متابعات

"إحكي ياشهرزاد" بعد عرضه في مهرجان فينيسيا

تكلمت شهرزاد كثيرا.. ولكن أين لغة السينما؟


أمير العمري- فينيسيا

كان أول انطباع تكون لدي وأنا أتابع فيلم المخرج المبدع يسري نصر الله "احكي ياشهرزاد" أن يسري هنا فقد الكثير من "أرستقراطيته" السينمائية، أي قدرته الواثقة على التعبير عما يشغله حقا بلغة سينمائية، تخفي أكثر مما تظهر، من خلال شخصيات لها أبعادها وتعقيداتها الدفينة كما أن لها أيضا أسرارها المحجوبة، شخصيات تبوح لكنه البوح الذي يتحرر من قيود المكان والزمان، أو يبدو كذلك. وعادة ما يأخذك السرد في أفلام يسري بعيدا عن الاهتمام الخاص بـ "الحبكة"، إلى نوع من التأملات الذهنية التي يفرضها عليك السياق السينمائي الذي يتحكم فيه يسري بحيث لا يفور مرة واحدة كالبركان ويتصاعد في شكل ميلودراما يتم خلالها تصفية الحسابات تصفية دموية، أو يتجسد القمع بطريقة مباشرة فظة.
وأظن أن هذا الابتعاد الدرامي عن المباشرة هو ما يميز الأعمال الفنية الرفيعة في تاريخ الفن ويسمو بها ويجعلها قابلة أيضا لتفسيرات متعددة.
أما في فيلم "إحكي ياشهرزاد" الذي أخرجه يسري نصر الله عن سيناريو لوحيد حامد، فنحن أمام فيلم يتراجع كثيرا عن سينما العقل والروح، السينما الذهنية التي تلمس قلوبنا ولكن لا تقحم نفسها علينا، إلى سينما العاطفة والرسالة الاجتماعية المباشرة.
وقد لا يكون هناك عيب في ذلك، فمن حق السينمائي، أي سينمائي، أن ينوع ويبدل ويختار المواضيع التي تثير حماسه، خاصة إذا كان بتكوين يسري السياسي الذي قد يختبيء وراء بعض الاهتمامات الذاتية أحيانا إلا أنه يعود ليتبدى في أعماله ولو من وراء الصور ومن تحت جلد الشخصيات.
"إحكي ياشهرزاد" الذي عرض خارج المسابقة في الدورة الـ66 من مهرجان فينسيا السينمائي، يبدو أقرب في أسلوب بنائه إلى المسلسل أو المسرحية التي تعتمد على عدة فصول أو "اسكتشات" منفصلة، مقصود منها عرض إشكالية العلاقة بين المرأة والرجل في المجتمع المصري أو في المجتمعات "المتخلفة" عموما.
يحاول الفيلم من خلال السيناريو، أن يربط بشكل قسري بين كل ما نشاهده من قصص تستعرض تجارب متنوعة ومتباينة لعدد من النساء في علاقتهن بالرجال، وذلك من خلال شخصية مقدمة برنامج تليفزيوني من برامج استضافة الشخصيات (توك شو) تندفع بحكم تأزم علاقتها مع زوجها الصحفي الانتهازي الوصولي، إلى الكشف عن مزيد من جوانب العلاقة المعقدة القمعية من جانب الرجل ضد المرأة.
هذه الصلة الدرامية تبدو ضعيفة إذا ما قمنا بتحليلها من زاوية واقعيتها، فقد يثور الكثير من التساؤلات حول مصداقية تلك القوة "الأسطورية" لمذيعة تليفزيون في مجتمع استبدادي (كما يقر الفيلم نفسه في أكثر من موضع) يمكنه أن يسحقها بكل بساطة دون أي حاجة إلى اللف والدوران، والتخفي وراء لعبة الضغط على زوجها لكي "يهديء" من روعها أو يلجمها بمعنى أصح، وهو المعنى الذي يشير به المسؤول إلى الزوج في حوار مباشر في الفيلم.
أما الزوج نفسه فلا يقل مصداقية عن نموذج الزوجة، فالطريق إلى الصعود في الصحافة يمر عبر الكثير من الطرق المعروفة للجميع، ولسنا بحاجة إلى التذكير بعلاقة المسؤولين عن الصحافة تاريخيا - منذ 1952- بأجهزة الأمن، فقد شاء النظام أن يربط بين راتب الصحفي، بمقدار ولائه للسلطة، وجعله مفتوحا على مصراعيه أي قابلا لأن يصبح مليون جنيه شهريا، أو 300 جنيها فقط، حسب رضا السلطات والأجهزة عن الخدمات التي يقدمها الصحفي، وليس للأمر أدنى علاقة بالكفاءة أو بالمستوى المهني.

من الفيلم

هذا عن مركز "الحبكة" أي المحور الذي تدور حوله، أو الحيلة الدرامية التي تبرر وجود كل هذه الحكايات والشخصيات والأحداث التي تتعلق بنساء من طبقات اجتماعية مختلفة وخلفيات ثقافية متباينة.
أما المشكلة الأهم والأخطر، فتأتي من تخلي يسري نصر الله عن أسلوبه السينمائي المميز الذي يمنح للتكوين والحركة والمونتاج اهتماما كبيرا. فهو هنا يبدو معتمدا بشكل أساسي على ما يعرف بـ"الميزانسين" mis en scene أي حركة الممثلين داخل الديكور (المسرحي أو السينمائي- لا فرق). إنه مثلا يجعل الزوجة تستلقي في الفراش في محاولة واضحة لاغواء الزوج، وتمد ساقها أمامه إلا أن الزوج يمسك بساقها وينزلها في خشونة، فترفعها مرة أخرى لكي يعود فينزلها، وهو يحذرها من مغبة اندفاعها في فضح المزيد من نماذج التدهور الاجتماعي، خشية مما قد يترتب على ذلك من حرمانه من منصب رئيس التحرير الذي يتطلع إليه.
هذه الحركة أثناء الحوار الطويل الذي يدور الشخصيتين في الفراش، هي عكس ما يتوقعه الجمهور من الرجل (الذكر) في علاقته بالمرأة (الانثى) تقليديا، فالمتوقع عادة هو الإغواء والاستسلام. لكن هنا ينعكس الفعل ويتحول إلى الرفض الخشونة والقمع من جانب الرجل الذي تسيطر عليه فكرة واحدة هي الصعود الوظيفي، حتى على حساب مشاعر زوجته.
في هذا المشهد الطويل نسبيا، لا نرى وجه الزوجة (منى زكي) فرأسها كله محجوب خارج اللقطة، ولكننا نرى فقط النصف الأسفل من جسدها وساقيها من زاوية مرتفعة، كما نرى الزوج في مقدمة الصورة، فهو "الفاعل" المهيمن، المتحكم، وهي الضحية المستسلمة التي لاتزال تأمل في تطويع خشونته والسيطرة عليه عن طريق إغوائه.
وعندما تتطور الأحداث وتتدهور العلاقة بينهما تماما بعد أن يفشل في الحصول على مبتغاه، يتواجه الإثنان في فضاء مسكنهما الأنيق وجها لوجه، يتبادلان الضرب والصفع، وتتشبث الزوجة بكل ما أوتيت من قوة لكي ترد له الضربات. وبينما تتغلب القوة البدنية للرجل، إلا أن القوة المعنوية للمرأة هي التي تنتصر، فنراها تتماسك رغم ما أصيبت به من كدمات، وتذهب لتقديم برنامجها أو لتفجير قصة جديدة تأمل أن تهز القناعات المستقرة.
هذه اللغة التي تعتمد على الميزانسين بدرجة أساسية، تملك بعض السحر الخاص الكامن في أسلوب يسري نصر الله السينمائي، أي القدرة على التحكم في الأداء، والسيطرة على الممثيلن، وهي أبرز ميزة في هذا الفيلم، خصوصا مع تعدد الشخصيات والممثلات.
وقد  توقفت بوجه خاص أمام أداء اثنتين من الممثلات هما رحاب الجمل التي أدت دور "صفاء" الشقيقة الكبرى لشقيقتين تقعان كما تقع هي، فريسة للاستغلال الجنسي من جانب شاب كان في مرتبة "الخادم" لهن، ثم أتيحت له الفرصة لكي يصبح "السيد" لكنه طمع في أجساد الفتيات الثلاث، وكان مصيره القتل على يدي الشقيقة الكبرى "صفاء".
أداء رحاب هنا بمثابة إعادة اكتشاف لموهبتها وقدرتها الهائلة على التقمص والتألق أمام الكاميرا، مع غيرها من الممثلين والممثلات، بطاقتها المذهلة على الحركة والتعبير بالوجه وضبط انفعالات الوجه، وصولا إلى مرحلة الجنون المطلق في مشهد القتل المنطلق المجنون.
أما الممثلة الثانية فهي المغربية سعاد عكرود التي قامت بدور طبيبة الأسنان ناهد، في علاقتها بالرجل المحتال .. الخبير الاقتصادي الدكتور "أدهم" (محمود حميدة).
تتفوق سعاد بصوتها القوي العميق الدافيء الواثق، وقدرتها الكبيرة على الصمود في اللقطات القريبة (كلوز أب)، وابتسامتها المريحة وملامح وجهها التي تعبر في بساطة، مع رفعة وثقة في النفس وجاذبية آسرة، وتقمصها المدهش لدور امرأة ناضجة، أرستقراطية (في لغتها وسلوكها العام وعلاقتها الواثقة بالرجل) إلى أن تدرك أنها سقطت في شباك مصيدة قذرة. ولاشك أن العلاقة الدرامية بين ناهد وأدهم، والعلاقة التمثيلية بين حميدة وعكرود، ترتفع كثيرا بالفيلم في هذا الجزء الذي نشاهد فيه قصة صفاء.

ولاشك أيضا في تألق المخضرمة سوسن بدر، في دور "أماني" وهو دور جريء على أكثر من مستوى. وقد أضافت سوسن بأدائها الكثير على الدور نفسه فاكتسب أبعادا ربما تتجاوز حدود ما كان مرسوما له في السيناريو، حتى عندما يبلغ الأداء ذروة العبث والهزل في نهاية مشهد المطعم أمام حسين الإمام.
لكننا عندما نشيد بالأداء التمثيلي وبسيطرة المخرج عليه وقدرته على إبرازه والاستفادة منه في توصيل موضوعه باعتباره أبرز عناصر الفيلم، يجب ألا ننسى أن السمة الغالبة على الفيلم بحكم الهيمنة الكبرى للأداء التمثيلي تصبح بالضرورة هي السمة المسرحية، وتصبح الكاميرا مجرد أداة للانتقال بين الشخصيات التي تحكي داخل الصورة أو تتحرك في فضاء مغلق.
ولاشك أن من عيوب الفيلم كثرة الحوار واعتماده الكبير عليه في شرح ما يحدث للشخصيات، بل إن الحوار يصل أحيانا إلى الثرثرة والاستطرادات غير المبررة.
ويعيب الفيلم أيضا ارتداده إلى البناء البدائي في تعامله مع الشخصيات، اي اعتماده على طريقة "الحكي" الصوتي، مع العودة إلى الوراء في الزمن (الفلاش باك) والانتقال بين وقت وآخر، إلى منى زكي وحسن الرداد، أي مذيعة التليفزيون والصحفي. هذا الأسلوب أخل بالإيقاع في الكثير من المشاهد، كما أدى إلى شعور المشاهدين بالملل، وفقدان القدرة على المتابعة خاصة وأن الحكاية اتضحت وأصبحت محصورة في تنويعات على نغمة واحدة مكررة.
هل هو تأثير وحيد حامد الذي يميل إلى كتابة حبكة تدور أساسا حول عدد من الشخصيات المتصارعة أساسها هو الحوار الطريف، على لغة وأسلوب يسري نصر الله؟
أليس من المثير للتساؤل مثلا أن الفيلم يخلو تماما من أي مساحة للتنفس، للتوقف، والتعبير بالصورة وحركة الكاميرا والموسيقى فقط، وهي لحظان مطلوبة أيضا من أجل اتاحة الفرصة للمشاهدين لكي يفكروا في مغزى ما يشاهدونه. ولكن لماذا التوقف والتنفس في فضاء الصورة، والحوار يشرح كل شيء في تسلسل واضح، ومسهب!
وحيد حامد في أفلامه عادة يبدو أيضا مهتما بصنع ما يعرف بدراما الرسالة الاجتماعية التي لها سقف معين في النقد ، فهي لا تتجاوز حدودا معينة في تعاملها مع الموضوع الاجتماعي، كما أن "مفعولها" يزول لأنها لا ترد الأشياء إلى أسبابها الحقيقية، اكتفاء بإشارات إلى الفساد، والقهر الاجتماهي، والتعصب الديني، وغير ذلك من المفردات التي باتت مستهلكة في السينما والتليفزيون أيضا.
"إحكي ياشهرزاد" لاشك أن يضع يسري على مسافة أقرب إلى لغة "الحكي" السائدة في السينما المصرية، وبالتالي يبدو أكثر قدرة على الوصول بسهولة ويسر إلى الجمهور، لكن المشكلة أنه يفقده الكثير من معالم أسلوبه السينمائي، ويجعله يبتعد عن الطموح الشخصي الخاص.  

قد ينال إعجابكم