متابعات

تجربة فنية فريدة: علاج السجناء بالمسرح

في ضوء النتائج البارزة التي أظهرتها تجربة العلاج بالمسرح لسجناء في سجن رومية العام المنصرم، واصلت زينة دكاش - مستقدمة الفكرة إلى لبنان عبر كاثارسيس وهو المركز اللبناني للعلاج بالدراما الذي أسسته- تجربتها، ووسعت إطار عملها ليشمل جوانب أخرى من عملية العلاج بالمسرح.

زينة دكاش

وقد أجريت دراسة تضمنت مقارنة بين مجموعتي المشاركين والمراقبة، وخلصت إلى نتائج باهرة أبرزتها طلائع التجربة الأولى.
وتؤكّد الحوارات المباشرة مع عدد من السجناء الذين يحاكمون بأحكام جرائم كبيرة تغيّرا في اهتماماتهم، ورؤاهم للمستقبل، وتفاعلاتهم العصبية، وفارق اللغة التي استخدموها قبل المسرح وبعد تجربته الأولى.
جديد دكاش
وتتحدّث دكاش للجزيرة الوثائقية عن جديد أدخلته على العلاج الشامل لعدد من العناصر يستكمل بعضها الآخر توصلا لنتائج أفضل، وقالت أن نجاح التجربة الأولى شجّع على تبني مشروع مموّل من السفارة الإيطالية- مكتب التعاون للتنمية ضمن برنامج الطوارئ ROSS في مرحلته الثالثة.
واتفق على تمويل استكماله بجملة خطوات، منها مواصلة حلقات العلاج بالدراما يشارك فيها الآن مائة سجين-45 سابقا، كما يشارك طلاب جامعات لبنانية وأميركية وأوروبية في التدريب. ومنها إقامة ورشة عمل بالتعاون مع جمعية ثقافية إيطالية تقوم بالمهمة عينها في إيطاليا، وتدريب رجال الأمن في السجن و المساجين على حلّ النزاعات على الأرض، وتنظيم ناد للسينما مع مناقشات الممثلين والمخرجين، وتحضير قرص موسيقي مدمج سيشترك في وضعه عشرة سجناء، واستكمال الفيلم الوثائقي عن المسرحية الأولى، وتنظيم لقاءات في عشر مدارس جامعات لعرض الفيلم الوثائقي.

ورشة العمل داخل السجن

وذكرت دكاش أنها نقلت في تموز الفائت  مسرحية 12 لبناني غاضب بواسطة دي في دي وعرضتها في مهرجان المسرح بسجن فولترا-ايطاليا، كل هذا بالتعاون مع وزارتي الداخلية و العدل.
من جهة ثانية، عرضت دكاش نتائج دراسة نفسية أجريت على التجربة المسرحية الأولى، ومنها انخفاض الشعور بالقوة والعظمة، وبلوغ السجناء وعيا افضل لناحية الهوية، وانخفاض الأفكار المتعلقة بالظلم، وقدرة السجناء على العمل على أنفسهم بدلا من إسقاط مخاوفهم على المجتمع، وغياب الأفكار المتعلقة بالقتل في أحاديثهم، وانخفاض الشعور بالضيق، وأصبحوا يخططون، وجلاء رغبتهم في التكيّف مع العالم الخارجي، وزيادة الشعور بالأمان. انخفاض الشعور بالرفض، وتطور مشاعر التعاطف تجاه الآخرين بعد أن كانت هذه المشاعر مركّزة على ذواتهم في البداية". 
وفي عرض لفيلم "البوسطة" للمخرج فيليب عرقتنجي وبحضوره، كانت مناقشة أبدى فيها السجناء فهما متجددا للحياة، واهتماما بالثقافة والفن وشؤون فكرية.
عبر بعض منهم عن ملاحظته لنواقص في الفيلم، وآخرون عن إعجابهم به دون التردد في إبداء ملاحظات إن على ثغرات في الرواية، أم الأداء، أم الإخراج، أم الموسيقى.

المخرج فيليب عرقتنجي في ورشة العمل 

وردّ عرقتنجي على الملاحظات بتفهم، قابلا بعضها، ومدافعا عن البعض الآخر، لكنّه أبدى دهشته لما أثمرته التجربة الأولى للعلاج بالدراما التي لم يكن على علم بأهميتها، مبديا رغبة في تقديم ما أمكن لتطوير التجربة.

أحد المحكومين بالمؤبد بجريمة قتل يوسف شنكر شارك في المسرحية الأولى مفتتحا عرضها، ويشارك في مختلف الأنشطة المستكملة للتجربة، بدا هادئا، جادا، يحمل دفتره وقلمه، ويدوّن الملاحظات. وبين مشهد وآخر من الفيلم الطويل، تحدّث عن التحوّلات التي يعيشها في إطار العلاج بالمسرح. ويقول: "لم يعد لدينا ما يحيي الأمل فينا سوى هذا العمل. رغم أنه أصبح كثيفا أكثر من السابق، لكني أشعر بحاجة للمزيد لأنه بعث فيّ حياة وروحا جديدة".

ولا يستطيع السجين محمد مظلوم ضبط مشاعره وهو يتأجّج بانتفاضة أصابت مشاعره وأفكاره من خلال المسرحية. ويقول: "أعادتني المسرحية إلى شعور من الهدوء والانسجام. لم أعد أشعر بالاضطراب والتوتر والخوف الذي كنت أعيشه قبل المسرحية. كنت أشعر أنني سأخرج لأنتقم، وأخطط لما سأفعله ذات يوم، لكنني الآن أملك شعورا مختلفا، وأدركت أنني حقا مذنب، وأشعر بتغير في داخلي. حتى أهلي الذين كانوا يزورونني وينزعجون من تصرفاتي سابقا، يستغربون كيف تحولت، وكيف أعادتني الدراما إلى إنسان عادي".

ويجمع كل من يوسف ومحمد على أن السجين بإمكانه الشفاء التام من عقدته إذا أراد.
وتختم دكاش أن "الإرادة ضرورية للسجين للخروج من حالته، وليس هناك من لا يمكن ان يشفي نفسه إذا أراد لأن لا إنسان مجرما بطبيعته".

قد ينال إعجابكم

حوارات

دراما في شقة "تقسيم"

فيلم نفسي عن المسؤوليات والانتماء، وتأثير الأحداث السياسية والاجتماعية العامة على العلاقات الشخصية...