متابعات

التعددّية تمنحُ السينما ثراءها..

هل يمكن إنجاز أفلام مُستقلّة بمُواصفات السينما السائدة ؟

صلاح سرميني – باريس

(عندما نتكلم عن سينما مُستقلّة في مصر، نجد في انتظارنا مهمّتين، لا مهمّةً واحدة، علينا في البداية أن نُحدّد ماهيّة الشيء، أو الأشياء التي يُفترض الاستقلال عنها، ومن ثمّ، يمكن الانتقال إلى تعريف، وتحديد هوية السينما المُستقلّة في مصر .
ومن الواضح، أنّ هذه مهمّات صعبة، خاصةً أنه لم يسبقنا إليها أحد، وأصعب ما في الأمر، أنه يتعين إنجاز المهمّتين في الوقت نفسه.
عندما نتكلم عن المهام المُنجزة هنا، نُدرك قصورنا الشخصيّ، ونُدرك أنّ الأمر ليس مسألةً حسابية سنقوم بحلّها، أو إجابةً على سؤالٍ نعثر عليها في مكانٍ ما، ولكن المقصود بالإنجاز هنا، هو عملية البحث نفسها، التي قد يكون لها إجاباتٍ، ونهاياتٍ متعددّة، أو قد لا يكون لها جواباً، أو نهايةً على الإطلاق .
مُجمل أعداد هذه المجلة، سيكون مُكرّساً لهذه العملية، ومُجمل أهدافها، هو طرح التساؤلات، وليس إقرار الإجابة، حتى لو كانت بعض المقالات، والدراسات التي ستُنشر هنا تحمل نبرة اليقين.
إنّه في النهاية، اليقين المُتقلب، المُدرك لنسبيّته، ولكنه بالنسبة للباحث مثل مصباح الفيلسوف اليونانيّ "ديوجين"، يساعده على الرؤية وسط فوضى، وظلام الشكّ، وهو لا يرى إلاّ ما يسقط عليه الضوء في هذه اللحظة بعينها).

***

بهذه الكلمات، افتتحت "نظرة" عددها الأول(في ربيع 2002)، وكانت، قبل أن تختفي بسرعة، مجلةٌ سينمائيةٌ تُعنى بشؤون السينما المُستقلّة، ونافذة تُطلّ على التجارب السينمائية المُختلفة، والتي تسعى لتحرير الفنّ السينمائيّ من قبضة واحتكار السينما السائدة بمعاييرها التجارية النمطية.
مجلةٌ تنوعت موضوعاتها ما بين البحث عن مفهوم السينما المُستقلّة، والتعريف بنشاطات المُؤسّسة المصرية التي أصدرتها.
وقتذاك، تجسّدت أهمية التجربة بمُبادرة بعض السينمائيين المصريين الشباب للتفكير بتكوين مؤسّساتٍ إنتاجيّة، وتوزيعيّة مُوازية، كانت بمثابة مُؤشراتٍ جديدة للتمرد على الأوضاع السينمائية المُهيّمنة، وبالآن، تأسيس قاعدة نظرية، تُواكبها مُمارساتِ عملية.
وقد سبقهم الليبيّ "محمد مخلوف" بالإعلان عن هذا المنحى، وذلك بتأسيسه، وتنظيمه لأول مهرجانٍ سينمائيٍّ عربيّ للسينما المُستقلّة، والتي انعقدت دورته الأولى في لندن، والثانية في الدوحة، ورُبما شجّع هذا المهرجان الكثير من السينمائيين العرب الشباب على التفكير، عملياً، ونظرياً، بإنجاز أفلاماً مُستقلّة.

محمد مخلوف

و"الاستقلال" - في أذهان الجميع- هو مُصطلحٌ سياسيٌّ، ونضاليٌّ يُشير إلى تحرّر دولةٍ ما من هيمنة احتلالٍ أجنبيّ، واعتمادها على حكوماتٍ وطنية، بدون خضوعها لتأثيراتٍ خارجية من أيّ نوعٍ كانت.
ولكن، أين تكمن استقلاليّة الفيلم، والسينما بشكلٍ عام، ومن الذي يُسيطر عليها، ويُهيمن على أمورها الإنتاجية، والتوزيعية، وكيف لها أن تتحرر، وتصبح "مُستقلّة" ؟
وأول ما يخطر على البال، هو العودة إلى تاريخ السينما نفسها، بداياتها الأولى كاختراعٍ تقنيٍّ انطلق من الرغبة في تحريك الصور الثابتة، وخلق وهم الحركة، وقتذاك، لم يفكر مُكتشفوها بأنها سوف تصبح يوماً ما إحدى وسائل التعبير، والفرجة الأكثر شعبية.
لقد بدأ  الفرنسيّان "الأخوين لوميير" أفلامهما الأولى بطول دقيقةٍ واحدة تقريباً لكلٍ منها، لم تكن أكثر من لقطاتٍ تُوثق أحداثاً يوميةً عابرة، وسرعان ما تطورت مفرداتها التعبيرية بفضل الاكتشافات المُتلاحقة، والمُتعلقة بحركة الكاميرا، المونتاج، الألوان، الصوت، .... وقد ترافق تطور السينما كوسيلة تعبيرٍ مع تطوراتها التقنية، وتأثيرها على شروط الإنتاج، والعرض .
كما توّجب مشاهدتها بضرورة دفع مقابلٍ ماديّ، كحال عروض السيرك، والمسارح في تلك الفترة، وانتقلت فضاءات عروضها من المقاهي، والملاهي إلى صالاتٍ خاصة، وفي الوقت الذي كانت الأفلام الأولى مُستقلّة تماماً، ارتبطت الأفلام اللاحقة بآليّات الإنتاج، التوزيع، والعرض، وظهرت مؤسّسات تحكمت تدريجياً في قواعد هذه الصناعة، عندما أصبح من العسير التمويل الذاتيّ للأفلام، بعد أن تضخمت نفقاتها الإنتاجية يوماً بعد يوم، وسرعان ما اكتشف أصحاب رؤوس الأموال شعبية السينما، وتأثيراتها المُدهشة على المُتفرجين، لم يحققها السيرك، ولا المسرح، ولا أيّ وسيلة تعبيرية أخرى كانت حاضرةً في المشهد الفنيّ آنذاك.
وبدأ التفكير سريعاً بالكسب من خلالها، وتحويلها إلى صناعةٍ مُربحة، ومنذ ذلك الوقت، بدأ السينمائيّ يفقد استقلاليّته الفطرية الأولى، ويتجه تدريجياً نحو تصنيع "سلعة ترفيهية".
بالتوازي، اكتشفت الأنظمة الحكومية للبلدان الاشتراكية - السابقة- أهمية السينما، فبادرت إلى تأميمها، مثل كلّ النشاطات الأخرى، وفرضت سيطرتها عليها، واستخدمتها وسيلةً دعائيةً لإيديولوجيتها، وفقد السينمائيّون مرةً أخرى حرية الإبداع .
كانت السينما في الولايات المتحدة متحررةً من سيطرة الدولة، ولكنها- في الحقيقة- محكومة بسيطرة شركاتٍ كبرى اهتمت – أولاً، وأخيراً- بالعائدات المادية، وتصدير فكرة "الحياة على الطريقة الأمريكية" لتخلق ذوقاً موحداً، ومتفرجاً نمطياً، يستهلك الأفلام كما يلتهم شرائح الهامبورغر.
لم تتوقف السينما عن تطوير مفرداتها التعبيرية، وإمكانياتها على الإدهاش، ولم يقف السينمائيّون مكتوفي الأيدي أمام محاولات إخضاعهم لقوانين السوق، وتكريس السينما كسلعةٍ ترفيهية بعيدة عن هموم، وطموحات المتفرجين .
فظهرت –هنا، وهناك- حركات سينمائية حاولت التمرد على سيطرة الدولة من طرفٍ، ورأس المال من طرفٍ آخر، فظهرت "الواقعية الاشتراكية" في البلدان الاشتراكية السابقة، "الواقعية الجديدة" في إيطاليا، "الموجة الجديدة" في فرنسا، "السينما الحرّة" في بريطانيا، "سينما الأندر غراوند" في الولايات المتحدة، و"السينما المُباشرة" في أمريكا اللاتينية.

في البلدان العربية، بدأت السينما إنتاجها برؤوس أموالٍ خاصّة، كان لها الفضل بتأسيس بدايات الإنتاج السينمائيّ، وتماشياً مع ما يحدث في العالم، بادرت معظم الدول العربية المُنتجة للسينما - وخاصةً مصر- إلى خلق مؤسّساتٍ عامة، وبدل أن تُنظم الحركة السينمائية عن طريقها، سيطرت على مقدراتها، ومع ذلك، قدمت أفضل، وأجمل الأفلام في تاريخ السينما العربية، ولكنها، بعد سنواتٍ، ترهلت أنظمتها، وقوانينها، وأصبحت عبئاً على السينما، والسينمائيين الذين شعروا بأنهم سوف يصبحون بوقاً دعائياً لإيديولوجية الدولة، طالما أنها المُنتجة الوحيدة لأفلامهم .
أُجهضت تجربة القطاع العام في مصر، وأجبرت الأحداث السياسية في الجزائر إلى تراجع الاهتمام بالسينما، واستمرت وزارة الثقافة في تونس بدعم السينما التونسية، ولم يبقَ في المشهد السينمائيّ العربيّ إلاّ المؤسّسة العامة للسينما في سورية تعاني من رغبة القضاء عليها، وتقدم لنا فيلماً، أو اثنين كلّ عام.
وعلى مرّ السنوات، ظهرت حركات سينمائية خجولة، "جماعة السينما الجديدة" في مصر، التي لم تصمد طويلاً، وانخرط المُدافعون عنها في السينما التقليدية، وحتى التجارية، وغاب البعض منهم عن الساحة السينمائية تماماً، ومن سورية بدأ التفكير بـ"سينما عربية بديلة" تتمسّك بالالتزام الاجتماعيّ، والسياسيّ، سرعان ما طوى النسيان هذا الشعار، والكثير من السينمائيين الذين دافعوا عنه .
وجاءت الفضائيّات العربية بدورها، لتُسهل مهمة معظم الأنظمة العربية في (نحر السينما العربية)، والبطالة المُقنعة لمُبدعيها.
وهكذا، انطبعت انشغالات السينمائيين دائماً بالبحث عن استقلاليّتهم، أكان ذلك بخوضهم تجربة القطاع العام، أو في علاقاتهم مع المؤسّسات الإنتاجية الخاصّة.
ولكن، هل كان ذلك عائقاً أمام استمرارهم على الخلق، والإبداع ؟ بالطبع لا.
وكما نعرف، فقد قدم القطاع العام في الوطن العربي أفلاماً لا يمكن نسيانها، تُعتبر علاماتٍ مضيئة في تاريخ السينما العربية .
ولم تقف المُؤسّسات الإنتاجية الخاصّة حائلاً أمام إبداعات البعض من السينمائيين.
وهذا يعني، بأنه على الرغم من سيطرة الدولة، ورأس المال على السينما، يمتلك المُبدع الحقيقي إمكانياتٍ عديدة للالتفاف على المحاذير، والعقبات، وهامشاً ضئيلاً، أو واسعاً من الحرية، أما الآخرون، الذين يقف إنتاجهم عند سقفٍ معينٍ من الإبداع، فإنّ (فاقد الشيء لا يعطيه)، الجملة التي كان يُرددها المخرج المصريّ "هشام أبو النصر" على أسماع طلبته في "المعهد العالي للسينما".
ومع ذلك، لا يستطيع النقدّ السينمائيّ إهمال هذه الأفلام، مهما كانت قيمتها، حيث أنّ حتمية تاريخ السينما وتطوراتها، تفرض نوعياتٍ سينمائية مختلفة، وأذواقاً متباينة، "تعدديةٌ" تمنح السينما ثراءها، وتبقيها على قيّد الحياة، على الرغم من التطورات التقنية التي دخلت عليها، واستوعبتها، وكانت وسيلةً لإنعاشها، وليس لقتلها.
والأفلام التجاريّة - وحتى المُفرطة في تجاريتها- لن تتوقف عن الظهور، ولن يتقاعس الجمهور عن مشاهدتها، ولن تمنع بعض السينمائيين عن الإبداع - إن كان لديهم ما يقدمونه-، وتبقى مهمة المؤسّسات السينمائية الحكومية الاهتمام بتنظيم العملية الإنتاجية، والتوزيعية : سنّ القوانين، والتشريعات، الاستفادة من إيرادات السينما التجارية لإنتاج الإبداعات السينمائية الحقيقية، تطوير ثقافة سينمائية مُتجددة، وخلق متفرجٍ يمتلك حرية الاختيار.
وهي انشغالاتٌ أكبر من : كيف يحصل السينمائيّ على استقلاليّته ؟
والأُحجية المُستعصيّة، ألا يُعتبر "وائل إحسان" مخرج "بوبوس" مُستقلاً بشكلٍ ما، فهو يقدم ما يريد من أفلامٍ تُجسّد قدراته السينمائية المُتوافقة مع متطلبات المتفرجين الذين يقبلون على مشاهدتها ؟
وبالمُقابل، ألا يمتلك "إبراهيم البطوط" الاستقلاليّة التامّة في أعماله، واستطاع أن يفعل ما يشاء ؟
وهاهو "داوود عبد السيد" يقدم فيلمه المُستقل فكرياً، وسينمائياً...

داوود عبد السيد

الأول يرتبط بمُنتجٍ يهمّه الربح في المقام الأول، والثاني يُكرّس لمفهوم السينما المُستقلة، والثالث يُبدع في إطار السينما السائدة، ويمتلك الثلاثة قناعة أكيدة باستقلاليّتهم.
هذا يقودنا، بأنّ "الاستقلاليّة" منهج عملٍ تفرضه قدرات السينمائيّ نفسه، وإمكانياته على التحايل لامتلاك حريته في التعبير، أو هامشاً منها، وكما تناضل الشعوب للحصول على استقلالها، على السينمائيّ النضال بكلّ وسائله المشروعة، النظرية، والعملية، لتحقيق "استقلاليّته" في العمل، والتفكير، ويتطلب ذلك قدراً كبيراً من المُراوغة، والذكاء .
وقبل ذلك، على السينمائيّ أن يعرف من هو خصمه الحقيقي: القطاع العامّ، المُؤسّسات الإنتاجية الخاصة، المُنتج الذكيّ أو البليد، الأفلام التجارية الرديئة، الثقافة السينمائية الغائبة، أو المُغيّبة،...؟ وأيضاً، هل يمتلك السينمائيّ -الذي يبحث عن "استقلاليّته"- شيئاً ما ليقوله، كي يصبح نضاله عادلاً، مشروعاً، ونبيلاً.

قد ينال إعجابكم

بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. وكان منذ فجر شبابه يحلم بالوقوف أمام كاميرات...