متابعات

فيلم البابا شنودة... صورة وطن في سيرة رجل

الفيلم أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية وأخرجه المخرج المصري عبد الرحمان عادل. وتناول مسيرة حياة الأنبا شنودة بابا الأقباط في مصر ورمز من رموز المسيحية الشرقية في العصر الحديث. والاهتمام بشخصية الباب شنودة واسمه نظير جيد لا يعود فقط إلى وزنه الديني في مصر وإنما يعود إلى أن مسيرته التعليمية والنضالية والسياسية كانت مسيرة جديرة بالتتبع والقراءة.

توقيت البث...

بثت الجزيرة الوثائقية الجزء الأول من هذا الفيلم يوم 10 يناير 2010 أي بعد أربعة أيام من الاحتفال بالعام الجديد لدى الأقباط. وأيضا بعد أربعة أيام عن حادثة نجع حمادي التي سقط فيها عدد من القتلى المسيحيين المحتفلين برصاص أحد مسلمين.
لم تكن الجزيرة الوثائقية عندما بدأت في إنتاج الفيلم قبل مدة ولا مخرج الفيلم يعلمان ما سيحدث في نجع حمادي. ولكن الفيلم يعلم حوادث مضت شبيهة بما حدث هذه السنة. فقد تضمن الفيلم فيما تضمن قراءة في أحداث مضت تذكر بما حدث ليلة 6 يناير في الصعيد. أي أن الفيلم بتتبعه لمسيرة البابا شنودة في الحياة والدين والسياسة حاول أن يلمس بعض مواطن الخلل والخطر فيما يعرف في مصر بالمسألة القبطية والعنف الطائفي..
تاريخ الرجل هو تاريخ لجذور المشكل والحل لهذه المسألة. لذلك جاء الفيلم في الوقت المناسب. ليستفيد أبناء الوطن الواحد من التاريخ المتأني والموضوعي لتاريخ الصراع الديني الحديث في مصر.

الديني والسياسي في مصر من خلال شخصية البابا..

لقد حاول هذا الفيلم أن يقدم قراءة علمية للحراك الديني والسياسي والاجتماعية في مصر في القرن العشرين وقد توفق إلى حد بعيد في ربط المسيرة الشخصية للبابا شنودة بمسار التاريخ الاجتماعي والسياسي. ويبدو ذلك على الأقل في ثلاثة محطات أساسية.
أولا في بداية القرن العشرين تبدأ الإصلاح الديني المسيحي مع كيرولس الرابع وحبيب جرجس وظهور مدارس الأحد فتزامن ذلك مع الإصلاح الديني الإسلامي مع الأفغاني وعبده ومجلة العروة الوثقى. كان التياران يتحركان في مجال الفكر والقراءة ونقد الموروث الديني في الضفتين فمثلما أراد حبيب جرجس إصلاح الكنيسة بالعلم والفكر أراد عبده تجديد الفكر الإسلامي بالنظر العقلي.
هذه الحركة الفكرية أنشأت شبابا مثل نظير جيد الذي خير أن يدرس التاريخ رغم حبه للأدب وكتابته للشعر. فبدأ نقده للكنيسة بقراءة تاريخ إخفاقاتها ونجاحاتها. وكان عضوا بارزا في جماعة مدارس الأحد ومؤسسا مهما لمجلتهم التي تحمل نفس الاسم. في كل ذلك لم يخرج عن مجال الإصلاح الفكري. لقد كان الشاب نظير نتاج حراك فكري وعلمي ونتاجا مبدئيا لعصر النهضة العربية.
ثانيا تناول الفيلم حقيقة تاريخية تنطبق على المجتمعات العربية بشكل خاص، وهي أن الديني والسياسي لا يجتمعان إلا لمصلحة أو لفتنة.. أي لاغتنام المصالح أو إدارة الفتن أو إخمادها.  لأن نظام المجتمع كل متكامل إذا سقط الوعي السياسي يتبعه الديني والثقافي وحتى الجمالي وإذا تقهقر الفكر فهو علامة على سقوط ما في منطقة ما من المجتمع.
ففي الفترة التي كانت فيها الانقلابات السياسية تكتسب شرعية وطنية أمام فساد البنية السياسية التقليدية حيث تراجع الوزن السياسي للملكية، صار الانقلاب وسيلة فعالة في أكثر من ساحة. للإطاحة بالملك فاروق من العرش السياسي والإطاحة بالبابا يوساب من العرش الكنسي إذ اعتبر من بقايا الملكية وأذيالها. في هذه المرحلة قاد الانقلابات في الجانبين الشباب الجديد الذي يتوق إلى الإصلاح حتى ولو بالانقلاب. أما على صعيد الواقع السياسي فإن مرحلة ما قبل الثورة شهدت ظهور الإخوان المسلمين قابلتها حركة الأمة القبطية التي قادها إبراهيم فهمي هلال. وازدهار حركة مدارس الأحد واشتداد عودها النقدي للكنيسة وكان صوتها الصداح نظير جيد.

نظير جيد يدخل حياة الرهبنة ويصبح اسمه أنطونيوس السرياني

ثالثا مرحلة ما بعد هزيمة 67 وفشل المشروع الوطني والقومي المصري وصعود السادات إلى سدة الحكم تزامن مع صعود نظير جيد إلى سدة البابوية. فابتدأت سنوات السبعينات المهمة في تاريخ مصر المعاصر بصعود زعيمين مختلفين عما مضى: السادات والباب شنودة. كلاهما كان من شباب الثورة والتغيير السياسي والديني.
في هذه السنوات ستسير المصلحة والفتنة جنبا إلى جنب في الطريق الذي تقاسمته السلطة والدين بامتياز. انفتحت السلطة ودخلت عصر الانفتاح الاقتصادي. وانفتحت الكنيسة على شباب جديد هو شباب مدارس الأحد وقضت على الحرس القديم. وبدأت تكتسب سلطة فطالبت ببناء 25 كنيسة في السنة فأعطاها السادات شفاهة 50 وذلك بعد أحداث الخنكة سنة 1972
في الضفة الأخرى من المشهد انفتحت ألسنة الخطباء يوم الجمعة وخرج الإسلاميون من سجونهم وانطلقوا إلى الشارع يطالبون بتطبيق الشريعة ورفعوا المصاحف معلنين أن الإسلام هو الحل. مما يهدد في الصميم المسيحيين كقوة سياسية ودينية في المجتمع..
تصادمت مصالح الانفتاح وتعكرت أحوال الوطن وساءت أوضاع الناس فانفجر الوضع يومي 18 و19 يناير سنة 1977 احتجاجا على ارتفاع الأسعار. هنا اتفقت السلطتان السياسية والدينية على إخماد الفتنة لحسم الصراع لصالح السلطة. فأدان كل من الأزهر والكنيسة المتظاهرين ودعموا قمع السلطة لهم. ربما لأن الشارع لم يستأذن السلطتين وتحرك لوحده. فارادت السلطتان معاقبته بمباركة تسليمه للدولة بحجة إخماد الفتنة
لم يدم الاتفاق على إخماد الفتنة طويلا وأصبح رهان الصراع بين الإسلاميين والمسيحيين هو المجتمع، علاوة على المشاركة في السلطة والمنصب والمصلحة السياسية. أي أصبح الأمر متعلقا بمن يمتلك الشارع والفضاءات العامة. فأحرقت الأماكن المقدسة في إطار مرحلة جديدة من الصراع الغريب على المجتمع. وهده بعض التفاصيل التي توسع فيها الفيلم :

عقد المسيحيون في يناير 1977 أكبر مؤتمر مسيحي طالبوا فيه بحقوقهم رد عليهم الأزهر في يوليو من نفس السنة بمؤتمر طالب فيه بتطبيق الشريعة لأن تطبيقها لا يحتاج مشورة احد على حسب اعتقادهم.
أعلن البابا الصوم لمدة 5 أيام احتجاجا على هذا المؤتمر فأصبح الطقس الديني وسيلة من وسائل الاحتجاج السياسي. في غطار صراع اختلطت في الأوراق والوسائل والرهانات.
تواصلت في بداية الثمانينات حوادث العنف الديني حيث أحرقت كنائس يوم 6 يناير 1980 أي في رأس السنة القبطية. ثم جاءت حادثة الزاوية الحمراء في يونيو 1981 حيث لأول مرة يطلق قبطي النار على مسلمين فهب المسلمون يردون الفعل.
سبتمبر 1981 يعلن السادات عزل البابا شنودة وتكليف لجنة لإدارة شؤون الكنيسة. متهما إياه بالسعي إلى استقلال الكنيسة. فعاد البابا إلى حياة الرهبنة واعتكف في دير الأنبا بيشوي ولم يخرج منه إلا سنة 1985.

خلال هذه المحطات الثلاث اجتهد مخرج الفيلم في الإلمام بها ومحاورة أغلب الأطراف التي لها علاقة بالموضوع من مسيحيين ومسلمين ومشاركين في السلطة ومؤرخين وباحثين وسياسيين معاصرين. ويكاد يتفق الجميع على أن السياسي استعمل الدين لتبرير سلطته ورجل الدين استعمل السياسة كغطاء لعقائده.

يناير 2010... بعد قرن فقط من النهضة...

بعد ثلاثين سنة يتكرر نفس الحادث الذي جد في 6 يناير 1980 حيث أحرقت كنائس. حينها قرر الباب إلغاء الاحتفال بيوم القيامة تعبيرا عن الحزن والاحتجاج. فهل هذا دليل على أن النخبة السياسية والدينية لم تستوعب درس الماضي ولم تفكر بجدية في جذور العنف الديني.
أوضح الفيلم أن الباب أصبح اقل انفعالا مما مضى حينما يصله نبأ احتراق كنيسة أو موت قبطي على يد مسلم. من ناحيته أصبح الأزهر يندد صراحة بإحراق الكنائس وانتهاك حقوق الأقباط. وصار الخطاب السياسي للإخوان المسلمين يتعرض للمسالة القبطية ووصل إلى حد ترشيح بعض الأقباط في دوائر الإخوان في الانتخابات البرلمانية.

الباب شنودة وشيخ الأزهر

هل هذا علامة نضج أم علامة إتقان للعبة السياسية وإدارة الصراع...؟
السلطة بقيت هي السلطة تلاعب جميع الأطراف في مساحات السياسة التي تمتلكها أصلا وفي ساحات الدين الذي لا تدعي أنها تمتلكه ولكنها تريد أن تشتريه. من جانبهم يلاعب الإسلاميون والمسيحيون السلطة في مجالهم الحيوي وهو الدين فيعطونها الشرعية التي تبحث عنها. أما ساحات السياسة فلا يدعون أنهم يمتلكونها ولكنهم يريدون أن يضعون حدودا بين المقدس والمدنس في السياسة. لذلك حضروا في مجلس السادات بشخصياتهم الاعتبارية المقدسة وباركوا قمع السادات لمعتقلي أحداث 77  ولكن لما انفرط العقد معه واغتيل سنة 1981 اعتبر كل من المسيحيين والإسلاميين الأمر عقابا إلهيا واضعين الرجل في دائرة المدنس.
أما أوراق اللعبة فهي كثيرة وعلى رأسها الجمهور لأن كلا الطرفين يعرف كيف يبدأ العنف ولكن كلاهما لا يعرف أين ينتهي.
لماذا أصبح الجمهور في مصر أكثر إسلاما وأكثر مسيحية من ذي قبل ؟
صراع أرتودوكسيات دينية كان يمكن أن يحسم في مدرسة الفكر والحوار والجدل. والبابا شنودة خريج هذه المدرسة عوض أن يحسم في القرى والشوارع والكنائس والمساجد.
بعد مائة سنة من النهضة العربية التي افتتحها المفكرون المصريون  ماذا بقي من النهضة ؟
ذلك هو السؤال الحضاري الكبير الذي يمكن ان نستنتجه من الفيلم. وهنا تنتهي وظيفة المخرج لتبدأ وظيفة المثقف بشكل عام والمفكرين في الجانبين بشكل خاص. فالبابا شنودة كما أسلفنا جاء من مدرسة النقاش الفكري والإصلاح الديني. والإسلام السياسي كان سليل الإصلاح الديني أيضا.. كلاهما كانا سليلي النهضة ولكن بعد مائة سنة انتهى كلاهما إلى أفكار قاومتها النهضة كالعنف الديني وعدم التسامح وخضوع الدين للسلطان...
يبدو أننا في حاجة على نهضة جديدة تستوعب شروط لحظتها ولكنها تستلهم مبادئ النهضة الأولى ولا يتم ذلك إلا عندما تصبح النهضة مطلبا اجتماعيا وليست مطلبا نخبويا.. ولنا في الشعوب والتاريخ المثل والعبرة.

قد ينال إعجابكم