متابعات

رائحة الكافور ..موت المثقف في السينما الإيرانية

د.فاطمة الصمادي

كما في المجتمع كان المثقف في السينما الإيرانية يعاني غربة ، فهو المصاب بداء التغريب الذي يسعى لزعزعة هدوء المجتمع ، ولعل هذه النظرة قد وجدت انعكاسها في الأفلام من خلال تصوير سلبي لشخصية المثقف. وهو على الأغلب تلك الشخصية التي تمتلك صفات متشابهة و هوية خاصة ، فهو في الغالب أناني ،منفعل و عاطل عن العمل، وعند تقديم تعريف لشخصية المثقف نجد كما يقول الناقد أحمد طالبي نجاد نوعا من الكناية التي تحمل الإهانة و تعكس العدائية .
ويلاحظ وجود خلاف منذ القدم حول ماهية الإستنارة وفيما يتعلق بعلاقتها أصحابها بالسياسية و يطلق البعض على معارضي النظام صفة و لقب المثقف والبعض الآخر يرى عكس ذلك تماما فأهل الفكر و الثقافة لاتعنيهم السياسية و لاتستوقفهم وهناك فريق ثالث لاتهمه السياسة و يدعي الفكر وهو مايلقب ب"شبه المثقف".وفي التاريخ الإجتماعي لإيران ومنذ مايقرب من 150 نجد هذه الفئات الثلاث وفي مقاله الشهير " في خدمة و خيانة المثقفين" يحمل المفكر جلال آل أحمد المثقفين مسؤولية كل المصائب التي تواجهها الأمة . وبشكل عام فهذا الفريق المنبوذ وجد هوية مخدوشة في السينما الإيرانية سواء تلك التي كانت قبل الثورة أو تلك التي جاءت عقبها.

انحياز ضد المثقف
 و ارتبط هذا العداء في الغالب بالإحساس المعادي للأجنبي و الغريب، وفي وقت مبكر من تاريخ السينما الإيرانية إنحاز المخرجون إلى شخصية "السوقي"  البسيط والجاهل مقابل المثقف الذي نال حظا كبيرا من العلم و الأدب في أغلب الأوقات.
يعد فيلم "حاجي آقا آكتور سينما" ( الحاج ممثل سينما )  1309من الأفلام النادرة التي قدمت صورة مضيئة للمثقف، لكنه أيضا دافع عن المثقف المستغرب، ويميل باحثون في شؤون السينما إلى الربط بين هذا الفيلم والرواية التي نشرها المستشرق جيمس مورير، وحملت عنوان"مغامرات حاج بابا في اصفهان" وهي الرواية التي تم حظرها في إيران بعد الثورة لما فيه من نقد ساخر للمجتمع الإيراني.
وجاء أبطال أفلام السينما الإيرانية في الخمسينيات و الستينيات من القرن العشرين لتصوير شخصيات من الطبقات الدنيا ، يقفون بثبات ضد أي محاولات للتحديث و التمدن، بحجة أن مجتمعاتهم لاعلاقة لها بذلك. كان المخرج ابراهيم جلستان من بين عدد قليل من المخرجين ذوي الميول التنويرية في تلك الفترة ، في فيلمه "خشت و آينه" (الطوبة و المرآة) يقدم جلستان مشهدا لعدد من المثقفين يتحلقون حول طاولة و يغرقون في بحث فكري دون طائل و لاينتهي ،في فيلمه هذا يجعل جلستان مشاهده يحس بأنه أقرب إلى سائق التكسي .وفي العام 1349 يقدم كيمائي فيلمه "رضا موتوري" (رضا صاحب الدراجة) وفيه نشاهد شابين يتشابهان في الشكل و يتقمصان تبادل الأدوار ،أحدهما "قبضاي" و الاخر كاتب، وينحاز المخرج بلا تردد للأول.
في فيلم "رگبار" (المطر الشديد) لبهرام بيضايي کان المشاهد على موعد للمرة الأولى على المثقف الذي لايضعه المخرج في معرض السخرية،في هذا الفيلم نشاهد السيد حكمتي معلم المدرسة الذي يدخل في تنافس مع قصاب الحي للفوز بقلب إمرأة، يضعهما المخرج في مواجهة تتعاظم عندما يقرر المعلم أن ينفض الغبار عن صالة العرض المهملة في المدرسة ، في الفيلم يتعرض المعلم المستنير للضرب على يد القصاب و العزل و المقاطعة من قبل المدرسين الآخرين، ورغم أنه ينجح في إعادة الحياة لصالة العرض ويحظى بإعجاب الطلبة و الأهالي في المسرحية الأخيرة،لكن "المعلم المصلح" يجد نفسه مجبرا على مغادرة الحي. والإنزواء أيضا يكون مصير معلم الخط في فيلم "خواستگاري" (الخطبة).

ابراهيم جلستان..مثقف ضد المثقف                                                     دارويش: هجاء لاذع  

شکلت شخصية المعلم رمزا للتنوير في السينما الإيرانية و استمر ذلك في سينما مابعد الثورة الإسلامية ، ففي فيلمه المعروف حرب اطهر"جنگ اطهر" (حرب أطهر)عام 1980 يقدم محمد علي نجفي المعلم أطهر المحبوب من قبل طلابه ، والذي يحاول أن يقدم الواقع الإجتماعي و السياسي للمجتمع من خلال مسرح يؤدي الشخصيات فيه طلابه ويقدم حياته من أجل هذا الهدف. ونجد الشخصية النقية المخلصة للمعلم في العديد من الأفلام الإيرانية و منها "جاده هاي سرد" (الطرق الباردة)لمسعود جوزاني عام 1990 و الرابطة لبوران درخشنده عام 1991،و السباحة في الشتاء "شنا در زمستان" للمخرج محمد كاسبي عام 1993.
ويمارس المخرج المعروف داريوش مهرجويي نوعا من السخرية و الإستهزاء من الشخصيات المثقفة والكتاب وأهل الفن ، و ذلك مانجده في فيلميه "هامون "عام 1993 و المستأجرون"اجاره نشين ها"، فحميد هامون كما يقدمه مهرجويي هو ممثل للمثقف الإيراني بعد الثورة : بلا وظيفة واضحة، مضطرب، و منسي، هو رجل غارق بين الحلم و الواقع ويسعى لحل اللغز الفلسفي الكامن وراء قرار إبراهيم عليه السلام بالإمتثال للرؤية التي رآها و تقديم اسماعيل قربانا، ويرى حميد رضا صدر أن النسل المهزوم في سوق العمل، المليء بإحساس عدم الأمن، والفاقد للثقة بالنفس و بالأفكار السياسية كله نجده مجتمعا في شخصية هامون، في فترة وصفت الإستنارة بأنها ليبرالية، و وصف الليبرالي بأنه من باع نفسه للغرب، ولذلك فحميد هامون لايدري من هو بالضبط و لا في أي إتجاه يمضي.
ونرى تعارف الرجل الجاهل بالرجل الكاتب في فيلم اللص و الكاتب "دزد و نويسنده" للمخرج كاظم معصومي، في الفيلم يقوم اللص بسرقة حقيبة الكاتب، وفي الوقت الذي تمثل الكتابات أهمية قصوى لصاحبها تكون هذه الأوراق بلا قيمة بالنسبة للص. وهذا التجاهل نشاهده أيضا في فيلم ايران قصري أنا"ايرن سراي من است" لبرويز كيمياوي عام 2001 حيث يفشل كاتب شاب في الحصول على إذن بنشر كتابه حول شعراء الشعر الكلاسيكي في إيران.

المرأة المستنيرة
مع نهاية عقد التسعينيات وبداية العام 2000 كانت المرأة المثقفة تدخل كشخصية أساسية في السينما الإيرانية،لكن دون أن تأتي خالية من المشاكل و الإحباطات، ففي فيلمها سيدة أيار"بانوي ارديبهشت" تقدم المخرجة رخشان بني إعتماد قصتها الشخصية من خلال فيلم يزاوج بين الوثائقي و الروائي. في الفيلم تقوم مينو فرشجي بتقديم شخصية المخرجة التي تجد نفسها أمام الرغبة في الزواج مجددا على الرغم من أن لديها ابنا على أعتاب مرحلة الشباب لايقبل مجرد التفكير في أن أمه ستقدم على هذه الخطوة، تقدم بني اعتماد هذه الشخصية أو شخصيتها من خلال اضاءة جوانب عديدة من حياتها الخاصة و المهنية ، وأثناء عملها لعمل فيلم عن الأم النموذجية تقابل العديد من النساء الفاعلات على ساحة العمل السياسي و الإجتماعي في إيران .

رائحة الكافور عطر الياسمين                                                           فيلم جنكت خرج عن السياق

وفي فيلمها شمعة في مهب الريح"شمعي در باد" تقدم المخرجة بوران درخشنده إمرأة كاتبة تطرح أسئلة نسوية لاتجد لها إجابات، وتعيش ازمة في علاقتها مع الرجل الزوج و الرجل الإبن . و المرأة الكاتبة تقدم في موقع هو الأكثر ايلاما في كلب للقتل"سگ کشي" للمخرج بهرام بيضايي ، أزمة تقود إلى الجنون في مجتمع يلقي العنف و الطمع ظلا ثقيلا عليه. ولا يعيش الكاتب الرجل في أفلام مهرجويي حالا أفضل فالغربة هي مصيره، کما في فيلمه شجرة الأجاص "درخت گلابي" عام 1997.

رائحة الموت
وإن كان بعض المخرجين قد تناولوا غربة المثقف في المجتمع فقد إختار البعض الأخر موته كما نشاهد في فيلم عباس كيارستمي طعم الكرز "طعم گيلاس" » فمثقف کيارستمي و دون آن يخبرنا عن السبب يقرر قتل نفسه و يبدأ في البحث عن شخص يقبل أن يهيل على جسده التراب . أما المخرج بهمن فرمان آرا  و من خلال فيلمه رائحة الكافور عطر الياسمين "بوي كافور عطر ياس" يقدم شخصية مخرج بعد سنوات من العيش خارج إيران يعود عام 1999 ليصنع فيلما وثائقيا حول مراسم الدفن في إيران ،و بينما هو يحضر فيلمه يقوم بشراء قبر له ، و الفيلم هو مواجهة صارخة بين الحياة "عطر الياسمين" و الموت "رائحة الكافور" ، يحاول فرمان أرا تضخيمها من خلال عدد من المشاهد السياسية، وتنتقل الكاميرا من تصوير لوجه الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي و هو يتحدث حول الحرية إلى وجه المخرج آرا صامتا متعبا. يطرح هذا الفيلم سؤال الحرية و الموت الذي يواجهه المثقف و الكاتب في إيران مع ربط واضح لما جرى في عهد خاتمي من حوادث القتل المتسلسل التي طالت عددا من المثقفين الإيرانيين. وهي الحوادث التي قدم عدد من المخرجين أفلاما وثائقية حولها .
وفي فيلم "يك بوس كوچولو"( قبلة صغيرة)، للمخرج آراء تبقى رائحة الموت وان كان أحد ابطال الفيلم يعرفه بأنه قبلة صغيرة ، نلمح في  قبلة صغيرة اشارة لحياة واحد من أهم المثقفين الإيرانيين وهو ابراهيم جلستان، والمثقف في هذا الفيلم يقدم عائلته قربانا للوصول إلى أهدافه .وفي بحثه عن الزمان المفقود تنتشر رائحة الموت، وكما هو الزمن ضائع كذلك الذاكرة تتلاشى شيئا فشيئا بفعل مرض الزهايمر.

قد ينال إعجابكم