متابعات

مهرجان أبو ظبي: أفلام الطلبة.. يوجد في النهر

قضت الوثائقية أمسية طويلة البارحة مع العروض الخاصة بمسابقة الإمارات والتي خصص يوم أمس منها لعروض البرنامج الرابع حيث خصص هذا اليوم لطلبة السينما سواء بالجامعات أو المعاهد أو الدراسات العليا في مجال السينما.
وقد شهدت الوثائقية تسعة عروض في أمسية الأمس التي كانت مبشرة في أفلامها وكثير أولئك الذين قرروا اختيار هذه الأمسية وفضلوها على الأفلام العديدة المحترفة التي كانت تعرض في قاعات المهرجان المختلفة.
إجمالا يمكن القول إن الأفلام المعروضة ذات مستوى جيد في أفكارها وبعضها وصل إلى درجة معقولة جدا من التنفيذ بالنسبة لمستوى الطلبة، فنحن هنا في حضرة أفلام أصحابها في اغلبهم يخطون للمرة الأولى في هذا العالم، ولكن ينبغي القول إن الأفكار التي شاهدناها تنم عن أمل في المستقبل ، بالطبع لن يصبح لدينا تسعة مخرجين في القادم من الأيام ولكن هناك بالتأكيد أمل في أن يتطور بعض من شاركوا في الأمسية سينمائيا في المستقبل وربما نكسب مخرج أو اثنين أو ثلاثة من أبناء المنطقة الذين هم اقدر من غيرهم على تحسس همومها وانشغالاتها وأبعادها المختلفة، وينبغي هنا تسجيل التقدير لإدارة مهرجان أبو ظبي لرعايتها هذه المواهب ودعمها وتشجيعها، ففي النهاية هؤلاء هم القسيمة الحقيقية والرهان الجيد الذي ينبغي للمهرجان أن يكسبه.

العروض..

شارك القطري مهدي على العلي وهو طالب دراسات عليا في السينما بباريس وسبق له أن تعاون مع الوثائقية بفيلم تحت عنوان( احبك يا شانزيليزيه) الذي يدور حول طالبة جامعية من الخليج تدرس بباريس حيث الحياة مفتوحة على آفاق عدة، وتعاني في الأثناء بين الخضوع لرغبة العائلة في الزواج التقليدي من قريب لها وبين الرغبة في حياة جديدة جديدة اكتشفتها.


 احبك يا شانزيليزيه

الفيلم في نهايته ينحاز للحياة التقليدية للفتاة كما فهمنا، ولكنها أيضا على شيء من التصالح مع خيارها الذي حاولته، حيث تبدو وكأنها أمسكت العصا من نصفها.
وشاركت كلا من حفصة المطوع وشما أبو نواز بعمل مشترك بعنوان (اششش) يدور حول اربعة صديقات خليجيات تتابعهن الكاميرا منذ طفولتهن إلى مرحلة الشباب والمراهقة ثم الارتباط الاجتماعي، ويلتقط الفيلم في جرأة معقولة بعض من الحياة التي تمر بها الفتاة الخليجية ونتابع بعض الوقائع الاجتماعية المسكوت عنها كما في العلاقات العاطفية وعلاقات الجنس الواحد كما نرى علاقات الفتيات ليس فقط بالخارج ولكن أيضا مع بعضهن البعض وتفاعلات هذه العلاقة، الفيلم به نوع من الجرأة الواضحة، وكذلك كشف عن مواهب في التمثيل تميزت بالحضور والشجاعة حيث أن الفيلم يمس بعض المناطق الحرجة اجتماعيا، ولكنه يعاني من بعض التداخل في مشاهده وأيضا التطويل بحيث تحس في بعض الأحيان أن الإيقاع في حده الأدنى قد فلت من الزمام.
شاهدنا أيضا فيلما قصيرا وجميلا يعالج فكرة مهمة، فيلم (الو) الذي يبدأ بمكالمة من صديق ثم مكالمة من نفس الشخص ونفس الرقم لنفس الشخص، حيث يكلم الشخص ذاته عبر التليفون، ويخبر الشخص الذي يتحدث ويخبر المستمع انه هو هو، أو أنا أنت، بأنه سوف يموت هذا اليوم، والطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها أن ينجو هي أن يصدق بأن المتصل هو ذاته المستمع، ولكنه يتردد في التصديق ويشجعه صديقه الذي يخبره بأمر المكالمة على عدم التصديق، ولذا فهو يتعرض لحادث قاتل عندما يكون منشغلا بالرد على مكالمة من الصوت الذي قال له انه هو، (أنا أنت).. وفي اللقطة التالية نرى نفس المكالمة قد جاءت لصديقه، حيث ينتهي الفيلم الذي كان من إخراج ياسر خياط من الإمارات.
ومن السعودية جاء فيصل الحربي الطالب بقسم الإعلام في جامعة جدة بفيلم (أصيل) وتدور فكرته حول حياة أب متقاعد ومتفرغ لخدمة ابنه الكفيف الذي يعمل بدوره طباعا بأحد الوزارات، وعندما يموت الأب يواجه الابن تحدي الحياة وحيدا والاستمرار في يومه بشكل عادي.
الفيلم – 15 دقيقة- حس كوميدي معقول غطى على ثقل الفكرة، ويحسب لممثلين معروفين مثل فؤاد بخش وإبراهيم الحربي المشاركة في تمثيله دعما للمخرج، وكان بالإمكان ان يكتسب الفيلم بعدا جماليا ووجوديا مختلفا تماما لو أن الشاب الكفيف رفض أن يعترف بموت والده وظل يتعامل معه كأنه حي كدلالة على رفض تجاوز بعض الموروث، لكن المخرج فضل أن ينقل لنا فكرة مهمة مفادها أن الأصالة تنتقل من جيل لجيل رغم الموت.
من قطر أيضا شاركت أسماء ونورا سيف الخروصي بفيلم من ثمانية دقائق باسم (أنفلونزا الصراصير) اعتمد على الكوميديا الخفيفة من اجل رصد الطريقة التي تنتقل بها الإشاعة داخل المجتمع، حيث ترد رسالة تلفونية فحواها أن هناك أنفلونزا جديدة اسمها الصراصير وتنتقل هذه الرسالة مشوشة ومرهبة الناس قبل أن تتحول إلى إشاعة جديدة بأنفلونزا جيدة هي أنفلونزا البشر.


من فيلم أنفلومزا الصراصير

(سندريلا الجديدة)  فيلم لايفا داوود ويتحدث عن رجل أعمال يمر بحالة ملل يحاول أن يبدده بالاتصال عشوائي برقم هاتفي ليعتقد انه وجد سندريلا أحلامه حيث تدور بينه وبين امرأة على الخط الثاني عدة مكالمات وينطلق خياله في تصور هذه المرأة كما يريد قبل أن يصطدم بالواقع.. الفيلم قراءة عصرية في أسطورة سندريلا ونجحت المخرجة إلى حد كبير في تقديم فكرة جيدة.


سندريلا الجديدة

شاهدنا أيضا فيلما يلفت النظر وإن كان غير ناضج بعد فنيا، يدور حول رجل غامض يعيش أجواء قريبة من أجواء فيلم عطر المعروق، حيث انه قادر على جذب أي شخص إليه والتحكم به، ويدفع جراء هذه القوة ثمنا كبيرا حيث يعيش في علاقات قصيرة مؤقتة محروما من الاستقرار والمشاعر الحقيقية الدائمة، الفيلم اسمه (ذعر الانفجار) وهو للاسباني الذي يدرس  في أبو ظبي اليخاندرو مونتيرو.
راشد المري من الإمارات قدم فكرة بعنوان (انخفاض) تدور في مدينة غامضة غير واضحة الملامح ، تخضع لنوع من التحيز العنصري بين سكانها، ويحاول الفيلم إيصال فكرة أن المجتمع هو من يجعل الإنسان متطرفا، كما حصل مع بطل العمل الذي حولته ظروفه المعيشية وطرده من العمل وتحقيره اجتماعيا لشخص يطرق مسار العنف.
أخيرا أمتعنا فعلا فيلم (اليأس الهادئ) الذي خلا تماما من الحوار وان احتوى على صورة جميلة معبرة ، ويحكى قصة صداقة وفقدان بين شخصيتين نسائتين، استخدم المخرج فيها الألوان والأبيض والأسود والفلاش باك، كل ذلك بنوع من الحرفية المعقولة جدا، وكان الفيلم مبهجا رغم الحزن الذي غلف بعض لقطاته، والفيلم من إخراج اكبر فاروقي وهو باكستاني ويدرس حاليا في أكاديمية نيويورك في أبو ظبي.
الجميل في هذه المسابقة أنها تحتوى أفلاما هاوية متنوعة ولازالت في مرحلة التشكل وعدم الالتزام بمدرسة سينمائية معينة أي أنها مرحلة للتجريب. الميزة الثانية أنها لا تفرق بين الجنسيات ولا المناهج المطروقة فنيا وتعطي الفرصة للعيد من المواهب لعل وعسى نستطيع في المستقبل الحصول على مخرجين قادرين على الانطلاق من هذه المنطقة لرصد الحياة فيها سينمائيا.

قد ينال إعجابكم