متابعات

قراءة نقدية للسينما التونسية على هامش مهرجان قرطاج

السينما التونسيّة من الطلائعيّة والابتكار إلى النمطية والتكلّف

أحمد القاسمي *
                             
لطالما كانت السينما التونسية سينما طلائعيّة سباقة إلى طرح الأسئلة المحرجة أو المصيريّة تقطع مع السينما الاستهلاكيّة لترتقي بالوعي الجماعي فتدير إليها الرقاب وتحوز احترام النقاد من خلال مدونة تضم أفلاما علامات كـــ"طوق الحمامة المفقود" للناصر خمير و "خليفة الأقرع" لحمودة بن حليمة و"صفايح ذهب" للنوري بوزيد و"صمت القصور" لمفيدة التلاتلي. ولكن مجد هذه السينما أخذ في التقهقر والتراجع على أيامنا حتى غدت تعيش أزمتها المزدوجة سواء على مستوى طبيعة القضايا وعمقها أو على مستوى أساليب الطرح والتناول وذلك لعوامل عديدة نحاول أن نقف عند بعضها في مقالتنا هذه.

 سينما المؤلف: سينما نمطيّة!!...

كثيرا ما مثّلت سينما المؤلف، تلك السينما الذاتيّة التي تعكس رؤية صاحبها للوجود، خلفيّة جماليّة وفكريّة ملهمة للمخرجين التونسيين فمن خلالها أمكن للنوري بوزيد وفريد بوغدير ومفيدة التلاتلي التعبير عن هوياتهم الفكريّة وآمالهم وآلامهم ضمن أعمال تهدف إلى طرح فكري عميق فتخرج عن الأنماط السائدة وتعمل على ابتكار وسائلها التعبيريّة المميّزة. لكن هذه السينما انحرفت على أيامنا عن المرجعيات الفكرية والجماليّة التي تحرّك سينما المؤلف فاختزلت بلاغتها في رصد الفيلم لعوالم المخرج الباطنيّة ولأحلامه وهلوساته بدل بحثها عن الأساليب المبتكرة لطرح قضايا الإنسان في مواجهة عوامل استلابه وتهميشه. وحوّلت الابتكار إلى استنساخ لتجارب بعينها تمعن في التركيز على حياة المهمشين ومشاغلهم من علاقة بالجسد وحالات انهيارهم النفسي... إلى درجة التغاضي عن كل هموم جماعيّة. فتيمة العزلة التي تعانيها المرأة في هذه السينما، على سبيل المثال، تكاد تتحول إلى معنى سينمائي لا فضل للمخرجين في غير تجويده (قياسا على المعنى الشعري) نجدها تباعا في فيلمي "صمت القصور" و"موسم الرجال" لمفيدة التلاتلي ثم تعيد رجاء العماري بعثها من جديد في فيلمها "الدواحة". فكانت هذه التيمة تفقد بريقها كلما تم استنساخها من جديد وتسقط شيئا فشيئا في الابتذال والتصنّع. فمأتى الكثافة الدرامية في فيلم "صمت القصور" يعود إلى طبيعة الفضاء الذي ينهض على طرفين متناظرين هما الأعلى حيث القصر، فضاء السادة، فيجلي بحدائقه وسواقيه ونافوراته نعومة العيش ولذة الوجود والأسفل حيث الدهاليز ذلك الفضاء المكتظ بالأجساد الأنثوية ينهكها العمل المضني فتهب حياتها وكل ما امتلكت من طاقات لأسيادها قهرا واغتصابا.
 ولكن مفيدة التلاتلي عجزت عن التجدد في ثاني أفلامها "موسم الرجال" فلم تخرج عن تيمة السجن فجعلت فضاء أحداثها سلسلة من الحلقات التي تضيق على الأجساد النسويّة شيئا فشيئا من جزيرة جربة إلى المنزل المعزول إلى الغرف المغلقة التي تشكل بؤرة طوق يضربه الزوج المهاجر على المرأة فيحاصر وجودها ويصادر حقها في الرغبة أولا ويجعل وجودها حكرا على تلبية رغباته هو لما يعود صيفا من هجرته، مما أفقد الفيلم طرافته وحد من قدر الابتكار فيه. حتى كان فيلم "الدواحة" لرجاء العماري ومدار الحكاية فيه على  ثلاث نساء يعشن في دهليز مهجور بعيدا عن العمران في عزلة تكاد تكون مطلقة عن العالم الخارجي لأسباب قد لا تعلمها المخرجة نفسها. ولئن رضيت (راضية) بقدرها وخضعت لمشيئة أمها فإن الحفيدة عائشة (ابنة راضية) تظل في عامة الفيلم تتوق إلى "العيش" والتحرر من هذا الدهليز وإلى إطلاق العنان لجسدها ولأنوثتها المعطبة بفعل التقاليد  ولا يتسنى لها ذلك إلا بقتل الجدّة والأم معا والانطلاق في خيلاء نحو المدينة... على هذا النحو  جرّدت تيمة السجن هذه السينما مما يميّز سينما المؤلف من ابتكار وتجديد وأسقطتها في نمطية تجتر أكثر ممّا تبدع. وعلى النحو نفسه يتم استنساخ فضاء المدينة العتيقة والحمام في طائفة أخرى من الأفلام.
 
تهميش الحكاية:
ممّا يميّز هذه السينما، وسينما المؤلف عامة، مغالاتها في تهميش الحكاية بحجة أولويّة الإدراك البصري في الخطاب السينمائي وبحجة مقاومة سينما الاستهلاك التي تشغل المتفرّج بإيهام التشويق عن الانصراف إلى ما في الفيلم من طرح فكري فتُهمش الحبكة الدراميّة بالنتيجة وتقاوم كل انتظام للأحداث وتدرّج حسب منطق خطيّ وتحاول إنتاج المعنى بعيدا عن الاستثارة الشعوريّة والاندماج العاطفيّ للمتفرّج. وينخرط هذا الاختيار الجماليّ ضمن تصوّر يقرن الفنّ بالنضال الذي يعمل على تعميق الوعي الجماعي بالمصير التاريخي ويقاوم التصورات التي تجعله سلعة تدرّ الأموال على المستثمرين وتلهي عامة الشعب بالأوهام الكاذبة. وعلى وجاهته النظريّة، أفضى المنحى الجمالي في ممارسات السينمائيين التونسيين إلى أعمال مصطنعة مفتقدة للمصداقيّة الفنيّة تعول على التعقيد الشديد وعلى إبهام يقاوم كل محاولات فكّ التشفير لتحجب ما في تصورات أصحابها من قصور فكري وابتذال فنيّ "فتستبله" المتفرّج بدل تحفيزه على التفكير الحرّ وما "دواحة" رجاء العماري غير عينة من هذا الاصطناع.


الدواحة: عزلة المرأة في الدهاليز أم عزلة المبدع عن قضايا مجتمعه.

 
أفق التقبل يقصي المتفرّج التونسي والعربي.

لقد أفضى الانحراف وهذه المعاداة للنصّ إلى سينما التهريج الشكلاني المسطحة للحداثة السينمائيّة وما تتضمن من الخلفيات الفكريّة. فتغاضى المخرجون شيئا فشيئا عن مشاغل العالم الخارجي واختزلوا التعبير السينمائي في إدراك العالم الباطني للشخصيّة في كثير من الإرباك وافتقدت هذه السينما إلى المصداقيّة الفنيّة بانصرافها المطلق عن تطلعات المتفرّج وهمومه ووضعت مصداقيتها الأخلاقية موضع سؤال باعتبار أن السينمائي التونسي أضحى متهما بالاستجابة إلى تطلعات المموّل الغربي أو لجان التحكيم في مهرجاناته أكثر من اهتمامه بالمتفرّج التونسي، دافع الضرائب وصاحب المال العام الذي تنفقه وزارة الثقافة على دعم هذه الأفلام.
لقد أضحت هذه السينما تعمل على الاستجابة، للأسباب التمويليّة، إلى أفق التقبل الغربي الذي يختزل توقعاته من الفيلم العربي في صور فلكلوريّة عن مجتمعات متخلّفة تعاني فيها المرأة صنوفا مختلفة من الاضطهاد ويحرم فيها المختلفون (الشواذ جنسيّا أساسا) من حقّهم في الاختلاف مع ما تحدّده منظومة القيم الرسميّة. وأهملت من ثمّة أفق تقبّل المتفرّج التونسي فإذا الفيلم يدّعي عليه ويشوّه صورته أكثر مما يعبّر عن قضاياه وتطلعاته وإذا به يضاعف من عزلته، عن متفرّجيه ومن غربته واستلابه.


جانب من جمهور هذه الدورة

النقد السينمائي بين التعطيل والغياب.
لابد من كل خطاب إبداعي من خطاب نقدي مواز لا يختزل دوره في الأحكام المعياريّة التي تصنّف الآثار إلى مُجيدة أو رديئة وإنما يشمل خاصّة تبيّن سماتها الجماليّة ومقومات إنشائيتها ورصد مسالك المعنى فيها وما تتضمنه من الخلفيات الفكريّة. على أن هذه المصادرة لا تنطبق على واقع السينما التونسيّة. فالنقد السينمائيّ فيها معطّل أو يكاد لغياب المنابر الإعلاميّة المختصّة القادرة على استقطاب الكتابات الجادة . وإن وجد هذا النقد كان متملقا يتواطأ مع صناع هذه السينما وينصرف إلى مدحها أو يتواطأ عليها فيدينها لأسباب ذاتية ضيقة أو إيديولوجيّة لا صلة لها بالجانب الفنيّ من الأثر. وكثيرا ما بدا عاجزا عن تبيّن إنشائيّة الفيلم وآليات إنتاجه للمعنى وذلك لأسباب عديدة منها عدم اختصاص الأقلام التي تمتهن النقد وقلة الدراية الكافية بالأسس الجماليّة للفن السينمائي فتغلب على أحكامها الانطباعية التي تجانب العمق من الفيلم. ولعلّ القبول الحسن الذي حظي به فيلما "الدواحة" لرجاء العماري و"النخيل الجريح" لعبد اللطيف بن عمار خير دليل على ذلك فالفيلم الأول يصطنع حكايته اصطناعا كما كنّا قد أشرنا، فيرسم ، بحجة المرجعيّة الذاتية للعمل الإبداعي، صورة لاضطهاد المرأة التونسيّة لا توجد في غيّر مخيّلة صاحبته.
 وأما الفيلم الثاني فيجعل من العودة إلى معركة الجلاء ببنزرت سنة (يوليو/ تموز 1961) مادته الفيلميّة مما مثل مثارا لترحيب الساحة النقديّة لما لمسته فيه من عمق في التناول فأشار إلى ما في التاريخ الرسمي من تزوير حوّل تواطؤ الهاشمي عباس، أحد المنسوبين إلى النضال، وخياناته إلى بطولات وشوّه بالمقابل نضال المخلصين للوطن من أمثال والد شامة. ولكن الأقلام الناقدة المرحبة بالفيلم اشتركت جميعا في غفلتها عن مصادرة عبد اللطيف بن عمار الأثيرة للغرب، الخطيرة على فكرة التحرر. فـــ"النخيل الجريح" هجائيّة تدين الحرب مطلقا وتجعلها سببا لكل دمار وشقاء دون أن تستثني المقاومة وحروب التحرير، وتمجّد السلام دون أن تميّزه عن الاستلام الذي يعمل على تأبيد مظاهر هيمنة المعتدي وخضوع الضحيّة. فتروّج بذلك لشريعة الغرب المهيمن الذي يعمل على تأبيد هيمنته بترويجه للشعارات المنادية بالسلام متى خدم مصالحه ويثير الحروب هنا أو هناك كلّما رأى في السلام عدوا لمصالحه. ثم إن الفيلم يشير إلى ما في التاريخ الرسمي من تزوير والحال أنه يسكت عما يتهم به التأريخ لمعركة الجلاء ببنزرت من تزوير ذلك أنّ كثير من الساسة والمؤرخين يذهبون إلى أنّ بورقيبة خاض هذه الحرب ودفع فيها بالمواطنين العزّل لغايات تعبويّة سياسية فداخليّا كان المطلب الشعبي ينادي باستكمال السيادة على كل التراب الوطني فيحرج بورقيبة ويدعم موقف صالح بن يوسف (خصمه الذي سيغتاله بعد أسابيع قليلة من هذه المعركة) المنادي بالاستقلال التام أما خارجيا فكان عبد الناصر وابن بلة،  يجدان في قبول الرئيس التونسي بالاستقلال الداخلي خيانة لفكرة الاستقلال المغاربي الشامل. وتتهم هذه المواقف بورقيبة بالتضحية بالمئات من الوطنيين المتحمسين للكفاح الوطني وإرسالهم إلى الموت عزّلا لتلميع صورته والتمهيد لاغتيال خصمه. ولكن الفيلم الذي وصف بالجرأة والدعوة إلى إعادة قراءة التاريخ يصمت صمتا تاما عن هذا الجدل فيبادله النقاد صمتا بصمت ويقدّمون الدليل عن قصور نقدهم للهنات التي ذكرنا..


عبد اللطيف بن عمار

لا مناص من الاعتراف بأن السينما التونسيّة اليوم سينما مأزومة تقصر همها في مشاغل جانبيّة فتسطح الوعي بدل النهوض به ممّا يستدعي في تقديرنا وقفة تأمل مخلصة من جميع الأطراف الفاعلة في قطاع ما ينفكّ ينحرف عن مساره ويتقهقر إلى القاع.  

*كاتب وباحث تونسي في سيميائيات الأدب والسينما.

   

قد ينال إعجابكم