حوارات

شفيق المهدي: لا عراق خارج العراق

أطالب بتخصيص 1% من ميزانية المحافظات للإبداع الفني
حوار علي هاشم - بغداد

* دائرة السينما والمسرح تمثل المؤسسة الأولى في العراق المسؤولة عن صناعة السينما, وبوصفكم المسؤول الأول عن أدارتها, كيف تنظرون الى الواقع السينمائي الآن؟
كان الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبته مؤسسات الدولة الثقافية هو هيمنتها على كل الانتاجات الثقافية والفنية. بينما كان من المفروض أن تستمر صناعة السينما من حيث بدأت أي كونها قطاعا خاصا، طبعا بالتوازي مع القطاع العام. هذه العملية كانت بدايتها صحيحة ولكن مع سعي الدولة المستمر منذ عام 1958 حتى 2003  فرض السيطرة المركزية على كل المرافق الفنية بدءا من الجوانب الحياتية من حريات خاصة في الشارع والمتنزه وصولا إلى صالات العرض السينمائي والمسرحي. هذا التوجه البليد هو الذي منع تحول قطاع السينما من قطاع خاص, إلى قطاع تسيطر عليه عقول متخلفة, جاهلة, ومهما كان شكل أو لون هذه المؤسسات, أنا أعتبر هذه السياسة ضد العمل السينمائي بكل مراحله..

 

 

شفيق المهدي

* ما هي الجهود التي قمتم بها بعد مرور عام من توليكم إدارة هذه المؤسسة، لتحريك عجلة السينما العراقية وإعادة الحياة لها من ناحية جلب الاستثمارات أو تقييم الاحتياجات العاجلة للبدء بالإنتاج ؟
أنت تلاحظ أن الثقافة العراقية تنطوي على أقانيم متعددة منها المسرح والشعر والفن التشكيلي وهو ما لا يتوفر في كثير من البلدان العربية المستقرة. ولكن رغم أن العراق هو كان من أكثر البلدان العربية مهيأ إلى أن يكون بلد سينما لكن ليست لدينا صناعة سينما. فالسينما هي في النهاية رؤوس أموال واستثمارات وهنا تحدث المفارقة؟ فمعظم من يملكون رؤوس الأموال ليست لهم صلة بالثقافة, وأقصى اهتماماتهم هو الحياة ببذخ وقضاء النزوات. إنه مظهر من مظاهر الرأسمالية الفاسدة والبرجوازية العفنة التي لا تعلم ولا تدرك الأهمية التاريخية للمال في الانجاز الوطني العام.
أنت تعلم أن دائرتنا ومنذ تأسيسها عام1959  لم يتناوب عليها مدير عام حاصل على شهادة متخصصة في المسرح أو السينما وهذه كارثة؟ من ناحية أخرى بقيت الدائرة خالية من الأموال والسبب واضح هو الفساد الإداري والمالي علاوة على عدم وجود متخصصين. سنتان بدون أموال للإنتاج السينمائي مع ذلك استطعنا أنجاز شيء. فحاولت استقطاب شخصيات مثقفة إضافة إلى اختصاصها السينمائي.  فعدي رشيد ذو الرؤية السينمائية الخلاقة التي بدت جلية في فيلمه "كرنتينة" أعتبره كسبا للمؤسسة. كذلك علي هاشم وفيلمه روح السينما.
أعول أيضا على  حميد رماحي لإنجاز فيلمه الثالث. من ناحية أخرى أحاول أن ابشر بجيل جديد من المخرجين المسرحيين الشباب  كعماد محمد وإبراهيم حنون وحاتم عودة ومهند هادي.. لأنني أأمن أنه علينا أن نكون مخرجين حقيقيين لديهم خلفية سينمائية وثقافية قوية. ويتم ذلك بمواصلة ما أنجزه عدي رشيد وحميد رماحي.. وأنا في انتظار ما سيقدمه أسعد الهلالي ودنيا القباني وأنا متفائل من إنتاجنا لموسم 2010 - 2011.

 

 

فيلم كرنتينة لعدي رشيد

* لماذا لم تتحرك صناعة الأفلام العراقية ونحن الآن وكما يقول ولاة أمرنا نعيش عصر الحرية والديمقراطية؟
سؤال وجيه, بداخله يحمل تناقض حياتنا العراقية منذ اسقوط النظام السابق, يعتقد البعض -وهذا اعتقاد الواهم والذي سيؤدي بالبلد الى كارثة حقيقية- أننا نستطيع أن نبني مجتمعا ديمقراطيا وفق أسس الحرية والتحضر دون ثقافة وفن. منذ 2003 ولغاية الآن والدولة تشيح بوجهها عن دور الثقافة والفنون, بينما الوسط الثقافي هو الذي قوّم وحرّك وسيّر المشروع الحضاري دونما حتى علم الدولة, وحافظ على وحدة البلاد, وهذه نقطة حسمها بشرف وبإخلاص المثقف والفنان العراقي. فأنا أعتقد أن الذي حافظ على أمن ووحدة وسيادة العراق هو العقل الثقافي والفني والفكري وهي التي علمت العقل السياسي العراقي في كل الأزمان أن ينتبه إلى دور الثقافة في بلاد الرافدين.

* ولكن ما مستقبل صناعة سينمائية كيف سيكون أذا بقي الوضع على ما هو عليه؟
أذا أخذنا الموضوع من وجهة نظر نقدية على المستوى الخارجي, هناك إرادة حقيقية لعمل سينمائي داخل العراق, سينمو ويتطور خلال عشرة أعوام, وفرت الدولة أم لم توفر هذه الإمكانيات. هناك نمو للقطاع الخاص واهتمام من قبل الفرد بدور الفنون والثقافة, وهو يريد(أي المواطن العراقي) الفن ويسمع الشعر ويتابع قضايا الثقافة ويزور صالة مسرح ودار العرض السينمائي. أقول سيكون هناك انجاز سينمائي كبير حتى بمنأى عن جهد الدولة العراقية.

* ما تعليقكم على فوز السينمائيين العراقيين بثمان جوائز من أصل اثنتي عشرة جائزة منحها مهرجان الخليج الثالث علما أنهم أنجزوا أفلامهم بجهود ذاتية خارج دعم الدولة؟؟
أنا اعتبر هذه "الانتصارات السينمائية" في المحافل العالمية والعربية أعيادا وطنية والفنان العراقي يرفع علم بلده في قرطاج والقاهرة والدار البيضاء ويحصد الجوائز ولم تكلف الدولة نفسها حتى بتقديم كلمة شكر..

* باعتبارك من الأسماء اللامعة في حقل الثقافة العراقية في العقود الأخيرة هل تستطيع القول بحصول تطور في تاريخ السينما العراقية شكلا ومضمونا ؟
أنا أعمل في الوسط الفني منذ ثلاثين عاما أقول مازالت الأولوية للمسرح, فقد بقي هو المسيطر على نشاطات دائرتنا لأن إنجازات المسرحيين العراقيين كبيرة ومعروفة رغم النكسات التي واجهتهم، لكن الحقل السينمائي لم يتطور, فالسينما العراقية ارتبطت بجهود أفراد فترى أن المخرجين محمد شكري جميل وصاحب حداد قدّما نموذجا للبنى التقليدية للسينما العراقية وهي غير مؤثرة لكنها مهمة في مجمل تأريخ السينما العراقية. وتبقى الحلقة الأقوى في هذا التاريخ هي ما أنجزه محمد شكري جميل, وأنقطع الرجل وكان المفروض أن نبحث عنه لنستفيد من خبراته ولا ننسى فترة الخمسينيات كان هناك كاميران حسني صاحب فيلم "سعيد أفندي" وعبد الجبار ولي أخرج فيلم "من المسؤول" وحكمت لبيب ووليم سايمون وعبد الهادي مبارك وجعفر علي وهادي الراوي... هؤلاء أنجزوا أفلامهم وسط واقع وظروف كلها كانت تعمل ضد طموحاتهم. ولا ننسى بسام الوردي وقاسم حول لكن هذه الأفلام التي أنجزوها ظلت محطات منقطعة عن ذاتها لا تستطيع تثبيت العلامات الكبيرة في رحلة محمد شكري جميل, والسبب هو عدم وجود استمرارية للإنتاج السينمائي, لذا أنا أعوّل على جيل المخرجين الشباب مع دعم الدولة القادم أن شاء الله.

* سيادتكم تلاحظون الوضع العام الآن يصفه البعض بأنه حالة انتظار مؤلمة بمعنى الذاهب إلى الأمام هو كالعائد إلى الوراء؟
سؤال مشتبك مع خطوط أخرى... أقول إن الصراع على الكراسي أخذ من حياة العراقيين الكثير وزاد من تعقيدات الحياة. وقد أخر ذلك فتح ستائر كثير من المسارح, وأوقف إنتاج العديد من الأعمال الجديدة. أعتقد إذا استمرت هذه القضية ستشكل صعوبة بالغة على وجود العراق كبلد ودولة.

* ماذا عن مشروعكم الثقافي، وحملتكم التي طالبتم فيها باقتطاع نسبة واحد بالمائة من ميزانية المحافظات لتنشيط الأعمال الفنية وتطوير سينوغرافيا المدن العراقية؟
لدينا خزائن مالية اسمها المحافظات غير أن مجالسها ما زالت بدون وعي بأهمية الفكر والثقافة يشرف عليها أناس متواضعون في مستواهم الثقافي جدا. فهم لا يستطيعون تحسس اللحظة القادمة لمستقبل العراق. ولا يعلمون ولا يعرفون سينوغرافيا المدن والحواضر ومازال وعيهم يعود إلى القرن الثامن عشر, وقلت حينها ليرصد كل مجلس محافظة نسبة1% من ميزانيته لدعم العمل المسرحي والسينمائي والتشكيلي وقد قوبل طلبي بالإساءة التامة.

* السياسة العامة للدائرة سيادتكم تضعون تصورات وتعلمون أن كل فنان هو صاحب حلم وعنده مشروع فهل وضعتم خططا بديلة فيما لو تناقصت المخصصات المخصصة للإنتاج السينمائي؟
مع أمنياتي بمضاعفة المبالغ المرصودة من الوزارة إلى دائرتنا طبعا توجد خطط بديلة ولا توجد استراتيجيات بسبب الوضع الذي نعيشه بعد سنتين من العمل المضني والصبر الذي لا أستطيع وصفه والمتاعب الجمّة التي واجهتها في إعادة تشكيل الدائرة وفق أسس علمية صحيحة. أجد أن المؤسسة الآن تستطيع التحرك بقواها الذاتية , كخبرة وكإنتاج لكننا مازلنا بحاجة إلى أموال فعام 2013 بغداد عاصمة ثقافية وأنا لدي مشروع لبغداد يتطلب ميزانية كبيرة.

* ماذا عن دور العرض المغلقة الآن هل قمتم بخطوات لإعادة الحياة لها؟
يعود الجمهور العراقي إلى صالات العرض السينمائي والمسرحي مع رفع غشاء الضلالة عن أعين رجال السياسة في العراق فهذه حقيقة!؟ قدمنا عروضا مسرحية كوميدية واستقطبنا جمهورا هائلا لأشهر مستمرة. الجمهور العراقي حضر ليلا وجاء في السابعة مساء وغادر في الحادية عشرة ليلا, مع هذا نحن نعمل وفق الحدود الدنيا, وعلينا بالحد الأقصى بتوفير الأموال لإنجاح العملية الفنية، لكن البعض من القادة يحاربون الفن والثقافة ولم تبق سوى إقامة الحدّ على المثقف العراقي وهذا عمل فاشي. في البصرة تحدث الآن كارثة للثقافة العراقية بالاستيلاء على أبنية وأموال دائرة السينما والمسرح.. وبالجملة هل تعلم أن دار الأوبرا في البصرة تربط في داخلها قطعان الحمير والبغال والخيول. وأنا زرتها وشاهدت هذه الصورة المخيفة وهذا يسعد البعض من مناهضي الثقافة ولا استطيع أن أصدق كيف يحدث صدام بين الدين والفن وكلاهما يدعو إلى الخير وخدمة حاجات البشر جميعا.

* هل تتابعون شخصيا كل مراحل انجاز الفيلم أم توكلون الأمر إلى السيد مدير السينما؟
أرجو أن تثق أنني أتابع أي أنجاز سينمائي أو مسرحي أو ثقافي على طول خارطة العراق كله مع فيلم علي هاشم روح السينما مع فيلم عدي رشيد كرنتينة, مع فيلم حميد الرماحي,أتابع مراقبة ما ينجز من لحظة الفكرة حتى نسخة العرض. يعجبني ويسرني ذلك أعلم أهمية العمل السينمائي. وأرى أن كل مدن العراق الآن تحتاج إلى فتح دور العرض المسرحي والسينمائي وهنا دعني أوجّه دعوة مباشرة(بنبرة عالية) "يا رجال الدولة يا أحزاب يا برلمان يا وزراء افتحوا دور العرض السينمائي وكفى كفى,,"

 

 

حميد الرماحي

ومازلت أوجه سؤالي "كيف لك أن تبني مجتمعا مدنيا ديمقراطيا متحررا دونما ثقافة وفن وهذه حالة أبشع من زمن القرون الوسطى, علينا أن نتحاور ونتعلم لغة الحوار وننتهي من الاتهامات المجانية.. العراق يجب أن يكون حاضرا في كل خطوة نخطوها للأمام,, أرجو منك أن يكون عنوان المقابلة لا يوجد عراق خارج العراق...
العراق هو داخل العراق... العراق أكبر من طوائفه وأحزابه أكبر من التفجيرات أكبر من أحزانه وتفكيكه إلى جغرافيات متحاربة. إن الشعب العراقي والمثقف والفنان والأستاذ الجامعي هؤلاء هم من أوقف الحرب الأهلية التي أراد السياسيون إشعالها, وعلينا أن نوصم رجال السياسة والدين ونضع إصبعنا في أعينهم ونقول "إنكم حاولتم إشعال الحرب الأهلية في العراق"..

* هل لديك أمل بعودة السينما العراقية,هل تشعر ببوادر لذلك الأمل على أرض الواقع؟؟
أنا رجل أحلم داخل الحلم.. ولا تنتهي أحلامي وأمنياتي أعمل ضمن واقع ومنهج وتخطيط,. وأحاول ألا يكون المدير العام طاغية. وهو صوت واحد من مجموع مجلس الإدارة. لهذا تقدمنا كثيرا ونجحنا بعلاقاتنا الشخصية وما أشدّد عليه "كن مسؤولا عن كلامك فكل الأشياء أصبحت قضية وطنية..."

قد ينال إعجابكم

بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. وكان منذ فجر شبابه يحلم بالوقوف أمام كاميرات...