متابعات

"الراقصون": أفضل فيلم روائي في مهرجان أبو ظبي

كان عرض فيلم "الراقصون" Hipsters في مهرجان أبو ظبي السينمائي الثالث حدثا خاصا كبيرا على كل المستويات، فقد جاء الفيلم أولا ممثلا لسينما عريقة من السينمات "الرائدة" التي يحتفظ تاريخ السينما لها بمئات من الأفلام الكلاسيكية البارزة. وكان البعض يظن أن هذه السينما التي أخرجت للعالم الكثير من المبدعين السينمائيين الكبار، قد توقفت عن الحركة بعد سقوط النظام الشيوعي تحديدا بسبب تفكك المؤسسات الإنتاجية التي كانت تشرف عليها وتمولها الدولة، واحجام المنتج الخاص عن التصدي لإنتاج الأعمال الكبيرة عموما، وسيادة نوع من "الاسترخاء" الفكري أيضا بمعنى غياب القضايا الكبرى التي تثير التحدي أمام السينمائيين وتدفعهم عادة إلى الإضافة والإبداع والتجديد.
ثانيا: كان المتصور مسبقا أن السينما الروسية التي تعيش حالة من "الاكتئاب" ليس من الممكن أن تنتج أعمالا تبتعد عن الواقعية "الأرضية"، لتحلق نحو آفاق اخرى، يطلق فيها الفنان العنان لخياله، يحتفي بالحب وبالموسيقى وبالفن في جوهره الأساسي والأصلي أي الابتكار في الشكل.
هنا، يأتي هذ الفيلم الذي جاءت الترجمة الرسمية لاسمه بالعربية في مطبوعات المهرجان "عشاق الصرعات"، والصحيح أن يسمى "عشاق الموسيقى الراقصة".. لكي يعيد إلينا مجددا الثقة في قدرة السينما الروسية على التنويع والابتكار والإبداع السينمائي.
والطريف أن الفيلم الذي يتميز بقالبه الموسيقي الاستعراضي الراقص، وبأسلوبه الذي يمزج بين الرومانسية والاحتجاج السياسي، ينطلق أيضا، من نقد الجمود السياسي والبيروقراطية وقهر الروح الفردية ومحاولة اخضاعها لفكرة الروح الجماعية، والخضوع لسلطة الحزب ومفوضيه، ورفض الفن المخالف للوصفات الرسمية والنظر إليه بتشكك خاصة إذا كان قادما من الغرب، واعتبار عشاقه خونة أو عملاء للعدو الأيديولوجي!

مشهد من "الراقصون"

الطريف أن الفيلم يستوحي بل ويستلهم موضوعه أيضا من الفترة التي  عرفت بأنها من أكثر الفترات إنغلاقا في الاتحاد السوفيتي، فترة ما قبل المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في أوائل الخمسينيات أي قبل فتح ملفات الستالينية وبدء توجيه النقد لها.
هذه الفترة لا يوجه لها الفيلم النقد "بأثر رجعي" لكنه يسعى لاستعادتها لكي يبين كيف كانت على الرغم من قتامتها الظاهرية، حافلة بالمواقف الكبيرة.. الشجاعة. ورغم قيام السيناريو المكتوب خصيصا للفيلم على قصة "خيالية" إلا أنه يحتوي على الكثير من "الأفكار التي كانت سائدة في تلك الفترة بدقة شديدة، وبروح من السخرية اللاذعة التي تصل إلى مشاهدي اليوم من الشباب وتلمس قلوبهم على الفور.
هذا الفيلم يأتي في إطار ما يعرف بـ"الصحوة الجديدة" في السينما الروسية، واتساقا مع ما قدمه المخرج فاليري تودوروفسكي نفسه في فيلمه السابق "لا أخلاقي" Vice الذي وصف بأنه العمل السينمائي الروسي الموازي لفيلم سودربرج الأمريكي "تهريب" Traffica
السيناريو يقوم على عدد محدد وواضح من الشخصيات الرئيسية (4 شخصيات) في اطار قصة حب بين الشاب اليافع "ميلز" المرتبط بالشبيبة الشيوعية من ناحية، و"بولي" الفتاة المختلفة تماما عنه التي ترتبط بمجموعة من الأصدقاء والصديقات الذين يرتدون ملابس زاهية الألوان وفساتين على الطراز الغربي، ويصففون شعورهم على طريقة الشباب الأمريكي في الخمسينيات (زمن جيمس دين والفيس بريسلي)، ويعشقون موسيقى الجاز: رقصاتها وأغانيها.
وتدريجيا يجد ميلز (الذي يصبح اسمه ميل) نفسه واحدا من أفراد تلك الجماعة، يرتدي الملابس الشبابية التي كانت رمزا للتمرد في أمريكا بدايات الخمسينيات، ويعزف على آلة الساكسفون، ويرتاد مع جماعة "عشاق الرقص الأمريكي السريع" منتدياتهم وحاناتهم. وهناك يرتبط بصداقة وطيدة مع "بوب" الذي ينتمي لأسرة ميسورة نسبيا بحكم وظيفة والده الدبلوماسي.
ولكن سرعان ما يتعرض "ميل" للمشاكل التي تنبع من كون "تانيا" رئيسته في شبيبة الحزب: الشيوعية المتزمتة البيوريتانية، تطارده بعد أن بدات الغيرة تدب في نفسها، وتقوم ذات مرة بمساعدة رفاقها، باهانة "بولي" والتنكيل بها أمام ميل، كما تتعرض مجموعة الشباب الراقص للمطاردة من جانب السلطات التي تعتبر آلة الساكسفون سلاحا معاديا، وتنظر إلى جماعة الموسيقى الأمريكية الراقصة على أنهم مجموعة من المخربين الصغار أو حتى "العملاء".

ويختفي معظم أفراد الجماعة إما في السجن أو في الجيش و خارج موسكو هربا من المطاردة، ويجد ميل نفسه وحيدا بعد ان تخلى عنه صديقه المقرب "فريد" الذي يرضخ لضغوط من والده، فيقص شعره ويخلع ملابس التمرد، لكي يبدأ عمله في السلك الدبلوماسي في السفارة السوفيتية في واشنطن.
ينتهي الأمر بأن يتزوج ميل من بولي التي تكون حاملا من علاقة عابرة مع جندي أمريكي اسود، وتنجب بالتالي طفلا أسود . ويعود فريد من واشنطن لكي يخبر بوب إن جماعات الشباب الراقص المتمرد قد اختفت من الحياة الأمريكية و"إنك إذا سرت بملابسك هذه في برودواي فسيعتبرونك مجنونا". ولكن ميل يرفض كلمات بوب مفضلا عدم التخلي عن الحلم الكبير.
وينتهي الفيلم بمشهد استعراضي هائل يستعرض تاريخ تطور حركات الشباب المتمرد في روسيا والغرب عموما، من عشاق الرقصات السريعة، إلى الهيبيز ثم البانكس وغيرهم، حيث نرى حشدا من الشباب يتجمعون في طريق طويل ممتد، يغنون ويرقصون، بينما بوب يمسك بيدي زوجته الجميلة ويردد "الوداع ياصديق العمر" في اشارة إلى "فريد" الذي يتخذ مسارا مختلفا تماما في الحياة فيما يصر ميل على العيش في الحلم، وهو المعنى الذي يعبر عنه بصريا ودراميا من خلال الموسيقى والرقص في المشهد الأخير الكبير، فنحن في هذا المشهد ننتقل تماما إلى نوع من الحلم الكبير الذي يتسلل البطلان داخله لينتهي واحد من أجمل الأفلام التي خرجت من روسيا خلال العشرين عاما الأخيرة.
فكرة الفيلم الرئيسية كما أشرت هي فكرة تمرد الشباب والاختيار الفردي في مواجهة الأيديولوجية الجماعية، ورفض السائد، والبحث عن التواصل ليس عن طريق الايديولوجيا بل من خلال الرقص. ولعل تشكيل جماعة الراقصين هنا يعادل أيضا فكرة التنظيم الذي يرفض الامتثال للسياسة السائدة في المجتمع، من خلال رفض أشكال العيش ونمط الحياة والأزياء السائدة والموسيقى الرسمية، وإن كان المخرج يقدم واحدا من اجمل وأكثر استعراضات الفيلم اثارة باستخدام تلك الرؤية الأخرى المضادة، حين يجعل "تانيا" المسؤولة الشيوعية الجامدة تقود فريقا من أعضاء خلية الحزب في المصنع الذي تعمل فيه لإدانة "ميل" وإدانة كل ما يمثله باعتباره عدوا للمجتمع السوفيتي، من منظور الفكر الجدانوفي (نسبة إلى جدانوف المنظر العقائدي للحزب الشيوعي وقتذاك والمسؤول عن فكرة رفض الفن التجريدي والسريالي والموسيقى الغربية: الجاز والروك وغيرها).
ويتميز السيناريو بشخصياته الجذابة الواضحة وبالتفاصيل المميزة لكل شخصية، وبخفة الظل دون ابتذال أو مبالغة، وتوليد الإحساس بالكوميديا من المفارقات وليس من التعليقات اللفظية. كما يتميز الفيلم عموما بالأداء التمثيلي البارز لمجموعة الممثلين الشباب بكل سحرهم ورونقهم خاصة ماكسيم ماتفيف في دور "فريد" الذي يذكرنا في الكثير من المشاهد بالممثل الأمريكي جيمس دين. 
وإلى جانب هذا يبرز التصوير الذي يحاكي نمط التصوير بالألوان في أوائل الخمسينيات، أي تقنية "إيستمان كولور" التي كانت سائدة بوجه خاص في الأفلام الاستعراضية الموسيقية، بألوانها الزاهية التي تشبه ألوان الباستيل القوية الحراقة، التي تتسق تماما مع الملابس الخاصة المميزة التي يرتديها الشباب الراقص، والأغاني العبقرية التي كتبت بالروسية على تلك الإيقاعات الأمريكية السريعة التي أصبحت إيقاعات الدنيا بأسرها بفضل ذلك الانتشار الكبير لموسقى الجاز في العالم.
ولعل في فكرة انجاب "بولي" طفلا أسود، تعد تكريما لعازف الجاز الكبير تشارلي باركر الذي يتردد اسمه كثيرا في الفيلم. ولاشك أيضا أن من اكثر الجوانب جاذبية في هذا الفيلم الدقة والجمال الخاص في تصميم الرقصات وإدارة الإخراج في مشاهد تجمع العديد من الراقصين والمغنين داخل اللقطة الواحدة، مع المحافظة على إيقاع سريع متدفق بالحيوية والحركة، ينبع أساسا من تنويع زوايا اللقطات، والانتقال بين اللقطات بسرعة، والتكوينات المختلفة للصورة، وحركة الراقصين والممثلين داخل اللقطات والمشاهد.
إن "الراقصون" فيلم مختلف، بإيقاع مختلف، ولغة سينمائية حديثة، وهو عمل يشيع الكثير من البهجة والفرح لدى كل من يشاهده. إنه أساسا، احتفال بالسينما وبالحياة..

قد ينال إعجابكم