متابعات

الفيلم الوثائقي "جيران" لتهاني راشد

أمير العمري

مرة أخرى تعود المخرجة المصرية المخضرمة تهاني راشد، بفيلم وثائقي طويل هو فيلم "جيران" (105 دقيقة) بعد فيلمها البارز السابق "البنات دول"، الذي قدمت فيه رؤية دقيقة، بأسلوب أقرب إلى أسلوب "سينما الحقيقة"، تسلط الضوء ، على ظاهرة فتيات الشوارع في مدينة ‏القاهرة: كيف حدث ما حدث لهن، وكيف يقضين الحياة، ‏ويخضن تجربة التشرد وما يكتنفها من متعاعب شتى: عنف واغتصاب وخطف وقتل.‏
كانت المخرجة تتوقف في فيلمها هذا، أمام حالات محددة للفتيات الضحايا، وتدير حوارات من وراء الكاميرا مع بطلاتها المشردات، في محاولة لفهم ذلك التدهور الاجتماعي الذي حدث، ولكن مع عدم إهمال الجوانب الجمالية التي يمكن أن تتولد عن فيلم من هذه النوعية المباشرة.
أما الفيلم الجديد الجديد لتهاني راشد "جيران"، ففيه تنتقل من الهامش إلى المتن، أي من فتيات الطبقة العشوائية المهمشة إذا جاز القول، إلى بنات وسيدات الطبقة الأرستقراطية، ومن حياة الذين يعيشون على هامش المدينة حتى لو كانوا في قلب أحيائها المرموقة، إلى حياة سكان القصور من أسلاف طبقة الباشاوات القديمة، ومن الأجانب، والمتمصرين، ومثقفي الطبقة الوسطى المصرية بمعتقداتهم اليسارية والليبرالية وأفكارهم التي توجه نقدا شديدا للماضي والحاضر على السواء.
ترصد تهاني راشد في "جيران"، التناقضات الجديدة التي برزت في حي "جاردن سيتي"، ذلك الحي الراقي الذي يقع على النيل في مدينة القاهرة ويضم عددا من أهم السفارات منها السفارتان الأمريكية والبريطانية، كما كان يعرف بقصوره الشامخة، وحدائقه الغناء، وأجوائه الارستقراطية التي كانت تضفي هالة خاصة من السحر عليه أمام أبناء الطبقة الوسطى في سالف العصر والأوان.
التناقضات الجديدة جعلت هذا الحي الذي كان يعتبر "مدينة" مستقلة قائمة بذاتها تضارع أجمل المناطق السكنية في العواصم الأوروبية (أمر الخديوي اسماعيل بتشييده قبيل افتتاح قناة السويس) يصبح يتحول إلى مكان يثير من الكثير من مشاعر الحزن والأسى، إحساسا بالمصير المأساوي الذي انتهي إليه، فقد أصبح حاليا مقرا لعدد كبير من البنوك، والمصالح العامة إلى جانب السفارات الأجنبية، وتحولتع شوارعه الضيقة التي شيدت في زمن آخر، إلى موقف ضخم لتجمع السيارات التي تصطف في فوضى تامة، واجتاحه التلوث، والفوضى المعمارية وتحولت شوارعه إلى ملاعب ضيقة للكرة يمارسها أبناء طبقة البوابين الذين انتشروا في الحي بطريقة وضع اليد وفرضوا أيضا خدماتهم فرضا، في البداية بدون مقابل، إلى أن أصبحوا جزءا عضويا من أبناء الحي، تماما كما يروي لنا ببساطة عم ربيع جودة بواب إحدى عمارات الحي العريق.
يتكون الفيلم من مزيج محكم، منسوج ببراعة، من اللقطات والصور الفوتوغرافية والأحداث المباشرة، والشهادات الحية اتي يروها الأشخاص ومقتطفات ومقاطع سينمائية من الأفلام القديمة، ولكن  بحيث يترك أمام المتفرج مساحات جيدة للتأمل والتفكير، في مشاهد يبرز فيها دور فيها الكاميرا، ويلعب الإيقاع دورا واضحا مع الموسيقى، في التعبير عن رثاء المكان، أي للحي، وللقاهرة التي كانت، بل ويمكن القول أيضا أن "جاردن سيتي" رغم خصوصيته الواضحة هنا، إلا أنه يمكن أن يكون في هذا السياق أيضا، نموذجا لمصر، ولما حدث فيها من تحولات خلال الخمسين عاما الماضية.

صورة مركبة من العمل

من الواضح أن فكرة فيلم "جيران" اي "الجيرة"، كانت الدافع الأول الذي جعل تهاني تصنع الفيلم ثم تقوم بتطويره ومده على استقامته، ونقله من مجرد تعبير عن "حالة" رمزية تشبه حالات الاحتلال: قوات أمن مخيفة هائلة، ومتاريس، ومناطق مغلقة، وحوانيت ابتعد عنها الزبائن فتحولت إلى عبء على أصحابها، ودوريات تجوب الشوارع ليلا ونهارا، ومجازفة تكمن في مجرد التطلع إلى الخارج من نافذة أو شرفة، يمكنها أن تعرض صاحبها للموت قتلا برصاصة يصوبها قناص أو رجل أمن.
والسبب يكمن أساسا وكما يروي لنا الفيلم، في وجود السفارة الأمريكية في قلب جاردن سيتي، وتطور الأحداث المحيطة بها منذ غزو العراق عام 2003، وحالة الغضب الشعبي والمظاهرات التي اندلعت أكثر من مرة وحاولت الوصول إلى مبنى السفارة، والفكرة التي أصبحت راسخة لدى الأمريكيين، أي فكرة احتمال تعرض السفارة لعمل إرهابي، وخشية الحكومة المصرية أيضا من هذا الاحتمال، وهو ما دفعها إلى تحويل المنطقة بأسرها إلى ثكنة أمنية مسلحة، وتحولت حياة سكانها إلى جحيم حقيقي، كما لو كانت الفوضى التي اجتاحت الحي ليست كافية، لكي يصبح أضيا اشبه بـ"منطقة احتلال".
بين السياسي والاجتماعي والثقافي والفني، وبين الماضي والحاضر، التاريخ، والمستقبل، السلبي والإيجابي، الفعل المباشر والرغبة المستترة في القول، يتكون نسيج فيلم "جيران".
والجيران هنا، هم تحديدا، جيران السفارة الأمريكية الذين أصبحوا ضحايا للتلوث والضجيج والزحام والباعة الذين افترشوا الأرصفة، ولاعبي الكرة من الأولاد الذين ضاقت بهم غرف سكنى البوابين في العمارات العالية المكتظة بالسكان، التي حلت محل القصور والفيلات القديمة، فارتفعت في كتل أسمنتية قبيحة تحجب أشعة الشمس عما تبقى من حدائق ضئيلة المساحة ربما يصعب العثور عليها وسط أبراج الفنادق الشاهقة التي أقيمت في تحد سافر للوائح والقوانين، ولكل حس سليم!
تصور تهاني حفلا أقامه السفير الأمريكي في القاهرة لبعض سكان الحي من "جيران" السفارة، لكي يعرب لهم عن امتنانه لهم، قبيل رحيله عن مصر بعد انتهاء مهمته، وربما ليخفف أيضا مما لديهم، من شعور بالتوتر والامتعاض بسبب كل هذه القيود التي أحاطت بحياتهم بسبب وجودهم بالقرب من السفارة.

تتحدث في الفيلم سيدة من الجيل السابق، هي وفية خيري، الروائية وكاتبة القصة والسيناريو المعروفة، وهي من سكان الحي منذ زمن بعيد، فتقول إن هذا الشعور بالتهديد جاء بسبب أفعال الأمريكيين في المنطقة. وتضحك وتعلق في تشف واضح بقولها إن "الأمريكيين يستاهلون.. فكل هذا بسبب أفعالهم السيئة"!.
ويتحدث السفير الأمريكي (حتى عام 2008)، كما يتحدث السفير البريطاني الذي يستعرض تاريخ السفارة وقاعاتها (مكتب اللورد كرومر وقاعة الاجتماعات التي عقد فيها تشرشل وإيدن وغيرهما الاجتماعات في زمن الحرب العالمية الثانية) وكانت مصر في زمن الاحتلال البريطاني تُحكم من داخل هذا المبنى الذي لايزال قائما.
ويظهر في الفيلم أيضا سليم صيدناوي (موسيقار) ابن سمعان صيدناوي، صاحب المحلات التجارية الشهيرة، وهو أحد كبار يهود مصر. ويروي سليم كيف أممت حكومة ثورة يوليو/ تموز 1952 القصر وكلفت رئيس قسم الأقطان في شركة والده بإدارته، وكانت تدفع للأسرة معاشا شهريا يبلغ 50 جنيها، واضطرار الأسرة للهجرة عام 1962، ثم منح الحكومة المصرية القصر إلى الأمريكيين الذين مكثوا فيه لمدة 25 سنة، وذلك لأسباب أمنية، قبل أن يعود إلى أصحابه الأصليين.

أثناء الاعداد لأحد المشاهد

وتستعرض الكاميرا جنبات المكان، وتعود المخرجة من خلال المونتاج الذكي إلى مقاطع من أفلام مصرية صورت داخل القصر في الماضي، كما تنتقل إلى ضابط أمن مصري سابق، مثقف يجيد الفرنسية، يتحدث عن دراسته للفيلسوف والكاتب الفرنسي الشهير ديدرو، ويشرح كيف تساهم دراسة الأدب والفكر في تعميق معرفة رجل الأمن بالعالم. وتتوقف كاميرا تهاني راشد أمام قسم شرطة قصر النيل، حيث كان يعمل الضابط (لواء الشرطة السابق عصام عبد الفتاح) الذي يقول لنا إن معظم الضباط في عصره (الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات) كانوا من المثقفين والدارسين للآداب والعلوم الإنسانية، ويشرح كيف أصبح حي جاردن سيتي منذ تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في عصر الرئيس السادات (منتصف السبعينيات) "مكانا مستحيلا" على حد تعبيره: "كان المرء يمكنه أن يستمع للموسيقى الكلاسيكية وهي تنبعث من شرفة أحد المباني.. كان كل من يريد أن يعيش حالة رومانسية يأتي إلى جاردن سيتي لكي يتأمل في الجمال والفن".
وتتكلم علية رشاد (ابنة ناهد رشاد وصيفة ملكة مصر وزوجة يوسف رشاد طبيب الملك) بينما نراهل داخل القصر المكان القصر الذي استعادته، عن الماضي الذي كان، ماضي الحي وماضي الأسرة، والتحولات التي طرأت. وتظهر في الفيلم أيضا شخصيات أخرى عديدة (30 شخصية)، معظمها من سكان الحي، منها الصحفي مرسي سعد الدين، ومصطفى سراج الدي (ابن فؤاد سراج الدين) والفنان التشكيلي عادل السيوي، والروائي علاء الأسواني، والمفكر الراحل محمود امين العالم.
ولا تقتصر الشهادات بالطبع على سكان الحي، بل هناك مثلا شهادة عادل السيوي الذي ينتمي إلى حي المنيل القريب، والذي يروي برؤية مثيرة للاهتمام، كيف كان يرى الحي وهو صغير، خاصة وأنه كان يتعلم في إحدى مدارسه الثانوية. ويصف لنا عصر "عسكرة المدارس" في الستينيات.
وتستعين المخرجة أيضا بشهادات عدد من العاملين في الحي منهم أصحاب حوانبت أصبحت تعاني الكساد بسبب القيود الأمنية المفروضة بسبب وجود السفارة الأمريكية، كما يظهر في الفيلم بواب إحدى العمارات، وبائعة فواكه تمارس عملها من على الرصيف باستخدام التليفون المحمول أيضا لتوصيل الطلبات إلى الزبائن، وفلاح جاء من الريف بناء على طلب صاحب قطعة ارض خالية لكي يحرسها فحولها إلى حقل يزرع فيه بعض الخضراوات لكي يوفر طعامه، وهذه الصورة الطريفة التي نراها عن كثب، تكثف حالة التشوه والتداخل التي اأصابت المدينة وضربت أحد أعرق أحيائها واكثرها رونقا، بعد أن أصبح كل شيء ممكن ومباح، وضربت العشوائية أطنابها في كل مكان.
ولكن ميزة فيلم تهاني راشد أنه لا يقدم أيا من هذه الشخصيات بحيث يجعلك تنفر منها أو تدينها، فهي تتعامل معها بحب كبير، وتحاول أن تتيح لها مساحة للتعبير عن نفسها، والحديث عن تجربتها بصدق، ولكنك كمشاهد، تدرك طوال الوقت، ان الوضع السياسي الذي أنتج ذلك التشابك الاجتماعي المشوه، يتحمل المسؤولية عما آلت إليه المصائر: مصائر الميسورين والفقراء معا، فأنت تشعر أن الجميع يعاني من أجل البقاء، مجرد البقاء، وسط غابة كبيرة لم يعد يحكمها أي قانون.
السيدة راوية المانستيرلي، وهي صحفية من سكان الحي، تلخص لنا الوضع القائم منذ أكثر من 50 عاما، فتقول إن "كل ما فعلناه أننا قمنا بتجميل حياة الناس، لكنه ليس كافيا، أو أن كله مجرد قشور. والشيء الوحيد الذي نكرره بنجاح منذ خمسين سنة هو المحسوبية" أي ممارسة التمييز. وهي تتكلم عن غياب العدل، وانتشار التمييز وتطالب بمعاقبة كل من يلجأ إلى استخدام "المحسوبية" بعد أن تقدم تحليلا ثاقبا لأصل المشكلة.
من كل هذه التفاصيل التي تشتبك مع بعضها البعض في بناء فسيفسائي، تصنع تهاني راشد، عملا شديد القوة، شديد المعاصرة، فيه من الحس التاريخي والوعي بالتاريخ، بقدر من فيه من الوعي باللحظة الحاضرة، ومن الوعي أيضا بأهمية المنجز الاجتماعي (ابن البواب الذي يقطن سطح العمارة درس الطب في ألمانيا) دون أن يحجب هذا رؤيتها لمدى التدهور الذي حدث في المجتمع ككل: المجتمع الذي لم يعد يتمتع بالتعددية التي كانت قائمة، وبالثراء المعماري والفني والثقافي والوعي بالتراث والموروث. وهذه هي أهمية فيلم "جيران".
إنه لا يدين العهد الناصري لحساب العهد الحالي، أو لحساب العصر الملكي. لكنه يرصد التحولات بدقة من خلال شهادات الشهود: تراجع التسامح والقبول بالآخر، وتردي الذوق العام، وانتشار القبح.
 تروي راوية المانسترلي في الفيلم كيف وقعت عيناها للمرة الأولى، على المصريين الحفاة من أبناء الفقراء، في شارع القصر العيني، بعد أن كبرت وأصبح مسموحا لها بالخروج من "جاردن سيتي" إلى ذلك الشارع الكبير المجاور المفتوح للناس جميعا من شتى الطبقات.
إن فيم "جيران" يجسد ببساطة، انهيار عصر "البورجوازية"، وظهور عصر العشوائية، أي الانتقال من مجتمع متعدد الطبقات واضح في سعيه نحو الحداثة، إلى مجتمع يرتد عن منجز الحداثة، تتلاشى فيه الطبقة الوسطى، وتبرز طبقات جديدة يصعب تصنيفها، وهي طبقات ذات طموحات مختلفة تماما، لا تحرص على للجمال، ولا تعير أي اهتمام لمكافحة الزحام، تنتج التلوث، وتصنع الفوضى والشعوائية. والأسباب، واضحة عبر لفيلم دون أي لبس. والصورة تتكلم، والمقارنات تنعقد حتى بمقارنة صور "أفلام زمان"، بصور اليوم.
"جيران" شهادة دامغة على التدهور.. وعلى كيف أصبح الإنسان يدفع ثمن التدهور على المستويات.
 

قد ينال إعجابكم