متابعات

فيلم "أفاتار" وسينما المستقبل

أن يكون فيلم "أفاتار" Avatar فيلما من الأفلام المصنوعة جيدا باستخدام كل ما توفره تكنولوجيا السينما والتصوير في الوقت الراهن، هذا أمر لا شك فيه على الإطلاق.
نعم.. هذا فيلم جيد، بل وممتع جدا، للمشاهدين من كافة الشرائح والمستويات، فهو يحتوي على كل ما يصنع فيلما مسليا، ينجح في شد المتفرج إلى مقعده لنحو ثلاث ساعات.
هناك أولا الحبكة البسيطة المألوفة التي يتعرف عليها المتفرج بسهولة، كونه خبرها وجربها من قبل عشرات المرات في أفلام عديدة:

* الرجل "الأبيض" الأمريكي، الذي يقع في حب فتاة من جنس آخر، ويجد نفسه بالتالي أقرب إلى الدفاع عن هذا الجنس الآخر ضد أبناء جلدته الذين يتصفون بالوحشية، ويرفضون فهم هذا "الآخر" المختلف، صاحب الحضارة العميقة الجذور، الراسخة في الأرض، بل ويسعون إلى تدمير تلك الحضارة القديمة باستخدام كل ما هو متاح من أدوات الدمار الحديثة، بما ينذر بوقوع كارثة تمتد لتشمل كوكبنا الأرضي بأسره. إنه ببساطة، ذلك الصراع القديم بين الخير والشر.

* قصة الحب البسيطة التي تربط بين شخصين من خلفيتين ثقافيتين مختلفتين، بما يوحي بذلك الارتباط "الكوني" بغض النظر عن الاختلافات في المظهر.

* فكرة رفض الغزو وما تعكسه بوضوح من موقف رافض للسياسة الخارجية الأمريكية الحالية، خاصة وان الفيلم يجعل الحافز الأساسي لغزو البشر لكوكب آخر يدعى "باندورا"، هو الحصول على معدن نفيس نادر، في إشارة رمزية إلى النفط. وهذا الرفض الفردي للبطل الأمريكي مستقر وراسخ في ذاكرة المشاهدين حول العالم، من خلال تكرار النمط نفسه في عشرات الأفلام السياسية وغير السياسية في هوليوود منذ فيلم "العسكري الأزرق" في أوائل السبعينيات.

ولكن ما الذي يميز "أفاتار" كفيلم، كصنعة، كعمل فني، كعرض للمتعة والإبهار؟ وهل سيغير هذا الفيلم، كما صرح مخرجه جيمس كاميرون، صاحب أكبر نجاح يحققه مخرج في تاريخ السينما في العالم (صاحب أعلى الايرادات في "تايتانيك) ، ويصبح مثالا على عصر جديد للفيلم الروائي الطويل؟

جيمس كامرون

لا شك أن الصنعة هنا متقنة إلى درجة الإبهار، واستخدام تقنية التصوير بالأبعاد الثلاثة 3D تجعلك وأنت تشاهد الفيلم، تدلف إلى مشاهده الهائلة، تصبح جزءا منها، تتورط في المخاطر التي يتعرض لها البطل، وتكاد تشم رائحة الأشجار في الغابات، وتلمس مياه البحيرات، وترتجف لتطاير القذائف من حولك، وتغطي وجهك خوفا من أن يصيبك أحد الأحجار المتطايرة، أو الشظايا التي تنتج عن القصف المرعب في الجزء الأخير من الفيلم.
حجم الخيال الذي صممه وصنعه جيمس كاميرون مذهل حقا، أشكال الكائنات التي تقطن في ذلك الكوكب (الذي يمكن ان يكون القمر في المستقبل القريب، أي في سنة الأحداث 2151 حسبما يقول لنا الفيلم).. هي حقا بدائية إلى حد كبير، لاتزال تحارب باستخدام الرمح والسهم، تعتنق ديناتها الخاصة، تستمد قوتها من قوة الأشجار العملاقة القائمة منذ آلاف السنين، لكن الأهم، ان لديها مشاعر "إنسانية" أو أكثر إنسانية، وأكثر شجاعة أيضا، من كثير من "البشر"، فهي تعرف الحب والتعاضد، ترحب بالغريب القادم مرتديا سحنتهم وشكلهم وإن كان لا يعرف لغتهم، لكنه يثبت مهارة كبيرة في تعلم كل شيء، حتى ما كان يعد مستحيلا إلا على أصحاب القوة والبأس الشديدين من الأبطال "الوطنيين".

عالم من الخيال الخلاب

هذه "القبيلة" التي يحل عليها بطل الفيلم، وهو أساسا، جندي سابق من جنود المارينز أصبح مقعدا الآن باحثا عن عمل يشغل فيه مكان شقيقه التوام الذي توفي حديثا، هي المعادي الدرامي المتخيل هنا للآخر، الذي لا يملك التكنولوجيا الحديثة، أي تكنولوجيا الدمار، لكنه يملك شيئا آخر: البراءة والرغبة بالتمسك بالأرض وبثقافته الخاصة والتماسك والحب بين الجميع.
أما الطرف الآخر، الأمريكي، فقد توصل عن طريق العلم، طبقا للوسائل التي تمارسها البروفيسورة "جريس" (التي تقوم بدورها هنا سيجورني ويفر بطلة فيلم "الغريب Alien الأول من عام 1978) إلى القدرة على أن يحل العقل البشري في جسد مصمم بتقنيات علوم الحامض النووي DNA ويجعل العقل قادرا على التحكم في كل ما يقوم به هذا الإنسان "الموازي" – إذا جاز التعبير- ولكن من داخل جهاز خاص أقرب إلى التابوت الذي يرقد فيه الميت. هذا الإنسان الموازي هو مخلوق "افتراضي"، يمكن التحكم فيه عن بعد، كما يمكن تسخيره كما يشاء مبتكروه. لكنه هنا يتمرد تمردا "ثوريا" على صانعيه، ويرفض الامتثال للتعليمات، والخضوع للقوى التي تسيره لخدمة أهداف محددة، بل ينضم إلى الطرف الآخر، ويقوده للتصدي للخطر الأمريكي الغاشم.
لاشك أن حجم الخيال هائل، والاستناد إلى افتراضات علمية قديمة تتعلق بعلم السبرنطيقا مثلا في كيفية انتقال الاشارات العصبية من المخ والسيطرة على الفعل عن طريق التخاطر العقلي وما إلى ذلك من نظريات، تقرب الموضوع إلى حد ما، من أذهان المشاهدين، وإن كانت لا تسعى إلى إقناعهم بـ""واقعية" ما يشاهدونه إلا إذا اعتبرنا تلك الواقعية واقعية مستقبلية!

ولاشك في نجاح كاميرون الكبير في تقديم صورة تفصلية دقيقة للعالم الافتراضي الذي يجسده عن طريق تقنيات توليد الصور باستخدام علوم وبرامج الكومبيوتر، لذلك الكوكب الساحر، بغاباته الفسيحة، وأشجاره العملاقة، وبحيراته، لدرجة أنك كمشاهد تشعر بأدق التفاصيل، بحبات المطر الخفيف، بأوراق الشجر المتساقطة، بحفيف الأغصان التي يزيحها البطل وهو يكافح من أجل الاستجابة للتدريبات العنيفة التي ترغمه عليها صديقته من هذا الكوكب، التي يمكن للمشاهد، أن يدرك أن العلاقة معها ستتطور، وبدلا من أن يكتفي "البطل الأمريكي الأبيض" بدور المرشد لأبناء جلدته من الغزاة الذين تسلحوا بترسانة الدمار الهائلة إلى حدها الأقصى، يتحول إلى قائد، يقود أبناء القبيلة المستهدفة، ويوحد القبائل الأخرى معها، وينجح في تسخير طيور الرخ العملاقة، ويحولها إلى أدوات فتاكة تصطدم بالطائرات الغازية العلاقة وتحطمها.

الرسالة الإنسانية واضحة في الفيلم، وهي رسالة تدين الغزو والوحشية واحتقار الأجناس الأخرى صاحبة الحضارات القديمة لمجرد أنها لم تحقق تقدما علميا في مجال أسلحة الدمار، كما يجسد الفيلم التناقض بين العلم والقوة العسكرية من خلال ذلك الصراع بين البروفيسورة "جرس" التي تجري تجارب على تاريخ وأنماط حياة سكان الكوكب الآخر، وتكتشف وجود علاقة خفية "روحية" بين الأشجار العملاقة، وبين القائد العسكري للحملة "الأمريكية"- أو ربما البشرية القادمة من كوكبنا الأرضي- التي تسخر قوة الدمار بدافع الاحتكار والاستيلاء على مادة خام نادرة يطلق عليها في الفيلم "unobtanium تلاعبا بكلمة unobtainable التي تعني "يصعب الحصول عليه".
غير أن الفيلم يتناقض مع رسالته الأولية الظاهرية، عندما يقدم صورة يحتفي بها المشاهد في الجزء الأخير من الفيلم، للحرب والقتال والعنف الذي يصل إلى اقصى درجات السيريالية.
وفي الوقت نفسه، يحتفي الفيلم بشكل واضح بالعلم الأمريكي، بتكنولوجيا الدمار الأمريكية المخيفة، وبالقدرة الهائلة المستقبلية على تدمير مجتمعات كاملة وازالتها من الوجود، كما يحتفي بالبطل الأمريكي الفردي (السوبرمان) الذي يجعله مسيحا جديدا، يخلص "الآخر" من الشر، وينجو به، وهو نفس التفسير السائد في افلام هوليوود الليبرالية، وهو أيضا ما يتعرف عليه ويتماثل معه عادة جمهور الطبقة الوسطى الأمريكية من الشباب، أي الشريحة الغالبة التي تمثل جمهور السينما.


الاحتفاء بالبطل الأمريكي والبارع في كسب القلوب والعقول

ولكن.. هل سيغير "أفاتار"، في النهاية، تاريخ السينما أو شكلها؟
ربما سيجعل هذا الفيلم أفلام الأبعاد الثلاثية 3D أكثر شعبية ورواجا، وربما سيتيح الفرصة أيضا لتأسيس أسواق عالمية هائلة لتليفزيون المستقبل القريب، أي أجهزة التليفزيون التي تستقبل هذه التقنية المجسمة، والتي بدأ إنتاجها بالفعل.
ولكن لا أظن أن تاريخ السينما يعتمد فقط على تلك التقنيات والألاعيب البصرية المبهرة، ويجب أن نعلم أن تقنية الفيلم المجسم (الذي يقتضي من المشاهد ارتداء نظارة خاصة لمشاهدته) هو ابتكار قديم من الخمسينيات، سبقت تجربته وفشل في تحدي الأشكال السينمائية السائدة، أي الفيلم الذي يعرض على شاشة ذات منسوب مريح للعين البشرية، وهو المنسوب الذي استقرت عليه السينما حاليا. بل ولم تنجح عدسة التصوير للشاشة العريضة "سكوب" في تحطيمه، فلا تزال الأفلام المصورة بهذه العدسة، تتركز على مواضيع لأفلام ذات طبيعة معينة، ولا تصلح لكل أنواع الأفلام.

وربما يكون الأهم من هذا، أن أفلام الأبعاد الثلاثية لا تزال النسبة الغالبة منها، تأتي من الولايات المتحدة بحكم الاستثمارات الهائلة في صناعة السينما التي لا تستطيع أن تجاريها أي دولة أخرى في العالم. فالفيلم الأمريكي يحظى بسوق أمريكية (داخلية) تصل إلى ما يقرب من 40 ألف قاعة للعرض السينمائي، بالإضافة إلى شبكات الكابل والتليفزيون ومنافذ توزيع الاسطوانات الرقمية (دي في دي) والسلع السينمائية الموازية للفيلم مثل شريط الصوت والقمصان والالعاب الالكترونية وغيرها.

وليس من المتصور مثلا أن تاريخ السينما في العالم سيتجه تلك الوجهة "المبهرة"، بحيث يتم تصوير الأفلام "الشخصية" الفنية، التي يصنعها فنانو الفيلم في العالم، من محمد خان وداود عبد السيد وعاطف حتاتة وابراهيم البطوط مثلا، إلى بيتر جريناواي ومايك لي وفون ترايير ومايكل هانيكه ومخملباف، وغيرهم، في أي وقت في المستقبل، باستخدام هذه التقنية.
هنا يجب أن نعلم ايضا أن ما يتردد، هو أن إنتاج فيلم "أفاتار" تكلف نحو 250 مليون دولار، وربما بلغ 300 مليون حسبما يقال، بالإضافة إلى ما يقرب من 150 مليون تكاليف الحملة الدعائية المصاحبة له، وقد استرد الفيلم هذه الارقام وزاد عليها كثيرا بعد أسابيع قليلة فقط من بدء عروضه العالمية، وهذه ما نسميها بـ"خصوصية الفيلم الأمريكي"، تماما مثل خصوصية الدولة الأمريكية نفسها كظاهرة خاصة في التاريخ، غير قابلة للتكرار في أي مكان آخر في العالم.

السينما الفنية، في رأيي، ستظل تستخدم الشكل format الأكثر بساطة وتآلفا مع عين المتفرج، واتساقا أيضا، مع الإمكانيات المتاحة والتي تسمح بها المعطيات الاقتصادية القائمة التي تحكم "صناعة السينما" في معظم بلدان العالم. بل وستظل السينما التجارية السائدة في العالم (خصوصا تلك التي تتناول مواضيع واقعية) تستخدم الوسائل الأكثر بساطة. وقد اعلنت السوق الأمريكية أن 20 فيلما من بين 170 فيلما جديدا سيتم تصويرها بتقنية الصورة المجسمة ثلاثية الابعاد، ومعظم هذه الافلام من الأفلام "الخيالية"، وهي نسبة أكبر من النسبة السابقة، لكنها لا تعني غلبة هذا الشكل الذي يكاد يكون غالبا في الوقت الحاضر على أفلام الرسوم، وإن كان "أفاتار" يفتح الباب لهذه التقنية لاقتحام أفلام الممثلين البشر وغير البشر أيضا.

وليس من المتصور، رغم الحديث الذي لا ينقطع عن "عولمة الصورة"، أن يتجه العالم إلى سينما المؤثرات البصرية الخاصة التي تستفيد من تقنيات الكومبيوتر، لكي تحل محل الأداء التمثيلي الإنساني، ومحاولة السينما منذ ولادتها، محاكاة الواقع بتصوير ما يرى السينمائي أنه يحدث فيه. وليس من المتوقع أيضا أن تصبح السينما المجسمة، ثلاثية الأبعاد، باستخدام تقنية الـ3D هي التقنية السينمائية السائدة في القرن الحالي على الأقل، ولذا فمن الخطأ أن نطلق على قرننا الحادي والعشرين "قرن الـ3D"، فما هي إلا مبالغات أهل الصناعة الأمريكية.
فيلم "أفاتار"، أخيرا، يمكن بكل تأكيد أن يساهم في تطوير تقنيات صناعة السيمنا في العالم المتقدم الصناعي الذي ينتج التكنولوجيا، كما سيطور أيضا صناعة التليفزيون وربما ينقلها نقلة كبرى، إلا أن الفيلم نفسه بموضوعه المحدود الذي يلعب على الجانبين: التفوق الأمريكي والروح العسكرية الغاشمة والاحتفاء بالعنف في السينما من ناحية، ومن ناحية أخرى، الترويج لسياسة كسب "القلوب والعقول" من خلال الحب والفهم المشترك بل ومقاومة الغزو نفسه بتسخير القوة البدائية نفسها (نفس الحيلة إذن).. لن يمكنه أن يغير السينما ويقضي على براءتها الاولى التي تظل قائمة لعشرات السنين من خلال "سينما الفن".

قد ينال إعجابكم