متابعات

برحيل الطاهر الشريعة... هل تندثر أيام "قرطاج"

صرحتُ لقناة الجزيرة الإخبارية على الهواء مباشرة، في نشرتها "الحصاد المغاربي"، يوم افتتاح الدورة الأخيرة للمهرجان السينمائي المعروف ب"أيام قرطاج السينمائية"، والذي تحتضنه العاصمة التونسية كل سنتين، بأن هذه التظاهرة قد شاخت وترهلت وأخطر من كل شيء أنها انحرفت عن خطها التحريري الذي رسمته منذ بدايتها سنة 1966. وأضفت أيضا بأنها فقدت هويتها التي ميزتها عن باقي المهرجانات، وضيَّعَتْ تلك الخصوصية النادرة التي كانت تتمتع بها كأول تظاهرة سينمائية في القارة الإفريقية و"العالم العربي"... وحتى في ما كان يُطلق عليه في القرن الماضي ب"العالم الثالث".
كانت "أيام قرطاج السينمائية" تهتم بسينما الجنوب: الإفريقية والعربية خاصة، وهي سينما ناشئة حينها في أقطار خرجت توا من معطف الاستعمار، وأخرى كانت مازالت تناضل لإحرازه في جو سياسي تسوده حركات التحرر في جنوب الكرة الأرضية. كما كانت "أيام قرطاج السينمائية" تظاهرة حميمية إلى حد أننا كنا ندافع عنها وعليها لأنها كانت جزء من كياننا السينمائي والفضاء الوحيد الذي يجمعنا حول أفلامنا، إنتاجاتنا المحلية التي كنا نفتخر بها، مهما كانت ضعيفة، وبغض النظر عن سذاجتها وأخطائها التقنية، وبها كثير من الانكسارات، إلا أنها كانت صورتنا وصوتنا. لم نكن نمل من مناقشتها وتحليلها ودفع أصحابها إلى المزيد من الخلق والإبداع بروح أخوية يعلم بها الجميع ويحس بها كل متورط في سينمانا.

وقد ساهمت هذه التظاهرة بشكل مباشر- مدعمة بالمد الفكري التحرري لسنوات الستينات – في ظهور ما سيُعرف حينها ب "السينما الثالثة". وهي "سينما الجنوب" التي تمتد من أمريكا اللاتينية إلى آسيا مرورا طبعا من إفريقيا، ولها مدافعوها كُثُر حتى في الأقطار الأوروبية، حيث ظهرت مجلات متخصصة في "السينما الثالثة" من بينها مجلة في المغرب "سينما 3" في بدايات السبعينات من القرن الماضي والتي كان يصدرها الناقد والسينمائي المغربي الأستاذ نور الدين الصايل. ساهمت فيها أقلام من مختلف الأقطار تؤمن بهذه السينما الناشئة والمستقلة والمتحررة الداعية لإنتاج صورنا وتداولها. مهرجان قرطاج كان ببعد إفريقي وعربي، أو بلغة السياسة جنوب – جنوب، فكان فضاء يلتقي فيه هذا الفكر من خلال السينما بريادة المفكر السينمائي الطاهر الشريعة.   
لقد كانت "أيام قرطاج السينمائية" عيدا مشرقا نلتقي فيه كل سنتين وننتظره بشغف كبير بمجرد ما يسدل ستاره، إلى حد أنني شخصيا فضلت الذهاب إليه عوض مهرجانات أخرى أوروبية حين تتقاطع في نفس التاريخ، لأن قرطاج كانت أيامه كلها نقاشات سينمائية جادة بعد فرجة جماعية ممتعة. مدرسة لامتحان النقد السينمائي. وبالأساس وجود جمهور واسع ومتنوع ومثقف وعاشق للسينما لأن الشعب التونسي شعب جميل الذي امتحنته عن قرب لمدة سنوات، ليس في مهرجان قرطاج السينمائي فقط وإنما أيضا في مناسبات ثقافية متعددة وخاصة أنني تلقيت تداريب صحفية عدة في المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين بتونس في إطار البرنامج الأوروبي "ميد- ميديا" والمؤسسة الألمانية فريدش نومان تحت إدارة الشبكة الأوروبية المغاربية للتكوين في الاتصال من تمويل الاتحاد الأوروبي. لم أكن أحس إطلاقا بغربة ما داخل هذا البلد المغاربي.

ظهرت مهرجانات كثيرة بعده، سواء في القارة الإفريقية أو الأقطار العربية وكذا في بعض البلدان الأوروبية، التي بدأت تتخصص في الفيلم الإفريقي أو العربي أو هما معا، إلا أنها جميعها لم تفلح في إسقاط راية قرطاج إلى الأمس القريب. لكن للأسف رُفعت المعاول من داخله – أي من داخل تونس - لهدمه بتغيير ملامحه كليا وإعادة النظر في خصوصيته وإدخال ديكور غريب عنه وشحنه بأصوات شاذة لا يهمها الإرث الثقافي في الحقل السينمائي الذي أسسته "الأيام" عبر سنوات.
إننا مع التجديد والتطوير والارتقاء الذي يحتفظ بِلُبِ الهوية إلا أن ما وقع في الدورتين السابقتين واضحة الأهداف والمقاصد والمهام التي أُنيطت بالإدارة الجديدة تتزعمها منتجة لم تنجح في فرض نفسها على الساحة باستثناء ببعض الوصلات الإشهارية التجارية. لقد ترأست "قرطاج" بمهمة قتل ماضي "الأيام" الجميلة بكل تجلياتها ومحوها من الذاكرة. وهذا ما أكدته كتابات صحفية كثيرة ناقدة للدورتين التي يمكن الاطلاع عليها بسهولة في مواقع البحث بالانترنيت. وحتى لا ندع مجالا للشك يمكن للقارئ الكريم الاطلاع على كلمة المديرة الجديدة المنشورة في موقع المهرجان والتي تؤكد فيها ما أسلفنا ذكره ابتداء من العنوان خاصة إدا تمعنتم جيدا بين السطور لكون الافتتاحية ترسم عادة خريطة العمل والمهام والأهداف...

 "اغتيال قرطاج"...

وتشاء الصدفة الماكرة إلا أن تؤكد هذه المعطيات الخفية بإبرازها إلى العلن ولو بثمن باهظ جدا. فهذه الصدفة التاريخية المُعبرة تغنينا عن كل تعليق إضافي عليها لأن لعبة القدر هنا بين تاريخين تتطلب دراسة بسيكولوجية عميقة من طرف المتخصصين.
تتجلى هذه الصدفة/القدر في "تكريم" مؤسس "أيام قرطاج السينمائية" الطاهر الشريعة (1927 - 2010 ) في ختام الدورة الأخيرة ليختطفه الموت بعد أربعة أيام من ذلك، وكأنه إعلان غير مباشر- أو ضمني- عن موت "أيام قرطاج السينمائية" حيث تم استحضار مؤسسها في ختام المهرجان (أشدد على يوم الاختتام وليس في افتتاحه !؟ !؟ !؟ !؟ !؟ فلو كان يوم الافتتاح يعني الرغبة في الاستمرار – دبلوماسيا- لكن في الاختتام هو التحية والسلام عليكم). حضر الطاهر الشريعة ليعلن وصيته ويرحل. وكان قد أعلنها من قبل بأيام في صحيفة الشروق التونسية، وزكاها الزميل كمال الريحاني في مقال له عن رحيل الطاهر الشريعة في موقع الجزيرة الوثائقية، حيث "حذر الراحل من التدخل الأجنبي وأوصى أن تبقى هذه الأيام مستقلة" وهو يدرك ما يقوله خاصة وأنه اشتغل مع الفرنسيين ويعلم بمقالبهم. 

سيُسائل التاريخ لا محالة، مستقبلا، الإدارة الساهرة حاليا على المهرجان الذي تم تصريفه للتجارة "لماذا لم يُكرم الطاهر الشريعة سنوات قبل ذلك؟" مع أنه يقطن قريبا من المهرجان. لماذا، أيضا، "لم يكن يُستدعى للمهرجان في حياته؟" وكأنه غريب عنه؟؟؟. لماذا تأخر التكريم، هو أبو"الأيام"، مع أنه حظي به في العديد من التظاهرات الإفريقية والدولية بحيث أن المغرب سبق تونس بسنوات في تكريمه وذلك سنة 2002. وأيضا في واغادوغو سنة 1987 وتسلم جائزة من يد رئيسها المتمرد طوماس سانكارا... وغيرها من الأسئلة التي قد نسوقها هنا فتأخذ مساحة كبيرة من هذا النص لذا نكتفي بما سبق من التساؤلات والأسئلة وبعدد كبير من علامات الاستفهام إن التاريخ يمهل ولا يهمل. ومن لا يثق في هذه العبرة فلينزع الغشاء من عينيه ويرى قليلا من حوله في التاريخ القريب وليس البعيد فقط.

الطاهر شريعة (يسار) والمخرج السينغالي عصمان سيمبان

إن الرسالة/الوصية/التكريم/الموت/الصدفة/القدر هي نهاية مرحلة للشروع في مرحلة جديدة ستبتعد فيها "تونس" عن "قرطاج" بمسافة كبيرة في الشكل والمضمون حيث يمكننا القول وبدون مبالغة بأنه تم "اغتيال قرطاج". وستكون تونس هي الخاسرة الأولى قبل غيرها. ولن ينفعها "تحويل" التظاهرة من "أيام جنوبية" إلى "مهرجان دولي" بإدارة ظهرها لعمقها الاستراتيجي والنظر إلى الضفة الشمالية الغربية حتى يستقطب النجوم الغربيين طبعا ليلتحق بدوره بتلك المهرجانات الشاذة التي تنبُت هنا وهناك بدون ملامح بقدر ما هي استنساخ لبعضها بشكل مشوه. وهذا ما تهدف إليه مشرفته الحالية التي تفكر برأس باريسي وتنفر من كل ما هو جنوبي الذي يعني بالنسبة لها "التخلف" فغابت الأجساد الإفريقية بألوانها وأصواتها وحميميتها في الدورتين الأخيرتين حسب شهود عيان لتعوضها الأجساد الأوروبية وكأنه مهرجان السينما الأوروبية في تونس. إن "السياحة" هي التي ينبغي عليها إن تخدم "السينما" وليس العكس مادامت الأولى هي التي تستفيد من الثانية.
ستقترب "الأيام" من السياحة لكنها ستبتعد عن "السينما" كثيرا جدا فتفقد جوهرها وعمقها، وستتضاعف عزلتها بسبب أخطاء سيدة غير واعية بخطورة الخطوة التي تقدم عليها. فهل تونس في حاجة لقتتل "أيامها" الحلوة من أجل بهرجة باهتة لا تسمن ولا تغني الحقل السينمائي المحلي؟
لن يتحمس الأوروبي والأمريكي وغيرهما للانتقال إلى تونس إذا كان ما سيُعرض عليه في قرطاج في متناوله في بلده أو البلدان القريبة إليه وباحترافية أكثر رغم الإغراءات التي قد تُرسل له بعد أن كثرت المهرجانات السينمائية في العالم ووفرت إمكانية الاختيار الجيد من الغث.

رغم أن الأغلبية الساحقة (حتى لا أقول الإجماع) من الذين تتبعوا، عن قرب، الدورة الأخيرة ل"أيام قرطاج السينمائية" من المدعوين من خارج تونس، ولا أعني بهم الصحفيين والنقاد والفنانين فقط، وإنما أيضا محترفي السينما بكل اختصاصاتهم وجنسياتهم والذين أكدوا على خواء "الأيام" الأخيرة وروتينيتها ومللها وفوضويتها وانحرافها وانجرافها نحو صيغة غير مضمونة النجاح إطلاقا بقدر ما تتضمن عناصر الفشل المحتوم إذا استمرت نفس الإدارة تعبث فسادا في تحفة تونس "قرطاج" الرمز.

ورغم كل هذه المعطيات والدلائل. يطل علينا الناقد التونسي خميس الخياطي (صاحب الكتاب النقدي اللاذع "تسريب الرمال" حول الفضائيات العربية) من شاشة قناة الجزيرة الإخبارية في نشرتها "الحصاد المغاربي" بصورته الواضحة من الاستيديو الرسمي (وليس بمكالمة هاتفية فقط) وذلك بعد اختتام المهرجان ورحيل شيخ السينما الإفريقية الطاهر الشريعة ليُلمع صورة هي مُضببة أصلا ل"الأيام" التي لم تعد كما كانت. ينفي في تصريحه بوجود انحراف ويصفق للنجاح الذي حققته الدورة رغم أنف الواقع، وتحمس بلوي عنق الحقيقة. فأقول له – وقال معي الكثيرون – "سبحان مبدل الأحوال". فهل لم يقرأ الناقد خميس الخياطي، الذي ترحم على الروح الطاهرة للطاهر الشريعة؟ الكتاب الذي أصدره الراحل نفسه بعنوان "أيام قرطاج السينمائية؟ فيها وعليها..." الذي صدر عن ميدياكوم للنشر بتونس (دار النشر موجودة في تونس وليس خارجها) ضمن سلسلة "سينما" التي كان يشرف عليها خميس الخياطي نفسه؟؟؟ حيث وجه الراحل الشريعة بين دفتيه نقدا لاذعا وواضحا ومباشرا لا لُبس فيه لمهرجان قرطاج السينمائي الذي كان قد بدأ ينحرف عن مبادئه التي تأُسس بها ومن أجلها. فإذا كان السيد خميس الخياطي يعتبر رأي الشريعة لا يلزمه في شيء فإنه لم يعلن ذلك وبالتالي فهو يكون حينها قد تبنى ما جاء فيه أما إذا لم يقرأه فتلك مصيبة وطامة كبرى لمسؤول على النشر لم يتحمل مسؤوليته.

إن إسكات الصوت النقدي للراحل الطاهر الشريعة تُجاه المهرجان قد تجلى في عدة ممارسات، ذكرنا بعضها كعزله من إدارته ثم إبعاده وعدم توجيه دعوة له أم استدعائه للمشاورة بل حرمانه من الوصول إليه والهجوم عليه من خلال بعض الأقلام الصحفية الرخيصة. بل حتى من طرف من يدعون البحث العلمي في الصورة بنكران الطاهر الشريعة كهرم يُرى بدون منظار من مسافات بعيدة جدا وجعله مجرد "أيها الناس"، أو أنه لم تكن له بصمات فعالة وملموسة في السينما التونسية والإفريقية والعربية برمتها وليس أيام قرطاج وحدها والتي لم تكن إلا نتيجة لما قدمه الراحل.

 "تزوير التاريخ"...

لقد صُدمت حقا حين قرأت كتابا بالفرنسية Abécédaire du Cinéma Tunisien  (أبجديات السينما التونسية) وهو من الحجم الكبير (21/30) يقع في 433 صفحة لصاحبه هادي خليل والذي "يؤرخ" فيه للسينما التونسية (وضعت كلمة التاريخ بين مزدوجتين لتحفظي على محتوى الكتاب). ويقول بأنه باحث جامعي يعتمد على العلم في صياغة "بحثه". لأكتشف بأن "السيد الباحث" كان بحثه "ذاتيا" وطغت عليه بشكل صارخ إذ لم يذكر الطاهر الشريعة إلا في ثلاث فقرات عابرة وموجزة لا تتجاوز سطر أو إثنين (صفحات 269 و316 و383) ولم يعتمده في مراجعه إطلاقا. مختصرا مجهود الراحل "في لاشيء". بل يتخلص منه حين ذكره في الصفحات المذكورة بإحالتنا إلى الكتب التي تحدثت عنه (وكأنه، أي "العالم الباحث"، يقول لنا إذا كنتم تحبونه أو من مريديه فاقرؤوه عند غيري ... يا للأسف !!!). ولم ينشر له ولو صورة واحدة على الإطلاق. علما أن الكتاب به صور كثيرة وليست كلها مهمة أو ذات قيمة تاريخية. وهذا يذكرني بالمعسكر الاشتراكي البائد- غير المأسوف عليه- الذي يمحي أثر الذاكرة البصرية من كل الجوانب للمغضوب عليهم من طرف من يسخرون "معارفهم العلمية" في تزوير التاريخ.
إن مؤسس السينما التونسية الحقيقي ومؤرخها هو الطاهر الشريعة بلا منازع منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي. واستمر في بنائها وتكوينها ليصبح عمودها الفقري إلى أن تقرر معاقبته ومحاصرته والعمل على محو تاريخه ومحاولة تحطيم معنوياته إلا أنه كان قويا صلبا وشامخا بفكره المستقل الحر والناقد الثاقب في آن واحد. ويشاء القدر أن يكون طويل القامة وقوي البنيان وعميق الفكر لمواجهة خصومه في الداخل أما في الخارج فهو رمز ساطع ومضيء.
إن الراحل الطاهر الشريعة والسينما التونسية يشكلان خطا تاريخيا واحدا إذ لا يمكن الفصل بينهما. لا حديث عن السينما التونسية بدون الطاهر الشريعة ولا وجود للسينما التونسية بدونه أيضا فهذا قدر تونس التاريخي.      

كان لقائي الأول بالراحل الطاهر الشريعة في تونس، وكان حينها مُحاصرا ولا يحق له الاقتراب من مهرجان قرطاج السينمائي. إلا أن أحد أصدقائي التونسيين رتب لي موعدا معه وحملني بسيارته إلى بيته لأجري معه حوارا. ويبدو أن الشريعة وافق بدون تردد ومُرحبا به حسب ما حمله إلي صديقي التونسي لكوني مغربي. إذ له تقدير خاص للمغاربة. وهو التقدير الذي سأكتشفه منذ اللحظة الأولى عند اللقاء به.
بعد الترحيب، وبعض الأسئلة العامة حول المغرب وأحواله، سألني عن الصحيفة التي أشتغل فيها وعن إنتمائها السياسي. ثم سألني عن اللغة التي تصدر بها فأجيبه طبعا عن جميع الأسئلة. لكن، حين قلت له بأن الصحيفة تصدر بالعربية سألني عن سبب صياغة أسئلتي باللغة الفرنسية في المذكرة التي كنت قد فتحتها ووضعتها أمامي مع آلة التسجيل. لم أنتبه بأنه كان "يدرسني ويقرأني" حسب التعبير الذي استعمله مرافقي الصديق التونسي بعد أن خرجنا من منزل الشريعة.

كتابه بالفرنسية عن سينما التحرر في أفريقيا

أعترف بأنني ذهبت إليه بأفكار مسبقة، معتقدا أنه "مثقف فرانكوفوني" خالص لأنه عاش مدة طويلة في فرنسا، واشتغل مع الوكالة الفرنسية للتعاون الفني والتقني، وأنه ينتمي إلى الجيل الذي درس باللغة الفرنسية كما هو الشأن عندنا في المغرب. لذا كنت قد اعتقدت بأن الحوار سيجري بالفرنسية حتى يكون مرتاحا في الرد ويعطيني ما يخزنه من المعرفة السينمائية وتجربة مهرجان قرطاج. إلا أنه قال لي: "ما دامت الصحيفة بالعربية فلنتحاور بلغتها". لا أخفي بأنني تخوفت من أن يحدثني بالعربية إذ اعتقدت بأنه سيجيبني بخليط لغوي فيه العربية مع العامية التونسية والفرنسية فلن أنجح في نقل أفكاره خاصة وكانت لدي أسئلة أريد منه أجوبة صريحة فيها.
كم كانت مفاجأتي حين كان يرد علي بعربية فصيحة وببلاغة مدهشة بحيث لم أمل رغم طول الأجوبة التي كان يفصل فيها تفصيلا تتجاوز أحيانا 15 دقيقة.
لم يعد هذا اللقاء بالنسبة لي مجرد لقاء صحفي تنتهي علاقتي بالمستجوب فقط كما حصل لي مع كثيرين، وإنما تحول إلى إعجاب بالرجل وتقديره، محطة أساسية في عملي والأشخاص الذين إلتقيت بهم في مجال السينما. خاصة وأنه عبر لي في نهاية الحوار الرسمي (لأننا تحاورنا كثيرا على هامشه بعد ذلك) على أنه أحس بالاطمئنان لأسئلتي لكي يتحدث في عمق المواضيع، وهذا أثلج صدري ورفع من معنوياتي فاشتغلت على الحوار بعناية فائقة.

سألتقي به في المغرب، من جديد، عند حضوره فعاليات مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة حيث سلمته نسخة من الحوار لأسيء الظن به مرة أخرى بدون وعي مني، إذ اعتقدت حينها بأنه سيكتفي بإطلالة خاطفة عليه ثم يرميه في القمامة أو في أحسن الأحوال يتركه على الطاولة لترميه المنظفة ليفاجئني في بهو الفندق يشكرني على الصياغة الأمينة في نقل الحوار رغم ما قمت به من تلخيص لبعض من أجوبته. وقد فاجأني في نفس اللحظة حين ناقشني في مواضيع أخرى كانت بالصفحة السينمائية التي كنت أُعِدُها لأنتبه أن الرجل قرأ الصفحة بكاملها. وقد إلتقيت به في محافل سينمائية أخرى كلها حول السينما الإفريقية أو العربية.
ولا تجمعني بالراحل الطاهر الشريعة عشق قرطاج في صيغته القديمة فقط قبل الانقلاب عليه وحب فنون السينما بل أيضا أننا جئنا كلانا إلى الحياة في أحد أيام "5 يناير" واشتهر كناقد سينمائي حين وُلدت بالضبط، فعناصر الصدفة هاته كافية لنجد أنفسنا ننجذب إلى بعضنا في الفكر والممارسة وأنا فخور بمعرفته.

 "قال الحقيقة... ورحل"

ثم أصبح عندي تقليد بزيارته كلما حللت بتونس إلا مرات قليلة حين قيل لي بأنه مريض جدا لا يقوى على استقبال الزوار. أو ذات مرة كان فيها مسافرا إلى الجنوب التونسي. لكن أصررت ذات زيارة لي إلى تونس أن أزوره رغم مرضه لكي أحظى بتوقيع لكتابه الجديد الصادر توا بعنوان "أيام قرطاج السينمائية؟ فيها وعليها..." خاصة وأنه اختار للصفحة الأولى لكتابه، بعد الإهداء لوالديه، فقرة للمفكر التونسي هشام جعيط معبرة جدا وهي التالي: "...الحقيقة أن المثقف العربي يائس وترب وكئيب، لكن اليأس وفقدان الأمل والكآبة كل هذا يجب ألا يمنع المثقف والمفكر من تحليل الواقع والالتزام بالحقيقة ونقد المجتمع والدولة والإيديولوجية معا حتى ولو "تكلم" في الصحراء..."
وبذلك فهو نفسه يعيد إنتاج هذه الدعوة التي أنصت إليها بوعي بقول الحقيقة وليس غير الحقيقة... حيث عرّى في كتابه مهرجان قرطاج من الداخل وتنبأ بنهايته الدرامية. إلا أنه لم "يتكلم في الصحراء" بل سمعناه بقوة وأدركنا صرخته وعايناها على أرض الواقع.

شريعة في أيام مهرجان قرطاج السينمائية الخيرة

ومن مهازل الدورة الأخيرة ل"الأيام" هو الخرق القانوني لقوانين المهرجان نفسه بحيث اشتركت ثلاثة أفلام تونسية في المسابقة الرسمية في الوقت الذي لا يسمح القانون إلا بإثنين. فهل لكونه البلد المنظم يحق له أن يضيف ما شاء من الأفلام؟ أم قبلت بالأفلام الثلاثة التي أنتجتها تونس خلال ثلاث سنوات وكفى المؤمنين شرا؟ إن غياب المهنية والاحتراف سمح بما ملكت السيدة المديرة من قوة بفرض ما تريده تحت أنظار الجهة المسؤولة على المهرجان ممثلة في وزارة الثقافة أو بالأحرى في قسمها السينمائي.
كما خرقت الأخلاق أيضا باختيار الممثلة المصرية إلهام شاهين كعضوة في لجنة التحكيم مع وجود فيلمين مصريين في المسابقة الرسمية فيما حُرمت الأفلام الأخرى مِمَنْ سيدافع عنها. وقد تأكد الانحياز الكبير المرضي لإلهام شاهين في تصريحاتها للصحافة المصرية بعد عودتها من تونس حيث أقرت بأنها لم تكن احترافية ومهنية في اختياراتها بل غلبت الجانب الشوفيني بالدفاع على الفيلم المصري مهما كان مستواه الرديء. ويا للهول... فقد حصل الفيلم المصري "ميكروفون" على أكبر جائزة في المهرجان وهي "التانيت الذهبي". أجمعت جميع الكتابات على مستواه الضعيف، وأنه لا يستحق أية جائزة فبالأحرى "الذهبية" وبذلك عملت الإدارة الحالية على دق مسمار في نعش المهرجان بتمييع الجائزة التي كانت قبل سنين قليلة مفخرة لمن يحصل عليها وللمهرجان ولتونس. فذَهَبَ "التانيت" بِذَهَبِهِ أدراج الرياح بسبب "تضخم الذات" ويعلم الاقتصاديون أن "التضخم" هو جوهر الأزمة. لقد ضاعت مصداقية "التانيت" إلى الأبد. لم تتجرد السيدة إلهام شاهين كعادتها في حُكمها على الأفلام بمهنية باستحضار فنون السينما عند مشاهدتها للأفلام (إذا كانت تشاهدها أصلا فهي تحسم في الأمر قبل انطلاق المهرجان وتكبد مجهودا لإقناع أعضاء اللجان قبل مشاهدتهم للأفلام ب"إغراءاتها" على ضرورة حصول فيلم مصري على جائزة، وحين لا تصل مبتغاها تثير الزوبعة كما فعلت قبل ثلاث سنوات في وهران بالجزائر، لحسن الحظ لم تكن مباراة كرة القدم قد تمت بعد حتى لا تتهم الجميع بالانحياز). إن من يستمع لها تتحدث عن السينما يستغرب كيف يمكنها أن تحكم على الأفلام وتقييمها نظرا لجهلها المطلق بحيثيات السينما اللهم الكلام الخشبي الذي يعتمد على الذات وليس على المعرفة السينمائية. رحمة الله على "الأيام" الخوالي.
 

قد ينال إعجابكم