متابعات

رُمُوز :المخرج الألماني فيم فاندارس

عندمَا يتحدّث النقّاد والمهتمّون بالشّأن السّينمائي عن المخرج الألماني الكبير "فيم فاندارس" الذي وُلد سنة 1945 بمدينة ديسالدورف بألمانيا، لا يذكرون إطلاقا أفلامه الوثائقيّة وكأنّ هذه الأفلام تُعتبر مجرّد استراحة عابرة في مسيرة هذا الفنّان المتميّز الذي اشتهر بأفلامه الرّوائيّة الخالدة التي نذكر منها أساسا "أليس في المدن" (Alice dans les villes)، "هامات" (Hammet)، "باريس، تكساس" (Paris, Texas) وغيرها من الأفلام. بيد أنّ أفلامه الوثائقيّة، علاوة على أهمّيتها، هي جزء لا يتجزّأ من مدوّنته الفيلميّة الرّوائيّة.

فيم فاندراس

عُرِفَ "فيم فاندارس"، في جلّ أفلامه، بعشقه للفضاءات وخاصّة تلك التي تُحِيلُكَ على رغبة التّرحال والسّفر واكتشاف حضارات وثقافات أخرى. كان ألمانيّ المسقط والأصل، لكنّه في تكوينه الفنّي والثّقافي، وفي اختياراته وميولاته السّينمائيّة، كان يميل كثيرا إلى أمريكا ويعتبرها محضنه المرجعي.
 سنة 1980، أنجز "فاندارس" فيلما وثائقيّا طريفا ومؤثّرا بعنوان (Nick’s Film) وهو تجربة سينمائيّة فريدة من نوعها يصوّر من خلالها آخر أيّام المخرج الأمريكي "نيكولا راي" (Nicholas Ray) الذي كان يحتضر بسبب مرض السّرطان الذي أصابه. بالنّسبة إلى "فاندارس"، "نيكولا راي"، صاحب دُرَرٍ سينمائيّة مثل (Johnny Guitare) و"متمرّد دون سبب" (Rebel without a cause)، هو أُستاذه بامتياز. فيلم Nick’s  Film عبارة عن تماهٍ رائقٍ بين المعلّم الذي يستعدّ إلى الرّحيل وبين التّلميذ الذي يفكّر في حتميّة الموت. يُذكّرنا هذا العمل المُتميّز بفيلمٍ وثائقيّ مهمٍّ ويتيم في المدوّنة السّينمائيّة العربيّة ككلّ، بعنوان (There are so many things still to say) أنجزه سنة 1997 المخرج السّوري "عمر أميرلاي" عن المسرحيّ السّوري الشّهير "سعد الله ونّوس" المعروف بنصرته لقضيّة الشّعب الفلسطيني، والذي توفّي بسبب السّرطان الذي كان يَنْخُرُ جسده.
 يعتبر "فاندارس" أنّ الفنّ السّينمائي له علاقة وطيدة بالصّدفة، شريطة أن نعرف كيف نستغلّ هذه الصّدفة وأن نحوّلها إلى مصدر إلهام. في بداية الثّمانينات، كان ينوي إنجاز فيلم وثائقيّ عن أكبر مخرج ياباني وهو "أوزو" (Ozu). وهو بصدد إعداد هذا الفيلم وتصويره، اعترض طريقه مخرجان اثنان وهما المخرج الوثائقي الفرنسي الشّهير "كريس ماركر" (Chris Marker) والمخرج الألماني "فيرنير هارزوق" (Wener Herzog) الذي اشتُهر عالميّا بفضل فيلم مأثور عنوانه "أغير، غضب الآلهة" (Aguirre, la colère de Dieux). عوضَ أن يستمرّ في تصوير فيلمه عن المخرج الياباني وعن السرّ الكامن في أفلامه، غيّر "فاندارس" وجهة هذا العمل، إذ راق له أن يصوّر "ماركر" و"هارزوق" بوصفهما رافدين مهمّين، في نظره، للذّاكرة السّينمائيّة التي كان يبحث عن خيوطها من سفر إلى آخر. وُسِمَ هذا الفيلم بعنوان (Tokyo Ga) وانتهى "فاندارس" من تصويره سنة 1985. ما يُثير الانتباه في هذا الفيلم هو تلمّس المخرج لطريقه مثل الأعمى الذي يُحاول إيجاد منفذ له دون نتيجة رغم دُربته الكبيرة. جعل "فاندارس" من التّيه المُلهم ومن السّؤال المحيّر ومن الافتتان بعباقرة الفنّ السّينمائي مدار فيلمه « Tokyo Ga » .


Nick’s Film

أتى إلى اليايان باحثا عن خيط رفيع يتعلّق بمدوّنة المخرج السّينمائي الياباني "أوزو" وبالسّحر المضيء الذي يشعّ من كلّ أفلامه، لكنّه استسلم خلال هذا البحث إلى نزوات الصّدف التي وضعته وجها لوجه أمام مخرجين اثنين كان يحبّهما ويعتبرهما من الفنّانين النّادرين الذين غيّروا نظرتنا للعالم وللشّعر وللفنّ إجمالا.
في هذا الفيلم الوثائقيّ، نرى "ماركار" مثل الظلّ المختفي والمتستّر وهو شيء ليس بالغريب خاصّة أنّنا نعرف حرص المخرج الفرنسي، صاحب رائعة "رصيف الميناء" (La Jetée) على عدم الظّهور وتجنّب ربط أيّة علاقة مع وسائل الإعلام. أمّا بالنّسبة إلى "هارزوق" المعروف بشغفه بتصوير قارّات مجهولة ومطموسة، فإنّنا نراه حائرا، ضجرًا وكأنّه يومئ لنا أنّه لم يعد هنالك حاليًّا مناطق عذراء عصيّة عن كلّ حضارة وكلّ تكنولوجيا يمكن أن يصوّر فيها أفلامه.

فيرنير هارزوق                                                    كريس ماركر 

طوّر "فيم فاندارس" السّينما الوثائقيّة كثيرا رغم قلّة أعماله في هذا المجال، لكنّ كلّ فيلم وثائقيّ صوّره كان بمثابة الحدث الطّلائعي لأنّه جعل من السّفر، عبر التّصوير الوثائقيّ، ركيزة أساسيّة في مساءلته لكبار المخرجين الذين أحبّهم والذين التقى بهم صدفة. كان يؤمن بجينيالوجيّة الفنون والفنّانين وبدور السّينما الوثائقيّة الفعّال في التّعريف بالذّاكرة السّينمائيّة وبأهمّ رموزها.

قد ينال إعجابكم