل السينمائي" عبارت تلخص بها المخرجة رخشان بني اعتماد موقف الكثير من المخرجين الإيرانيين اليوم. لكن ذلك لم يكن ليمنعهم من الإحتجاج حيث قرر أكثر من 140 مخرجا في إيران مقاطعة مهرجان "سينما الحقيقة" الذي يقام في اكتوبر من هذا العام.
وقال البيان الذي وقعه المقاطعون وكتب بلغات عدة ووصل للجزيرة الوثائقية نسخة منه أن السينما الوثائقية أثبتت وجودها على الساحة الإيرانية من خلال عمل استمر لمئة سنة. واستطاعت هذه السينما أن توثق الوقائع السياسة رغم كل ما واجهته من قيود، وشمل ذلك الثورة الإسلامية والحرب العراقية الإيرانية وكذلك الأحداث التي وقعت في العقدين الأخيرين وهو ما أنتج آثارا وثائقية عالية القيمة.
ووصف المخرجون الموقعون على قرار المقاطعة القيود التي توضع في وجههم اليوم لمنعهم من "تقديم صورة واقعية ومنصفة عن المجتمع الإيراني الملتهب" غير مسبوقة.
وجاء قرار المقاطعة بالتزامن مع اقرار هؤلاء المخرجين بأهمية مهرجان "سينما الحقيقة الدولي" وقدرته على احتلال موقع مهم في العالم ورغم أنه عمره لم يتجاوز الدورتين،إلا أنه قدم فضاء مناسبا لعرض ومناقشة السينما الوثائقية.
وقال المخرجون المقاطعون :لا نستطيع تجاهل الفراغ الذي أحدثه عدم انتاج أفلام وثائقية ترصد ماشهده المجتمع الإيراني أخيرا، ولأننا نحترم الحقيقة نرفض المشاركة ونقاطع مهرجان "سينما الحقيقة".

مهرجان "سينما الحقيقة" اثبت حضوره في الأعوام السابقة ومهدد بالمقاطعة هذا العام

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

أن أصبح ما كنته

فيلم استغرق تصويره ثماني سنوات لطفل يشعر أنه ولد في المكان الخطأ، يبحث عن ذاته ويعتقد انه معلم مختار. فما قصته؟