متابعات

الفيلم التونسي "الدواحة" أو "أسرار مدفونة

"الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة التونسية الشابة رجاء عماري يحمل عنوانا سحريا غريبا هو "الدواحة" (أي أغنية ما قبل النوم للأطفال) أو "أسرار مدفونة". وقد شهد مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير العرض العالمي الأول للفيلم ضمن قسم "آفاق" أي خارج المسابقة، انتقل بعده إلى عدد من المهرجانات السينمائية الدولية في العالم العربي وأوروبا.

المخرجة رجاء العماري

وكانت رجاء عماري قد أخرجت فيلمها الأول قبل عامين بعنوان "الستان الأحمر". وفي "الدواحة" تصور رجاء مجددا موضوعا يدور حول فكرة قمع المرأة في المجتمعات العربية المغلقة، والرغبة التي لابد أن تنشأ في التحرر والانعتاق والبحث عن آفاق أخرى للمعرفة، وهو في الحقيقة، الموضوع الذي تناولته السينما التونسية تحديدا بكثرة في أفلامها الشهيرة خصوصا الأفلام التي أخرجتها مفيدة التلاتلي وأشهرها "صمت القصور".
أما "الدواحة" فليس من الممكن تناوله فقط على الصعيد الواقعي، أي باعتباره يصور قصة تدور في الواقع المعاصر اليوم في تونس لشخصيات من لحم ودم. صحيح أنه يكتسي طابعا واقعيا مشوبا بلمسة "سحرية"، إلا أنه يبدو أقرب إلى الحكايات الخرافية التي ترويها الجدات للأطفال في ليالي الشتاء.
هناك أجواء كابوسية واضحة تكثفها رجاء عماري من خلال استخدام الإضاءة الخافتة، والديكورات او الأماكن الضيقة المغلقة التي يدور التصوير داخلها، والحركة المحدودة للكاميرا، والتركيز على اللقطات القريبة والمتوسطة، للإيحاء بأجواء السجن.
والموضوع يدور حول شخصيات أربعة من النساء: أم وابنتيها: راضية وعائشة، يعشن في الطابق السفلي، تحت الأرض، المخصص لسكن الخدم في قصر من القصور القديمة في الضواحي. والشخصية الرابعة هي سالمة، التي تأتي للعيش مع صديقها في الطابق الكائن أعلى سكن الخدم في نفس المبنى العتيق.

الأم تمارس قمعا شديدا ضد الشابة المراهقة "عائشة" وتحظر عليها الخروج من المنزل، أو التزين أو ممارسة أي نوع من أنواع التحقق الذاتي بعد أن بدأت تكبر وتشعر بأنوثتها. إلا أن "القهر" هنا لا يأتي من الرجل، كما شاهدنا في أفلام تونسية سابقة، بل من الأم، التي قد تكون رمزا للتقاليد العتيقة البالية، أو معادلا للقديم، تلخص العزلة والقطيعة مع الحداثة، (مع الضوء، مع الخارج، ومع المدينة بشكل حرفي في الفيلم) ومع التحقق على أي مستوى، فالبقاء في "الأسفل" ليس فقط قدرا، بل اختيارا قاسيا يبدو ممتدا بلا نهاية، والعزلة المفروضة على الذات قادمة من موروث يمتد بامتداد الدهر.
"راضية" شقيقة عائشة، تبدو راضية بالفعل عن سلوك أمها القمعي التسلطي، لكنها تتمتع بقسط ضئيل من حرية الخروج أحيانا، فهي تصنع بعض المشغولات اليدوية التي تقوم بتسويقها وتنفق من دخلها المحدود على الأسرة.
وعندما تحل "سالمة" في الطابق الكائن أعلى تلك الأقبية الكئيبة التي تعيش فيها الأسرة (ربما ترمز للقهر الطبقي الناتج عن القهر الاجتماعي) ينقلب عالم "عائشة" رأسا على عقب، فهي تتلصص على سالمة وحبيبها وهما يمارسان الجنس، وتطلع بالتالي على أشياء "محرمة" في العلاقة بين الرجل والمرأة لم تكن تدري عنها شيئا، كما ترى سالمة وهي تتزين وترتدي الملابس العصرية الحديثة، وتأخذ في محاكاتها والتشبه بها.

لقطة من فيلم الدواحة

ويصبح وجود سالمة أداة استفزاز واعجاب في الوقت ذاته، عند عائشة، بل ومفجرا لتمردها الذي يبدأ تدريجيا، ليصل إلى نهاية دموية مأساوية، توحي بأن التحقق والانعتاق لا يمكن أن يحدث إلا بعد هدم أداة القهر الموروث، وهي هنا الأم، على نحو يتناقض مع الفكرة المسبقة عن دور "الأم" (كمعادل للرحمة والحنان بشكل عام في الفكر التقليدي السائد).
الموضوع في هذا الإطار، صعب ومليء بالأشواك، وفيه اجتراء كبير على الأفكار القديمة عن الأسرة. الرجل هنا مثلا غائب تماما وربما يكون قد هجر الأسرة، أو مات، أو لقي مصيره قتلا على يد الأم/ الزوجة.
ولا يهتم الفيلم كثيرا بالوصف الاجتماعي أو بتقديم تحليل درامي يستند إلى الجوانب النفسية في تبرير تصرفات الشخصيات: من غير المفهوم مثلا كيف تكون الأم بمثل هذه القسوة السادية على ابنتها. ومن غير المفهوم أيضا لماذا تقع "سالمة"، الجارة الجديدة العصرية، في أيدي الأسرة التي تقطن في أسفل، يقبضون عليها، يقيدون حركتها، ويمنعونها من المغادرة بعد أن سمحت لنفسها بالولوج إلى عالم هاته النسوة اللاتي يقمن في المساحة المهجورة بين الواقعي والخيالي، وكأنها اعتدت على العالم السكوني لهن، واقتحمت حجب تلك الأسرار المدفونة التي لا يجب أن تتبدى أبدا أو تنكشف للآخرين، ولذا يصبح من الضروري أن تدفع الثمن.
أما "عائشة" فلديها القدرة على خلق خيالها الخاص في سجنها هذا.. هذا الخيال الذي تغذيه الجارة الشابة بتصرفاتها وملابسها بل ورائحة عطرها أيضا، تجعل الرغبة في "الخروج" لدى عائشة تبلغ حدا مرعبا لا يقف أمامه شيء. وهنا يبلغ الفيلم ذروته.
أجواء كابوسية تدور في المساحة ما بين الحلم واليقظة، بين الواقع والخيال، وبين الظلمة والنور، ووسط ديكورات ملائمة تماما لرواية تلك القصة التي لاشك أن فيها عنصرا تجريديا مقصودا.
رجاء عماري نجحت في خلق الأجواء العامة التي تميز الصورة وتمنح الفيلم نكهة خاصة وطعما "أنثويا" خالصا: قتامة الصورة، واختيار أماكن التصوير، تجسيد التناقض بين الخارج والداخل، والتحكم في أداء الممثلات
ربما يكون الإيقاع قد امتد أكثر مما ينبغي في بعض المشاهد التي شابها البطء وبعض التكرار أحيانا.
وربما لا تكون الموسيقى المصاحبة قد وفقت في تكثيف لحظات القسوة التي تتصاعد إلى الجنون المطلق، بل بدت أحيانا أكثر طغيانا على الصورة مما ينبغي.

الممثلة حفصية حرزي

ولكن الأداء متميز من جانب حفصية حرزي في دور عائشة، وريم البنا في دور سالمة، وسندس بلحسن في دور الشقيقة راضية.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

"هروبي"

لا يمكننا إغفال قوة اللقطات التي تم بثها في الفيلم رغم ضعفها الفني والتقني ..