برامج اليوم
00:00 الطلبة و السياسة
01:00 آفاق كونية
01:30 آفاق كونية
02:00 حواديت القصر
03:00 بلا حدود
04:00 آفاق كونية
يعرض الآن على شاشة الجزيرة الوثائقية 04:30 آفاق كونية
05:00 الأطوم .. حورية البحر الأسطورية
06:00 إرث بيكيلا
07:00 زيارة الى فلسطين
اقرأ المزيد في (متابعات)
متابعات
أرسل الى صديق طباعة Share article
ابتسام مراعنة: «الفردوس المفقود».. والخوف الموجود
آخر تحديث : الثلاثاء 05 أكتوبر 2010   10:31 مكة المكرمة

بشار إبراهيم

كأنما المخرجة "ابتسام مراعنة" تشبه قريتها "الفريديس"!.. أو لعلهما، هي وقريتها، وجهان لحكاية واحدة!.. فالالتباس ذاته، يكاد يلفّهما، حتى ليبدو كأن لا انفكاك بينهما، على الرغم مما ستبديه المخرجة من نفور بائن، ومن أسئلة لائبة، لا تتوانى عن طرحها على أفراد أسرتها، وعموم أهلها، وعلى قريتها، وعلى نفسها، قبل ذلك كله!..
تبدو المخرجة "ابتسام مراعنة"، صاحبة تجربة نافرة في سياق السينما الفلسطينية، إذ أنها واحدة من قلائل السينمائيين الفلسطينيين، الذين يعملون في سياق السينما الإسرائيلية (فضلاً عن العمل في القنوات الفضائية الإسرائيلية)، تماماً إلى الدرجة التي يصعب اعتبار أفلامها فلسطينية، بقدر ما هي أفلام إسرائيلية، خاصة ونحن نرى "تيترات" أفلامها مشبعة بجهات إنتاجية إسرائيلية؛ حكومية وغير حكومية، فضلاً عن الحشد الكامل من العاملين الإسرائيليين في أفلامها؛ منتجين وفنيين وتقنيين!..
للوهلة الأولى، سيبدو أن المخرجة "ابتسام مراعنة" ما هي إلا نموذج لتماهي الفلسطيني وتصالحه مع الإسرائيلي، ومحاولته في الاندماج به، والتعاطي معه!.. يدعم هذا الوهم، أو الاعتقاد، أن أفلامها (الفردوس المفقود 2003، الجسر 2005، بدل 2005، طالق بالثلاث 2007) جاءت بإنتاج وتمويل إسرائيلي، حكومي وغير حكومي، وأنها شاركت في العديد من مهرجانات السينما الإسرائيلية، وحازت على بعض الجوائز من هذه المهرجانات.
لا نريد أن نكون تطهّريين!.. ويمكننا القول إنه ربما أمكن لنا التخمين بأن هذه الفتاة الشابة، والمخرجة الصاعدة، رأت في لحظة ما، أن بإمكانها العيش والعمل في "تل أبيب"، وأن تصنع أفلامها، وتشارك بها باسم «دولة إسرائيل».. وكان لها هذا حقاً!.. فهل كان من الممكن لها أن تتأسرل، وأن تصبح عنصراً طبيعياً في إطار "الدولة والمجتمع"؟..
لسنا بحاجة للذهاب نحو التنظير، ولا الذهاب باتجاه الحديث عن طبيعة إسرائيل، وذهنيتها الطاردة لكل من هو غير يهودي، ولا عن ممارساتها العنصرية، في هذا الإطار!.. بل يمكن لمن يريد، الاكتفاء بقراءة شهادة المخرجة ذاتها، عندما كتبت شيئاً مما لاقته المخرة "ابتسام مراعنة" من ممارسة مذلة، مهينة، لها شخصياً، ولكينونتها، وانتمائها، لتتأكد، هي قبل غيرها، أن إسرائيل طاردة لكل ما هو غير يهودي، نابذة له، محتقرته، ولا يمكنها القبول بأسرلة الفلسطينيين، أو العرب. (انظر شهادتها على موقع المؤسسة العربية لحقوق الإنسان/ مؤسسة في خدمة الأقلية الفلسطينية في إسرائيل).
وهْمُ أسرلة المخرجة "ابتسام مراعنة"، لا يقل كثيراً عن وهْمُ أسرلة قرية "الفريديس"؛ قريتها ذاتها!.. إذ أن ثمة أسطورة شفاهية تتحدث عن سبب بقاء سكان هذه القرية في بيوتهم، بعد نكبة عام 1948، فيما تم طرد السكان الفلسطينيين العرب من القرى المجاورة!..
الأسطورة المتناقلة شفاهاً، والتي ثمة من يقول إنها موجودة في أرشيفات الانتداب البريطاني، تفيد بأن المستوطنين الصهاينة في مستوطنة «زخرون يعقوب»، المجاورة لقرية "الفريديس"، طلبوا من قوات الانتداب البريطاني، والعصابات الصهيونية، الإبقاء على وجود سكان قرية "الفريديس"، بغرض تشغليهم في المزارع التي استولوا عليها!..
ومع أن المخرجة ستورد هذه الأسطورة الشفاهية، على لسان إحدى شخصياتها في فيلمها «الفردوس المفقود»، إلا أن ثمة من الباحثين، أو المؤرخين، وكذلك الشهود العيان، من الفلسطينيين، من أبناء القرية ذاتها، أو القرى المجاورة، يدحضون هذه الرواية، ويؤكدون أن جمعاً من شباب قرية "الفريديس" ورجالاتها، شاركوا في المواجهات التي حصلت في قرية "عين غزال" المجاورة، وكان منهم شهداء!.. وأن السبب في عدم حدوث مواجهات في قرية "الفريديس"، إنما بسبب طبيعة القرية المكشوفة، واعتبارها "ساقطة عسكرياً"!.. على ما قرأنا في أكثر من مكان!..
ستتحدث المخرجة في فيلم «بدل» عن الندبة الموجودة على يدها.. وسننتبه إلى أن المخرجة وقريتها، تحمل كل منهما ندبتها الخاصة؛ ندبة المخرجة على يدها، وندبة القرية في ذاكرتها. وفي وقت تعترف المخرجة بالندبة على يدها، فإن القرية ستأنف عن الاعتراف!..
والمخرجة "ابتسام مراعنة" لن تتسامح مع قريتها، ولن ترأف بها، بل ستبدو أشد قسوة وهي تتعامل مع ذاتها، مع ذاكرتها، مع والدها، مع أسرتها، ومع القرية ذاتها، التي أدارت الظهر بقسوة، ذات مرة فاجعة، لفتاة (سعاد غنيم)، رجّت أركان سكينة القرية، ورفعت الصوت عالياً، أكثر مما رفعت العلم الفلسطيني، الذي أودى بها إلى السجن، غير مرة، فكان ذاك سبباً لنفور القرية من أهل الفتاة، ونفور أهل الفتاة منها، فما وجدت الفتاة سبيلاً إلا الرحيل، لتتحول في بريطانيا إلى (مسز جون).
كان ذاك في العام 2003، عندما حققت فيلمها «الفردوس المفقود»، وهو فيلم وثائقي طويل (مدته 56 دقيقة)، وهو الفيلم الذي سينفتح بداية على ما يبدو أنه لهو فتاة شابة بكاميرا، سعيدة بتصوير والدها، وأفراد أسرتها، وأبناء قريتها.. ولكنها عمّا قليل ستواجه بصدود واضح، إذ تقارب موضوعات حذرة، بذريعة "خوف السياسة".
بحزم واصرار بائسين يلحّ والدها أن لا تقترب من السياسة، وأن لا تسأل عما يمكن له أن يستثير أجهزة الأمن الإسرائيلي، أو يلفت الانتباه إليها!.. إنه يريد من ابنته أن تبقى بعيداً عن كل ما يمكن أن يقلقه. ذاك الذي يعني أن لا تقارب ذاكرة القرية، فلا تسأل عما حصل عام 1948، وأن لا تقترب من حكاية الفتاة الطريدة "سعاد غنيم"، التي اقترفت "ذنباً" أودى بها إلى السجون الإسرائيلية، بذريعة إخلال الأمن، ولم يكن ما فعلته، في الواقع، سوى أنها رفعت العلم الفلسطيني!..
يبدو الوالد؛ والد المخرجة، كامل الاستسلام لواقعه، بخيبة موجعة، تماماً كما الأم، بل لعل جيلهما كله سيبدو على هذا النحو المريع من الاستكانة إلى درجة الهوان!.. فالرجال في القرية عاطلون عن العمل، وحتى عن التفكير، ربما خوف يقظة الذاكرة، فيما النساء يذهبن، صباح كل يوم، كي يعملن خادمات في بيوت اليهود في "زخرون يعقوب"!.. فهل ثمة ما هو أبأس من هذا؟!.. وهل ثمة اعتراف أقسى من هذا؟!.. والفتاة التي تجول بكاميرتها في القرية، تتكشف لها الحكايات التي تكاد تمحو عن هذا المكان صورة «الفردوس»؛ قريتها التي عشقت.
الفضول سيدفع بها للمضي إلى لندن، للقاء الفتاة الطريدة، لتكتشف أنها أكملت تعليمها الجامعي (صارت د. سعاد غنيم)، وأن لديها صبياً في مقتبل العمر، وأنها تعيش ما يمكن أن يكون حياة رغيدة، لولا أن جرحها الداخلي لم يشف بعد، وما زال يؤرقها، ريثما تأتي المخرجة "ابتسام مراعنة"، في زيارة طارئة، مرتبة على رتابة الأيام، وتكشط عنه قشرته الرقيقة، ليعود حاراً نازفاً، فتنهمر دمعاتها.

المخرجة ابتسام مراعنة


ستبدو "د. سعاد غنيم" مفتاح الفيلم الوثائقي للدخول في أسئلة مقلقة حول موضوعات الهوية، والانتماء، والمستقبل، والمصير.. وبمقدار ما تظهر لنا هذه الأسئلة، باعتبارها أسئلة الفيلم، وشخصياته، فإنها تبدو لنا أكثر التصاقاً بالمخرجة ذاتها، التي نكتشف أن هذه الأسئلة تقلقها وتحار في الوقوع على إجابات لها، تماماً كما ظهر في ذاك المشهد، غير العابر، إذ نراها تسأل والدها عما حدث عام 1948، وما الذي جرى تحديداً في قرية "الطنطورة" المجاورة، فما يكون من الوالد سوى النفي، والقول إنه يسمع عن المجرزة، ولكنه لا يعرف!.. على الرغم من أن ثمة من قال للمخرجة إن والدها كان ضمن الفتيان الذين أُجبروا على حفر القبور الجماعية لضحايا مجزرة "الطنطورة".. ها.. إذاً الوالد يكذب.. لا ضير في ذلك!..
يثبت فيلم «الفردوس المفقود»، أن كل محاولات دفع المخرجة ابتسام مراعنة للنكوص على عقبيها، وعدم الاقتراب من "الوضع السياسي"، إنما دفعها للغوص أكثر في أسئلة الهوية، والبقاء، والمستقبل، وقد اكتشفت فكرة بديعة مفادها: «أن نتحدث هنا عن التاريخ، هذه سياسة.. أن نتحدث عن الحاضر، هذه سياسة.. أن نتحدث عن المستقبل، هذه سياسة.. حتى أن نحلم، تعتبر هذه سياسة»!.. فأرادت عبور السياسة للحديث في الهوية، وسؤالها الذي يشمل مليوناً وربع المليون من العرب الفلسطينيين الباقين على أراضيهم، المحتلة عام 1948، على الأقل، والذي تظهر تعبيراته في العديد من الأفلام الإسرائيلية، التي يؤرقها سؤال المستقبل، ولا تكتفي بهذيانات مقولات «يهودية الدولة»، التي ما ينفك يرددها زعماء الغطرسة الصهيونية، والحكومة الإسرائيلية.
يبقى من الجدير ذكره، أن هذا الفيلم جاء بإنتاج "دوكي درور"، هذا الاسم الذي يذكرنا بفيلم وثائقي إسرائيلي، بعنوان «الحمامة المحتدة»، عام 2002، ذاك الفيلم الإسرائيلي الذي يطرح بقوة أسئلة الهوية في السينما الإسرائيلية، من خلال شخصية الملاكم الفلسطيني: "جوهر أبو لاشين"، هذا الفتى القادم من الناصرة، إلى بطولة العالم في الملاكمة، ممثلاً لإسرائيل، ومن ثم ليبدأ باكتشاف معطيات هويته، ومكوناتها، إلى درجة أنه سيضحي ببطولة العالم، من أجل استعادة هويته العربية الفلسطينية، وليكفّ عن أن يكون مجرد ملاكم «نصراوي»!..
من الجدير القول، إن المخرجة "ابتسام مراعنة"، تعتمد أسلوب التعليق الصوتي، بشكل أساس، في هذا الفيلم، حيث تقوم بسرد الحكاية بصوتها، وهو ما يضفي طابعاً ذاتياً على الفيلم، يُضاف إلى حضورها الشخصي، وحضور أفراد أسرتها، وحكاياتها، وأحلامها، وتمنياتها، ورؤاها، واعترافاتها حتى المُؤلم، أو المُخجل، منها!..
كما أنها تترك للحوارات والأسئلة، مع الشخصيات، فسحة أن تسترسل على مداها، إلى الدرجة الذي يبدو فيه الفيلم قطعة من حياة يومية، أو تسجيلاً لوقائع صادفت المخرجة أثناء التصوير، في قرية فلسطينية استلبها الاحتلال إلى درجة الخوف، الذي لن يمنع المخرجة، وشخصية واحدة على الأقل، من النفور من هذا الواقع.. ويبقى أن اللعبة المونتاجية الماهرة، ستتبدى في عدد المشاهد البالغة التأثير، مترافقة مع اختيارات موسيقية تعزز الحالة، وتبلغ بها ذراها.
«الفردوس المفقود»، للمخرجة ابتسام مراعنة، فيلم فلسطيني بإنتاج إسرائيلي، لن يضطر لدسم السمّ بالعسل.. فالعسل مسموم أصلاً.. وربما علينا استنقاذ ما تبقى منه.. بالسؤال على الأقل.

الى الأعلى
تعليقات القراء: + - 
التعليقات لا تعبر إلا على رأي أصحابها.
1   kol alehteram
nono     الثلاثاء 18 يناير 2011   01:50  مكة المكرمة 
shokran
  تعليقك على الموضوع:
الاسم:*
البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق:*
محتوى التعليق:*
(*) هذه الحقول مطلوبة