متابعات

الفيلم الوثائقي : قضايا وإشكايات

في البدء كان الوثائقي..

لم يكن في حسبان الأخوين  أوجست و لوي لوميير عندما صورا أول فيلم في التاريخ أن إنجازهما سيؤسس فنا جديدا ومفهوما فارقا في نظريات التواصل الرمزي بين البشر. صور الأخوان حوالي عشرة أفلام لا تتجاوز مدة الواحد منها الدقيقة الواحدة.. كانت تلك الدقيقة كافية لأن تجعل الواقع كمّا ضوئيا بعدما كان تجربة حسية ووجودية.  حيث أصبح الواقع لحظة بصرية مستعادة بعدما كان لحظة هاربة نحو الماضي. لقد فتحت الكاميرا الواقع على إمكانيات التصرف فيه في المستقبل مشاهدةً أو تحويرًا أو تشويهًا أو توظيفًا...
لقد وضع الأخوان لوميار بأفلامهما القصيرة مسافة بين ما يعاش وما يشاهد. وأصبح بإمكان الإنسان أن يعيش التجربة مرتين مرة كتجربة في التاريخ حيث يدخل القطار المحطة فعلا (كما هو معلوم من أوائل المشاهد التي صورها الأخوان، مشهد دخول القطار إلى المحطة). ومرة أخرى كتجربة آتية من الضوء حيث يتحرك القطار على جدار.. هذه المحاولات في استعادة تجارب البشر هي من هموم الفنون عبر تاريخها. بل هي من أصل تاريخ النوع البشري منذ خط أول صورة بقر وحشي على جدار كهفه ليسجل مشهد الصيد ومغالبة الطبيعة... لقد ولد التوثيق مع البشر.. كان ميلاده في كل مرة فاتحة لعهد جديد في تمثل العالم والأشياء.. 

بالكاميرا عربد القطار مرات ومرات على بوابة المحطة فوق جدار معلنا خلود الفعل بخلود العلاقة بين الضوء والبصر. وكفانا مؤونة السفر نحو المحطة لرؤية القطار داخلا.
لقد اجتثت الكاميرا الواقع من واقعه وعلّبته في شريط ووزعته على من تحب بالشكل الذي تحب وللغاية التي تحب. لقد حولت الوجود من التاريخ إلى الضوء ومن الذاكرة إلى البصر ومن زمن القراءة إلى أزمنة المشاهدة. ومن بناء الكلمات إلى تركيب الصور..

من التاريخ إلى الضوء خطت السينما طريقها وفتحت الأزمنة على بعضها البعض فلم يعد الماضي دارسا لا يعود. كما لم يعد المستقبل لحظة انتظار مملة.. من جهته لم يعد الحاضر زمنا هاربا منا. لقد سجلت الكاميرا أو وثقت ما عجز الإنسان عن فعله عبر تاريخه.. إنه الزمن.
أما المقومات الوجودية للزمن فهي الفاعل والفعل ومكان الفعل. فالزمن معدوم مادامت الحركة معدومة. والعلاقة بين الزمان والمكان علاقة حتمية فوق المكان. لأن الحركة تكون في المكان ليتحرك الزمان فالكرة الأرضية تتحرك في المكان ليستوي الليل والنهار.
الكاميرا جردت الزمن من سطوته ولو لحين لكي ينتصر الإنسان عليه انتصارا وهميا ولكنه جميل. وبحسب قصدية ذلك الامتلاك للسطوة على الزمن صُنّفت السينما. أي بحسب توظيف الكاميرا لعناصر الواقع نظر إلى المشهد.
فالوثائقي يمثل اللحظة التي يعطي فيها المخرج للتاريخ حضورا حقيقيا في المادة التي يصورها وليس المقصود بالحضور الحقيقي أن الزمن يحضر كمقيد للأحداث أو مرتبا لها فلا يتعلق الأمر  بالضرورة بعرض الأحداث كما كانت في سياقها الكرونولوجي. المقصود بالحضور الحقيقي هو حضور المعنى الذي تختزنه الصورة في الفيلم الوثائقي. وذلك بأن الأحداث التي يصورها الفيلم الوثائقي تكون على إيقاع التاريخ أو ما يتصور أنه تاريخ الحدث.
أما الفيلم الروائي فحضور الزمن فيه حضور اعتباري استعاري أو مجازي. أي كمفهوم محرك ومحرض وضامن لمعاني الشخصيات. وليس زمنا حقيقا يحيل على التاريخ الحقيقي للأشياء.
على سبيل المثال بالإمكان كل من الوثائقي والروائي أن يصورا مشهدا للفقر من خلال صورة طفل في الشارع عليه كل علامات الخصاصة. ويكون المشهد متماثلا أو شبه متماثل في النوعين. الفرق بين هذين المشهدين هو لحظة التقبل لزمنيهما لدى المتلقي. ففي الوثائقي هذا الطفل له هويته التاريخية الزمانية والمكانية فهو طفل ينتمي إلى رقعة معلومة في زمن معلوم. تمت محاصرته لحظة التصوير. ويمكن أن يكون له مثيله التاريخي في أزمنة وأمكنة أخرى معلومة أيضا (الطفل المصور يشبه نماذج لا حصر لها لأطفال فقراء في أفريقيا أو في آسيا أو غيرها).  لكن في الفيلم الروائي هذا الطفل له هوية نصية لها علاقة بزمن الفيلم لا بالزمن التاريخي. له مثيله في الواقع طبعا وله مثيله في الفن أيضا.
ففي المثال الوثائقي يحضر الزمن حقيقة أما في الفيلم الوثائقي فيحضر مجازا. وفي حالة الحقيقة تظل سطوة التاريخ على الصورة أقوى من الحالة الثانية. ولكن في كل من حالتي الحقيقة والمجاز تنفتح نفس المساحة للقراءة والتأويل. فالوثائقي والروائي يختلفان في زمنية الصورة ويلتقيان في زمنية القراءة.

*******

بناء على هذا المنظور الفلسفي يمكن أن نتتبع الخيط الرابط بين مواد هذا الكتاب الذي نضعه بين يدي القارئ العربي كمحاولة للحوار والنقاش حول جنس من أجناس السينما الأصيلة وهو الفيلم الوثائقي. وتأكيدا على غاية الحوار وطرح الأسئلة أكثر من الإجابة جاءت الدراسات المؤثثة لهذا الكتاب متنوعة من حيث الكتّاب والرؤى والمدارس. لأن الغاية الأولى من الكتاب هي فتح مساحة من النظر كانت قد بدأت على صفحات النت(  ) وانتقلت إلى صفحات الكتاب. ونعتقد أن قاعدة أي جدل فكري هي الرؤية الفلسفية القائمة على التأويل والنقد وإعادة القراءة.

الكتاب ليس تعليميا نبغي من خلاله تعليم القارئ كيفية صنع الفيلم الوثائقي ولا هو استعراضي للمعلومات والأفكار. وإنما هو كتاب ذو بعد إشكالي يتناول الوثائقي كحالة إبداعية لها تاريخها ومدارسها ونظرياتها. يطرح حول هذه الحالة الإبداعية الأسئلة التي تليق بها معرفيا وفنيا ونقديا بعيدا عن التهويمات الإيديولوجية والإسقاطات الفكرية.
 
ينقسم الكتاب إلى خمسة أبواب. الباب الأول يتضمن دراستان وهما عبارة عن مقدمات نظرية تحاول أن تضع إشكاليات الفيلم الوثائقي في إطارها النظري والجدلي. أما الباب الثاني وهو الأكبر كمّا فقد حاولنا خلاله جمع المقالات التي سلطت الضوء على بعض مدارس الفيلم الوثائقي واتجاهاته. 
ونظرا لكثرة الإشكاليات المرتبطة بالفيلم الوثائقي فقد آثرنا أن نختار الإشكاليات الجامعة والكبرى فخصصنا الباب الثالث لطرح إشكالية التصنيف بين الروائي والتسجيلي. وهذه الإشكالية مرتبطة نظريا ونقديا بإشكالية أخرى لا تقل عنها أهمية وهي إشكالية الموضوعي والذاتي في الفيلم الوثائقي وقد جاءت دراسات القسم الرابع لتضيء جزءا من ملامح هذه الإشكالية.
أما الباب الخامس والأخير فقد أردناه أن يكون أميل إلى التطبيق وبعيدا نسبيا عن التنظير حيث جمع هذا الباب مجموعة من الدراسات هي عبارة عن قراءات في الفيلم الوثائقي العربي من خلال نماذج متنوعة في المشرق والمغرب.

لقد حاول كتّاب هذه المواد أن يقدموا رؤى نقدية وتحليلات علمية يمكن البناء عليها نقدا ومحاورة. لذلك فإن المواد الواردة في الكتاب تعبر عن الانتماءات الفكرية والتجارب الفنية لأصحابها فمنهم من له رصيد في إخراج الوثائقي كقيس الزبيدي أو نعيم بن رحومة أو باسم قهار الذي اشتغل الروائي والوثائقي. ومنهم من هو قادم من حقل النقد السينمائي كأمير العمري وأحمد بوغابة وناصر ونوس ومنهم من هو آت من مجال التنظير الأكاديمي كعدنان مدنات أو سيد سعيد أو غادة جبارة ومنهم من يشتغل في ميدان البحوث المتعددة الاختصاص كاللسانيات والسيميولوجيا وغيرها واستثمروا بحوثهم لقراءة الوثائقي كالباحث أحمد القاسمي ورضا بن صالح وأيمن الصوصي العلوي وعاصم جردات وابراهيم الزرقاني...

لقد كان هذا الكتاب مساحة تلاقت فيها كل هذه الآراء التي تعبر عن التنوع النقدي والنظري كما كان فرصة لتجريب بعض النظريات العالمية في الفيلم الوثائقي على تجارب عربية. وكل ذلك يهدف إلى وضع أسس معرفية لمناقشة ثقافة الفيلم الوثائقي في العالم العربي إنتاجا وتقبلا ونقدا. 

قد ينال إعجابكم