متابعات

سمير عبدالله: في عمق كل فلسطيني رفض للاستسلام

هذا ما عملت على إبرازه في فيلم "اليوم الموالي لمقطوعة غزة"

أجرى الحوار وعربه عن الفرنسية: أحمد القاسمي.

المخرج سمير عبد الله

هو سينمائي فرنسي دنماركي مصري، يحلو له أن يقدّم نفسه بكونه "مواطنا من العالم"  (un citoyen du monde)باختصار. يتبنى  القضايا العربيّة ويجعلها التيمة الرئيسيّة التي تدور عليها أفلامه، من مشاغل العرب المهاجرين إلى  فرنسا إلى حرب الثلاثة والثلاثين يوما على لبنان إلى العدوان الإسرائيلي على غزة.. إنه المخرج سمير عبد الله.  التقيناه بمدينة قليبية التونسيّة ضيفا يفتتح مهرجانها الدولي للسينمائيين الهواة بفيلمه "اليوم الموالي لمقطوعة غزة" (Gaza-Strophe, le jour d’après) وتوكل له عضويّة لجنة تحكيم جائزتها الدوليّة الصقر الذهبي فكان لنا معه هذا الحوار ...
* ما أنجزت من أفلام يكشف عن توجهك إلى سينما ذات طابع خاص وإلى هموم إنسانيّة بعينها ظلت تتواتر في مختلف أفلامك.
  منذ بداياتي في عالم الصورة في أوائل الثمانينيات حددت الفيلم الوثائقي اختيارا لي وقررت الانتصار إلى قضايا المقهورين. بدأت مسيرتي بتسليط الضوء على قضايا المهاجرين العرب في فرنسا، واليوم، بعد عقدين من الزمن أعمل في فيلمي المقبل ( سيتحدث عن قضايا الجيل الثاني من أبناء المهاجرين) على متابعة مسيرة المرشحين العرب الفرنسيين من مختلف الأحزاب محاولا أن أفهم ما يجعلهم، على اختلاف انتماءاتهم، يفشلون في الانخراط الفاعل في معترك الحياة السياسية ويكتفون بأدوار ثانوية. ولكن فضلا عن هذا الإشكالية مثلت قضيّة الشرق الأوسط بكل تعقيداتها محورا جاذبا تدور عليه أفلامي. فقد أخرجت فيلم: "كُتاب الحدود" تابعت فيه تجمع عدد من الكتّاب لمناصرة القضيّة الفلسطينيّة، بدعوة من الشاعر محمود درويش، أيام الحصار الإسرائيلي على مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. فجاء الفيلم في شكل يوميات لهذا الحصار.

معلقة فيلم كتاب الحدود

ومن أفلامي "بعد الحرب ثمة دوما حرب": (Après la guerre, c’est toujours la guerre)  ظهر سنة 2007 بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان رافقت فيه مجموعة من الصحافيين من جريدة "الأخبار" أثناء العدوان وزرت معهم الجنوب اللبناني بعد الحرب للاطلاع على ما خلفته القنابل العنقوديّة.. ثم جاء فيلمنا هذا "اليوم الموالي لمقطوعة غزة" (Gaza-Strophe, le jour d’après) الذي صورته مباشرة بعد انتهاء الحرب ويمثل عرضه في افتتاح مهرجان قليبية أول عرض له خارج فرنسا.

* ملصق الفيلم شمل على بنايات بديعة تتشكل صورتها داخل ظلمة الليل بفعل ضوء القنابل: ألوان بهيجة خلفها خطوط فضيّة أشبه بقوس قزح، ألا تخشى أن تكون هذه المعلقة مَغْناة تجمّل الحرب أكثر مما تدينها؟  
      

معلقة الفيلم مقطوعة غزة

هذا بعض ممّا توحي به المعلقة، لقد أردنا لها هذه القراءة بالفعل. التقطنا الصورة عندما كنا على المعبر على الحدود المصريّة، ننتظر الإذن لنا بالدخول. فوجدنا فيها نموذجا لما تبثه القنوات الغربيّة ممّا يحوّل الحرب بكل ويلاتها إلى مهرجان أضواء وضرب من الألعاب النارية تدعّم الجانب المشهدي، وتحوّل الدمار إلى عنصر فرجة.  ولكننا بالمقابل أضفنا في  الواجهة رسما من إنجاز طفلة ترصد لحظة سقوط صاروخ ليغتال البراءة وييتّم الأطفال. لقد أردنا أن نعقد مواجهة بين رؤيتين متقابلتين: رؤية منافقة متواطئة هي من شأن العدسات التي تراقب المشهد من بعيد فتصوره على النحو الذي ذكرت وأخرى بريئة لأطفال عاشوا الحرب وتذوقوا مرارتها.
 لم نسع إلى رصّد لحظات الوجع أو البحث عن ملامح الدمار وإن كانت تفرض نفسها على عدساتنا, بقدر ما كنّا نسعى إلى عكس صورة طالما أذهلتنا هي صورة الفلسطيني الذي يواجه ويتحدى أكثر ممّا يخضع ويتألم.

* على مستوى السرد وانتظام الأحداث، وجدنا الفيلم يتكوّن من مجمل من المشاهد المفكّكة، حتى أنكم احتجتم إلى صوت سارد مفسّر، يتدخل بين مقطع وأخر ليكفل مرونة التقبّل. إلى أي حد كان هذا الاختيار الجمالي موفقا في تقديركم؟
 قد يجد هذا الفيلم ممانعة من بعض المشاهدين، هذا أمر متوقع باعتباره يخرج عن البناء الكلاسيكي المعهود للفيلم الوثائقي. ولكننا نجد اختيارنا هذا مبررّا من جهتين على الأقل: فمن جهة أولى أردنا أن يكون الفيلم مبعثرا يحاكي في تبعثره  تفكك غزة المقطعة الأوصال بفعل الحرب. لقد بدت لنا الحالة استثنائيّة تقتضي معالجة استثنائية على مستوى المونتاج. أمّا الجهة الثانية فتتصل بطبيعة العرض، فالعمل ينخرط ضمن ما بات يعرف اليوم بالفيلم في طور الإنجاز ( un film en chantier) باعتبار أنّ النسخة النهائيّة لم تكتمل بعد. ولعلّ هذا التأخر يعود إلى وفرة المادة, فنحن نختار ساعة من بين أكثر من 14 ساعة تصوير. ثم إن التقسيم إلى مجمل من المقاطع ييسر الوصول إليها عبر الانترنت. فقد كان هذا اختيارنا حتى تصل الصورة إلى عامة الناس في أسرع وقت ممكن. لقد تم الانتهاء من التصوير في منتصف فيفري، ومع بداية شهر مارس أصبحت هذه المادة متاحة للعموم.
ثم لا يغيب عنّا أنّ الفيلم شهادة بشكل من الأشكال. ولقد اتصلت بنا منظمات حقوقيّة حقوقية بعد لتجعل من مادتنا منطلقا يدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في حق المدنيين. على أنّ ما ذكرنا لا ينفي أننا نعمل على توفير نسخة تقليدية تكون صالحة للعرض على القنوات التلفزيونية. وبشكل عام فإن استراتيجيات التقبل وطبيعة الوسيط التقني أو الإعلامي جعلتنا ننجز نسخا مختلفة للمادة نفسها.

* وجدنا منكم تركيزا على رمزين كثيرا ما أشارا إلى القضية الفلسطينيّة هما الحمام والزيتون. ولكن الحمام يطير ليحلّق بعيدا والزيتون يجرّف. هل يمثل ذلك قراءة ما للوضع الفلسطيني؟ 
هذه الرموز موجودة بالفعل في الفيلم. ولكنها هي من جاء إلى الصورة وفرض نفسه عليها فنحن لم نسع إليها ولم نبحث عنها. لقد كان الأمر مريعا وحيثما وليت الكاميرا يكون المشهد قويّا وصادما يتجاوز الوظيفة المرجعيّة إلى الوظيفة الرمزية.  وتركيزنا على مثل هذه العناصر يعود إلى انطباع  ملخصه أن عرفات لم يقتل إلا لأنه يمثل المقاومة وأن خطّه يوأد اليوم ضمن مخطط يسعى إلى فرض الاستسلام على الفلسطينيين. وهذا ما لن يتحقق أبدا من وجهة نظري.. ففي عمق كل فلسطيني رفض للاستسلام وهو ما عملت على إبرازه في الفيلم.

* للفيلم الوثائقي اتجاهات منه التحقيق ومنه الحوار ومنه الفيلم الشاعري، ولكنّ فيلم " اليوم الموالي لمقطوعة غزة" يجمع بين هذه العناصر جميعا دون أن الالتزام بانتماء إلى أي نوع فني.
إن بناء الفيلم ومكونات اللقطة فرضت نفسها علينا. لقد دخلنا غزة ونحن نحمل كاميرا دون إعداد مسبق أو فكرة عمّا سنصوّر.... كان هدفنا أن نلتقي الناس وأن نستمع إلى شهاداتهم. وعندما كنت أتحدث إليهم في الظلام حيث تستحيل التقاط الصور ورأيتهم يجتهدون لإشعال الشموع. بدا لي المشهد يرشح فنّا سينمائيّا: نور يكافح ليكتسح الظلام ويشكل صورة اليد التي تمسكه. قلت حينها هذه الصورة التي جئت من أجلها: إنها غزة المحاصرة والمدمرة التي تكافح من أجل نصيب ضئيل من النور. سيكون فعلها أقوى من صور البنايات المنهارة والأدخنة المتصاعدة. ثمة مشهد آخر أثارني: هي صورة الفتى الذي يجمع نبات الصبّار الذي داسته الجرافات الإسرائيلية. وجدت فيه تعبيرا يجمع بين الوجع الفلسطيني والتحديّ في الآن نفسه. لقد كان حنظله يمر من أمامي ولابد أن المشاهد سيجد فيه هذا البعد بشكل من الأشكال، حتى وإن لم يكن عربيّا ولا يعرف ناجي العلي فسيصله شيء من المعنى..
 
* ركزتم على المدنيين وعلى البسطاء منهم خاصة لماذا هذا الاختيار؟..  
أحدهم قال لي أنت تلتقي الناس جميعا وفي جميع الحالات ستجد ما تبحث عنه وتقول هذا هو الوضع الفلسطيني.. لماذا لم تصور حماس وفتح... وبالفعل عملت على تصوير المدنيين الذين يتحملون وزر الحرب.. فمعهم تكون الصورة أقوى بعيدا عن الدعاية..  أما الفصائل فلها منابرها لتَبلغ من خلالها صوتها.

* الخطير في هذا أن الفيلم ينفي ضمنا فكرة المقاومة أو يدينها.. لقد كنا نسمع أحدهم يسخر من فكرة انتصار الإرادة الفلسطينيّة بقوله "كمان انتصارين ولن تجدوا فلسطينيّا واحدا" كما أن المدنيين كثيرا ما كانوا يردّدون: "نحن لا نمثل خطرا على إسرائيل.. نحن آمنون مسالمون".
 في فرنسا كانوا يقولون لي كلاما مختلفا نحو " إنك بهذه الصور تحرّض على المقاومة وتمنحها الشرعيّة". قد يعود ذلك إلى طبيعة الفيلم الذي يتجنب الخطاب الدعائي المباشر. ولكن فكرة التّحدي كانت محور عملنا الرئيسيّ.. من جهة الموقف الشخصيّ أنا أعلن صراحة أنني مع فكرة المقاومة فذلك ما تكفله جميع القوانين والأعراف.. هذا موقفي وهذا ما تعمل أفلامي على تبليغه.. 

قد ينال إعجابكم