متابعات

"أي كلام" لمحمد محفوظ: فوضى العالم في سياق سيريالي

لاشك أننا نعيش في ظل ما يمكن تسميته "ثورة الديجيتال" أي تلك الطفرة الكبيرة التي حدثت خلال العقد الأخير وأدت إلى التطور الهائل الذي نشهده في تقنيات كاميرات الفيديو الرقمية صغيرة الحجم (الديجيتال) التي أصحبت متوفرة وتتيح الفرصة للكثيرين من عشاق التصوير والإخراج لممارسة الإخراج والتصوير في الآلاف من الأفلام التجريبية الوثائقية والدرامية وغير الخيالية التي يمكن أن تثمر فيما بعد وتتكثف في تجارب احترافية أكبر.
ولو لم تكن كاميرا الديجيتال قد ظهرت لما كان قد ظهر الكثير من الأعمال التي تبشر بمواهب حقيقية ينتظر أن تكبر وتكبر معها طموحاتها وتنضج لتساهم في تطوير سينمانا العربية.
من هذه التجارب الجديدة الواعدة، فيلم "أي كلام" الذي كتبه وأخرجه الصحفي المصري محمد سعيد محفوظ، والذي حصل أخيرا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية والقصيرة.
هذا الفيلم (17 دقيقة) يكشف عن قدرة مخرجه ومؤلفه على تجسيد خياله الشخصي الجامح، من خلال لغة بصرية حديثة، تمزج بين الظاهر والباطن، بين الموجود على السطح والكامن في الأعماق، أعماق الصورة وأعماق صاحب الرؤية الذي يعبر عن هواجسه وأحلامه وطموحاته وانكساراته واحباطاته الشخصية من خلال هذا الفيلم.

إن محمد سعيد محفوظ، بطل الفيلم الذي يؤدي دوره الحقيقي في الحياة كصحفي ومراسل تليفزيوني ومقدم ومعد لبرنامج ناجح في الشؤون الجارية، يغوص تحت سطح العقل الباطن، من خلال نفس المدخل الذي سبق أن دفع المخرج الأمريكي روبرت فوس إلى إخراج فيلمه الشهير "كل هذا الجاز" All That Jaz، كما دفع يوسف شاهين إلى صنع "حدوتة مصرية"، أي بعد التعرض لتجربة مشابهة في غرفة العمليات، حيث يرقد على طاولة العمليات لإزالة ورم في المخ، مشرفا بالتالي على عتبات الموت، وهنا يأخذ في استدعاء ما في داخل عقله الباطن تحت تأثير المخدر، فيتطلع إلى مشوار الحياة، أو بالأحرى، يتوقف عند بعض المحطات الأساسية التي شكلت مفاصل لها دلالة خاصة في حياته.
محمد سعيد هنا: مقدم تليفزيوني ناجح  ومراسل يتوجه إلى مناطق الخطر، يواجه الجنود الاسرائيليين ويفضح الممارسات القمعية في الأرض المحتلة، يصور مظاهرات الغضب والاحتجاج، ويواجه المسؤولين بأسئلته الاقتحامية، يرفض الاعتداء على الصحفيين، يكشف الفظائع التي ترتكب في الصومال، يتأمل بفزع في حادث تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك ورد فعل الرئيس بوش، يقدم برنامجا يتصور أنه يعرض قضايا تهم الناس، لكنه يشعر بفزع أكبر عندما يلتقي سيدة من المشاهدين تبدي إعجابها الكبير ببرنامجه التليفزيوني وتقول له إن حلقاته هي "التي كانت تسليني"!

المخرج محمد سعيد محفوظ

داخل العقل الباطن..
يصور محمد سعيد محفوظ رحلته داخل العقل الباطن وهو مستلق باستسلام تحت تأثير المخدر أمام الجرحين، لكي ينزعوا من مخه ذلك الورم الغريب، فيبدو الأمر كما لو أنهم ينتزعون قطعة من مخه نفسه أو يقومون بعملية هي أقرب إلى "الاخصاء" الذهني!
الفيلم يصور حالة العجز التي يشعر بها صحفي يرى أن مهنته تفرض عليه أن يقدم الحقيقة، لكنه يواجه بعالم يسعى بشتى الطرق لاغتيال الحقيقة، وحجب الصورة الحقيقية عن الوصول إلى الناس، ورغم كل ما يتواتر من صور يوميا على شاشات التليفزيون في العالم، تظل الحقيقة خافية، ويصبح الصحفي أو الإعلامي التليفزيوني مجرد "مهرج" وهو ما يجسده لمحمد سعيد بشكل مباشر في نهاية فيلمه البليغ.
وقد لا يكون أهم ما في فيلم "أي كلام" هو موضوعه أو إدانته لما يحدث من "كذب واعتداء على الحقيقة" في عالمنا اليوم، بل الحقيقة أن سحر هذا العمل الأول الجميل، يكمن أساسا في لغته، وفي خيال مبدعه، وإحساسه بالإيقاع، وعلاقة الصور ببعضها البعض، وفي سيطرته على لقطاته وقدرته على الانتقال بين الأحجام المختلفة للقطات، واستخدامه الخاص للموسيقى والمؤثرات الصوتية بحيث تصبح متآلفة تماما مع الصورة: دقات القلب، الموسيقى التي تنبيء بالخطر، الموسيقى الكلاسيكية للإيحاء بضخامة الحدث (في لقطات تفجير برج التجارة العالمي) أو الموسيقى الأكثر سرعة في الايقاع، الغنائية الراقصة أيضا.

لغة الفيلم...
بناء الفيلم لا يهدف إلى قص حكاية ولا إلى تلخيص حدث أو توليف لقطات متناثرة لتوصيل رسالة أيديولوجية معينة، فلسنا أمام عمل من أعمال ما يعرف بـ "سينما الحقيقة" مثلا، ولا أمام فيلم يوثق أو يمزج بين التسجيلي الموضوعي والخيالي الذاتي، بل إن مفردات اللغة هنا تقترب كثيرا من مفردات السيريالية: حركة يد الجراح وهو يحاول انتزاع الورم من المخ مجردة ومعزولة عن المحيط، لقطات لمحمد وهو يقف أمام قرص الشمس في صمت.. محمد في لقطة واحدة يجسد شخصيات عدة (خمس شخصيات) تجلس أو تقف في أوضاع مختلفة، تراقب وتتفرج ربما عبر شاشة تليفزيون، على ما يجري في الأرض المحتلة من صدامات بين الفلسطينيين وجنود الجيش الاسرائيلي. محمد وهو يعلب الشطرنج مع شخص آخر لكن لوحة الشطرنج يقف فوقها عدد من الصحفيين منهم المصور ومنهم المراسل وغير ذلك، وهؤلاء الصحفيين يتطلعون إلى شتى الجوانب، في إحساس بالفزع والخوف والترقب والقلق.. أو مزيج من هذه المشاعر والأحاسيس كلها.

لقطتـان…
هناك لقطتان في الفيلم، هما اللقطتان الأكثر طولا على الإطلاق، يلخصان لنا أسلوب الفيلم ولغة مخرجه وطريقته في النظر إلى الأشياء: اللقطة الأولى لباب أحمر مكتوب عليه بالانجليزية "مدير التليفزيون".. واللقطة مصورة من زاوية منخفضة لكي تمنح الإحساس بالرهبة والأهمية. الموسيقى عبارة عن ايقاع واحد متكرر رتيب أقرب إلى دقات ساعة. واللقطة الثانية البديعة حقا، تبدو كما لو كانت مصورة من خلال ثقب مفتاح الباب، لكرسي أسود مرتفع خال، لا أحد يجلس فوقه. وكما أشرت، تستغرق اللقطتان حوالي 40 ثانية، وهما لقطتان ثابتتان لا تتحرك خلالهما الكاميرا.
ما الذي يريد أن يقوله من خلال هاتين اللقطتين في علاقتهما ببعضمها البعض؟ هذا الأمر متروك لكل متفرج على حدة لكي يصل بنفسه إلى استنتاجاته.
إنه التلاعب الصورة، ووضعها في سياق محدد، بدون تلقي أو صراخ أو تأكيد أجوف، بل إنها تصبح أبلغ من كل الكلمات.
من قصف بغداد عام 2003، إلى لقطات للرئيس جمال عبد الناصر (الذي لم يكن ليغير مما يحدث للعراق في 2003 حسب كلمات معاصره أمين هويدي).. ومن الضوء الأبيض الشاحب الذي يغلف غرفة العمليات التي يظل الفيلم يعود إليها من وقت إلى آخر، إلى جلوسه أمام المرآة ورجل الماكياج يضع اللمسات الأخيرة فوق وجهه، ومحمد سعيد يتأمل ويفكر ويسرح بذهنه.. طويلا.. إلى أن يصل إلى قمة السخرية في لقطة له وهو يرتدي ملابس المهرج ويضع الأصباغ والألوان على وجهه في مواجهة الكاميرا،و يقدم بجدية تامة تتناقض مع مظهره كمهرج، مزيدا من الأخبار التقليدية. ونصل في النهاية إلى لقطة له أمام قرص الشمس الأحمر، لكنه هذه المرة، يبدأ في الحركة، في الجري نحو الأفق اللانهائي.. وكأننا ندلف معه إلى عالم آخر ممتد في الوعي/ اللاوعي.. إلى حيث التيه المطلق.

لقطة من الفيلم

سيطرة على الأدوات..
محمد سعيد محفوظ لاشك أنه يسيطر جيدا على أدواته: فهو يعرف بدقة أين يقطع لكي ينتقل من لقطة إلى لقطة أخرى، أو وهو ينتقل بين الحركة البطئية والحركة العادية، ويمزج بين التسجيلي والخيالي، وبين اللقطات التي نسمع عليها تعليقا صوتيا، أو اللقطات الصامتة أو تلك التي يأتينا الصوت من خارجها بل ومن خارج المكان كله، عبر شاشة التليفزيون.. ودائما هذه الشاشة حاضرة في الفيلم، ربما لأن العالم أصبح يتجسد في ذهن هذا الإعلامي الراقد في استسلام تام لمشرط الجراح في انتظار أن يتحدد مصره، يدرك عبر اللاوعي، أنه محكوم في النهاية بتلك الشاشة.. في العمل والبيت بل وفي الشارع أيضا، عندما يجعله يشاهد صورة جورج دبليو بوش ويستمع إليه وهو يعلن حربه على الإرهاب.
أخيرا، ربما يكون لدي تحفظ واحد على عنوان هذا الفيلم المثير "أي كلام" فقد كان جديرا بمحمد سعيد محفوظ أن يطلق على فيلمه اسما آخر مثل "تحت التخدير" أو "هلوسات صحفي" فلسنا في النهاية أمام أي كلام، بل أمام كلام محدد جدا، وعقل يفكر ويستدعي الأشياء، وإن اختار أن يضعها في سياق الفوضى.. المنظمة تماما بالطبع!

قد ينال إعجابكم

بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. وكان منذ فجر شبابه يحلم بالوقوف أمام كاميرات...