متابعات

القدس... المدينة والتهويد

لماذا تصر إسرائيل على جعل كل تلال مدينة القدس مستوطنات؟ سؤال يلح على كل عربي ويجيب عنه خالد عزب عبر 171 صفحة في كتابه الصادر حديثاً المعنون" القدس..المدينة والتهويد"، احتفاءًا بالقدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009.   
يستهل الكتاب بمقدمة مباشرة إلى صلب الموضوع حول برامج التوطين الإسرائيلية، مع إشارة إلى تعدادات اليهود مقابل السكان العرب والتي أصبحت الآن 230 ألف يهودي يسكنون القدس الغربية مقابل 190 ألف يسكنون القدس الشرقية. فان المعادلة مرشحة للانقلاب في الأعوام القليلة المقبلة، فابتداء من 2003 صار تعداد السكان اليهود في القدس الشرقية أعلى منه في القدس الغربية وأغلب هؤلاء في القدس من اليهود الأرثوذكس. 
يقول خالد عزب في مقدمة كتابه" القدس ظلت على مدار أربعة آلاف عام رمزاً للقداسة والسلطة السياسية، وعلى امتداد هذا الردح من الزمن، دأب الذين سادوا المدينة المقدسة على تشكيل وجهها المعماري وإعادة تشكيله مراراً لتوجيه رسائل ذات دلالة على القوة الإلهية، وعلى قوتهم هم أيضاً. لذا فالمستوطنات التي تطوق المدينة، تهدف إلى طبع صورة ذهنية أن هذه المدينة مدينة يهودية وليست عربية".

يقدم المؤلف مدخل إلى تهويد القدس يسرد فيه تاريخ عملية التهويد في فلسطين منذ عام 1948م، والتي زادت حدتها واتسع نطاقها منذ يونيو 1967م. مشيراً إلى أن السياسة الإسرائيلية ارتكزت على محاولة تغيير طابع المدينة السكاني والمعماري بشكل بنيوي فاستولت السلطات الإسرائيلية على معظم الأبنية الكبيرة في المدينة واتبعت أسلوب نسف المنشآت وإزالتها لتحل محلها أخرى يهودية، كما قامت بالاستيلاء على الأراضي التي يمتلكها عرب وطردهم وتوطين صهاينة بدلاً منهم.
وألمح المؤلف إلى أن التهويد الثقافي والإعلامي أحد المحاور الهامة في مخططات تهويد القدس، ويمس هذا التهويد تراث المدينة بدرجة كبيرة ذلك لأنه التعبير الحي عن هويتها، لذا بات التراث هاجس يمس بصورة يومية المقولات اليهودية الدارجة حول المدينة، بل تحول مؤخرا إلى قلق دائم لدى اليهود. وهم يحاولون من آن لآخر الإجابة على التساؤلات المطروحة أمامهم حول تاريخ القدس وتراثها ومدى يهوديتها. وللتهويد الثقافي والإعلامي صور شتى، منها التربوي، ومنها ما يمس مفاهيم ماهية القدس وحدودها، ومنها ما يتعلق بتزييف الحقائق التاريخية حول مدى قدسية القدس لدى اليهود ومنها ما يمس حقيقة الهيكل وهل له مكان ثابت مقدس يجب أن يبنى فيه؟
استعان اليهود بعلم الآثار كوسيلة لتدعيم تصوراتهم حول القدس فاكتشاف الماضي يوفر عامل حاسم في بناء الهوية السياسية أو تأكيد الحاضر، وهو ما يوفره علم الآثار لليهود، ولذا نراهم يحرصون على أن تكون جميع الرموز الوطنية الإسرائيلية مستمدة من عناصر ذات طبيعة تراثية، مثل شعار الدولة، والأوسمة والنياشين، وطوابع البريد والنقود.
على الجانب الآخر مازال العرب مغيبين في مجال الدراسات الأثرية التي تتعلق بفلسطين خاصة في عصور ما قبل التاريخ التي يركز عليها اليهود حاليًا لإثبات وجودهم في فلسطين بصفة عامة والقدس بصفة خاصة. بل إن التركيز على تراث المدينة الإسلامي لم يخرج عن الحرم القدسي، ولذا بات من الملح الاهتمام بهذا المجال كجزء من الخطاب السياسي الإسلامي والعربي الخاص بالقدس، ويؤكد المؤلف إننا نستطيع من خلال وثائق القدس  وآثارها المعمارية الإسلامية والمسيحية التي مازالت باقية إلى اليوم رسم صورة متكاملة للقدس في العصور المختلفة، وتحديد ملكية أراضيها خاصة ما يقع في ملكية الأوقاف منها. ومما يساعد على ذلك أن الوقفيات وسجلات محكمة القدس الشرعية تحدد حدود كل منشأه وأبعادها والطرق التي تقع عليها ومكوناتها والأراضي التي وقفت عليها إن كانت منشأه دينية أو خيرية أو منشأه اقتصادية تدر ريعًا. لقد فهم اليهود أهمية وثائق القدس فقاموا في 18 نوفمبر 1991م بالاستيلاء على بعضها من مبنى المحكمة الشرعية في المدينة.
ويشير عزب إلى أن الصورة الآن هى صورة قدس جديدة رأى اليهود أن تشيع في العالم من خلال الكتاب الذي يقدم مسار رحلة الحج التاريخية إلى مسيحي العالم كما رآها رحالة في القرن 19، هذه الصورة هي للقدس عاصمة إسرائيل الأبدية، التي سعى اليهود إلى تكريسها حتى أصبحنا نحن العرب نتقبل جانب من هذه المقولات كحقيقة صادقة لا تقبل النقاش، فالقول بوجود قدسين شرقية وغربية، أشبه بالهراء، إذ لا توجد سوى قدس واحدة، هي المدينة القديمة وضواحيها، التي هي عاصمة فلسطين المحتلة، ومنشأ شيوع هذا الخطأ السياسيين ووسائل الإعلام، إذ كانت القدس حتى عام 1917، ومنذ ذلك التاريخ بدأت الهوية العربية للقدس في التغير واغتصب اليهود القدس .
وجاء الفصل الأول من الكتاب "المدينة وتراثها المعماري" ليتحدث عن  المدينة القديمة، حيث تبلغ مساحة القدس ضمن الأسوار كيلو مترًا مربعًا واحدًا.. يشغل الحرم الأقصى الشريف ما يقارب 500×300 متر مربع في الناحية الجنوبية الشرقية، وهذه المساحة هي البؤرة الرئيسية للمدينة.. يحيط بالمدينة سور حجري مرتفع يشتمل على خمسة أبواب مفتوحة هي باب الزاهرة، وباب الأسباط، وباب العامود، والباب الجديد، وباب الخليل، وباب النبي داود عليه السلام، وأربعة أبواب مقفلة هي: الباب المفرد، والباب المزدوج، والباب الثلاثي، والباب الذهبي.
ويتعمق  المؤلف في هذا الفصل فى خصائص العمارة الإسلامية بالقدس، مشيراً إلى أن جميع أبنية القدس الشريف من الحجر، استعمل في بنائها مونة الجير، فلم يكن الأسمنت معروفًا والعقود الحاملة للأسمنت معروفًا والعقود الحاملة للأسقف بنيت من الحجر أيضًا، وشبابيك الأبنية صغيرة المساحة ومفتوحة في جدران سميكة لتؤمن التهوية والإضاءة. وتمنع دخول الأشعة المباشرة في نفس الوقت، تطل بعض الأبنية على الطريق من خلال مشربيات خشبية جميلة الصنع تساعد في تهوية البيت.
كما يقدم هذا الفصل وصفاً معمارياً دقيقاً لكل آثار القدس وأهمها: الحرم القدسي الشريف، باب الأسباط، ومئذنته،  باب الحطة، و مئذنة الغوانمة،  وحائط البراق، والمسجد الأقصى وقبة الصخرة، والقصور الأموية ، وسور القدس ، كما قدم شرحاً تفصيلياً لأعمال الترميم الحديثة التي تمت بها .

القدس على شفى هاوية

وتناول الفصل الثاني بالتفصيل قضية تهويد القدس،بعد أن اغتصب اليهود السيادة والسيطرة على القدس واستولوا على القدس الجديدة وضموا إليها المدن العربية المحيطة بها ،وعمل اليهود منذ أن حطوا أقدامهم في القدس بعد عدوان 1948 على نقل أجهزة دولتهم الرئيسية من تل أبيب إلى القدس بالرغم من أنها تمثل من وجهة نظرهم "مدينة على الحدود في كل شيء، تنقصها القاعدة الاقتصادية الواسعة، كما تنقصها الوفرة في الأرض"  إلا أنهم يهدفون إلى أبعد من ذلك.
فبعد أن يحققوا أحلامهم القديمة (من النيل إلى الفرات) سوف تصبح القدس في مركز الدائرة والدليل على ذلك، أنه جاء في بعض الرسوم اليهودية القديمة 1585م تخطيطًا للعالم تصور صاحبه أورشليم في الوسط وقارات العالم المعروفة في ذلك الوقت حولها (أوروبا- إفريقيا- آسيا).
وفي 14 أكتوبر 1958 ثم إرساء حجر أساس الكنيست وتم بناؤه إلى خمسة طوابق، ضاربة عرض الحائط بما اتخذ من قرارات دولية بحياد القدس، وبدا اليهود في تدعيم مركزهم في القدس حتى استولوا عليها يوم الأربعاء 7 يونيه 1967م.
في يونية 1967 أصدر الكنيست ثلاثة قوانين أعطت لإسرائيل وحدها الحق في تطبيق القوانين التابعة لها على أي أرض ترغب في ضمها، وموجب هذه القوانين وقعت كل من المدينة القديمة فيما بين قرية قلنديا ومطارها في الشمال وسور باهر وبيت صفافا في الجنوب وقرى طور والعزارية وعيناتا ورام في الشرق تحت حكم إسرائيل المباشر ، وتم حل مجلس البلدية العربي في القدس والاستيلاء على كل ما كان بحوزته وأمواله ووثائقه. وأغلقت المحاكم المدنية العربية وفرض القانون الإسرائيلي على المدينة، وأجبرت المدارس والمعاهد التعليمية على أن تطبق المناهج الإسرائيلية، كما فرض على كل الجمعيات والشركات وأصحاب المهن أن يسجلوا أنفسهم مرة أخرى لدى السلطات الإسرائيلية، وأجبرت البنوك العربية على الإغلاق وسيطرت إسرائيل على المتحف الفلسطيني، وعلى كل ما بداخله.
ويكشف خالد عزب عن إحصائيات وحقائق المصادرات وطرد السكان ويقدر عدد سكان القدس حاليًا 600 ألف نسمة منهم 500 ألف يهودي بينما لم يزد عدد العرب على 100 ألف بسبب ممارسات إسرائيل الاقتصادية والسياسية ضد السكان العرب وإجلاء الآلاف منهم خارج القدس وعدم السماح بإنشاء أبنية سكنية جديدة للعرب في القدس إلا ما ندر وخارج أسواق القدس الشريف. إن تعزيز الإسكان اليهودي في القدس يشير إلى تغيير معالم القدس والوضع الراهن فيها سكانيًا وامتلاكيًا وحضاريًا وسيادةً. وقد أعلن وزير الإسكان اليهودي في مؤتمر عام 1971 أن المنشآت اليهودية الجديدة قد تمت إقامتها لغرض محدد وهو تقوية الطابع اليهودي للمدينة .
ويشير الكتاب إلى ما تمارسه إسرائيل من تشويه وتدمير معالم المدينة، حيث سعت السلطات اليهودية منذ استيلائها الكامل على المدينة إلى تشويه وتدمير المعالم الإسلامية، فعندما استولت على حي المغاربة وهدمته هدمت مسجدين كانا يخدمان سكانه، وجاء بعد ذلك قرار من وزير المالية اليهودية بمصادرة مساحة واسعة للمسجد الأقصى، واعتبارها أملاكًا إسرائيلية، واشتملت هذه المساحة على 5 مساجد، و4 مدارس، ومركزين ثقافيين إسلاميين هما زاوية أبي مدين الغوث والزاوية الفخرية.
وذيل الكتاب بمجموعة من الملاحق التي تقدم معلومات مستفيضة للقارئ عن القدس وتاريخها، حيث جاء الملحق الأول بعنوان" القدس تواريخ لا تنسى"، والثاني" من أقوال قادة الصهاينة وحاخاماتهم وزعمائهم السياسيين حول القدس"، والثالث" معلومات موجزة عن الأحياء العربية خارج أسوار المدينة"، والرابع" الاعتداءات المسلحة على الأقصى".
كما أرفق بالكتاب كتالوج للصور  يضم خرائط بها تخطيط المدينة القديمة، والحرم القدسي من الجو ، والمسقط الأفقي للمسجد الأقصى، وقبة المعراج وقبة النبي، وخريطة لفلسطين عام 1915، واقتراح التقسيم الذي تقدمت به اللجنة الملكية عام 1936 .

قد ينال إعجابكم